الجو العام للنص
يتقمّص الشاعر فكرةَ نصه من رواية مشهورة من كلاسيكيّات الأدب الإنكليزي، وتعتبر أوّل رواية معربة في الأدب العربي الحديث (عام 1835)، تدور أحداثها حول شاب ثريٍ يدعى روبنسن كروزو، قام برحلة للأمريكيتين وانتهى به الحال وحيدا في جزيرة نائيّة، تتحدث الرواية عن الصراع الداخلي لروبنسن وتجربته في العزلة، وكيف أنها غيّرت حياته وطريقة نظرته للأمور، هي قصّةٌ كتبها دانيال ديفو، نُشِرتْ للمرة الأولى سنة 1719، تعتبر أحيانا الرواية الأولى في الإنكليزيّة، هذه الرواية هي سيرة ذاتيّة تخيلية وهي تحكى عن شاب انعزل في جزيرة ما، وحيداً لمدة طويلة، من دون أن يقابل أحداً من البشر، ثم بعد عدة سنوات يقابل أحد المتوحشين ويُعلمّه هذا الشاب بعضَ ما وصل إليه الإنسانُ المتحضِّر من تقدمٍ فكريٍ ويَجعله خادمه، في نهاية القصّة عاد روبنسون كروزو ومعه خادمه إلى أوروبا، حيث العالم المتحضر، الإنسانَ قد يجدُ نفسه مُضطرّاً إلى انْ يتّخذَ قراراً صعبا يغيّر مجرى حياته، لكن هناك فرقا بين ما يختاره بإرادته، وما يُجبر عليه.
دلالة العنوان
في هذه الأحداث يعكسُ الشاعر معاناتهِ من خلال رحلة منفاه، الذي اختير له، من دون إرادته، ومن خلال هذه الشخصيّة روبنسن كروزو تدورُ أحداث هذه القصيدة، بكلِّ ما حصل لبطل الرواية، التي عكسها الشاعر بكل وعيٍّ على نفسهِ وكيف اضطر إلى ترك وطنهِ إلى منفى لم يُفكر فيه، بل أُجبر عليه، حيث تبدأ رحلتُه الشاقّة بعيداً عن مرتع صباه، وبعيداً عن ناسه الذين ألِفَهم وعاش معهم، وهذه القصّةُ تعني للكثيرين حلم الانعزال عن هذا العالم الظالم، والحياة في ظل الطبيعة الرحيمة بالنسبة لهذا العالم، كما تظهر مدى التحضر الذي توصلُت له الأمم الأوروبية، ومثلّما كان بطل القصّة أوروبيَّ الولادة، عاد في نهايةِ القصّة إلى بلادهِ أوروبا، والربط واضح حيث كلاهما الشاعر والرمز، تركا بلاديهما وكابدا العيش، على أنّ الرمزَ، عاد إلى بلاده، ويأملُ الشاعرُ بالعودة إلى بلده أيضا.
المقطع الأوّل:
(لا أحدٌ في البيت يا روبنسن كروزو، كلهم سمعوا النداء فانسلوا واحد واحدا إلى النفق المعتم، خائضين في المجرى المائي البارد، كاتمين أصواتهم الواهنة، حاملين فوانيسهم في أيديهم، باحثين عن ظلالهم فوق الجدران المقوسة على الزمن، كلهم اضطربوا فتركوا متاعهم للجرذان وأختفوا في الثقوب، خشية البلل، لا أحد في البيت ينتظرك يا روبنسون كروزو، الغيمة التي تركتها هناك سفّتها الريح حتى الجبل).
يبدأ الشاعر بجملة ابتدائية في حوار تجريدي مع روبنسن كروزو، قد يكون هذا الحوار هو انعكاس لتجربة الشاعر نفسه، وهذا البيت هو بيته أو وطنه، والضمير الواو في الأفعال سمعوا انسلوا قد يعود إلى أهله أو أصدقائه، أو شعبه العراقيِّ الذين بدأوا الهجرة إلى منافيهم بشكل اضطراري بعد الكوارث التي حلّت بالعراق في زمن الديكتاتوريات، وكيف قادتهم هذه المنافي إلى التشرّد، أو قد يكون هو المنولوج الذي أُحيط بقصّة كروزو نفسه، أمّا قوله حاملين فوانيسهم في أيديهم، الفانوس هو وسيلة الإضاءة في العتمة، وهذه العتمة قد تكون متاهة العمر، أو متاهة المنفى أو متاهة المجهول، الذي قاد الشاعر وأصدقاءه من جماعة كركوك إلى منافيهم، أو قاد أهله وشعبه إلى منافي متعددة، وهذا ما يفسّر قوله كلُّهم اضطربوا فتركوا متاعهم للجُرذان، وهو وصف مؤلمٌ لكيفية وطريقة الرحيل، أو المغادرة هذه، فعودة الشاعر إلى استخدام الضمير الواو في فعلين اضطربوا وتركوا، دليل على الخطاب الجماعيِّ فهو يصف جمعا وليس مفردا فهل هذا الجمع هم أبناء شعبه؟ أم أصدقاؤه من جماعة كركوك؟ ام أهل الشاعر وخاصته الذين اضطروا إلى ترك بلدهم العراق نتيجة الكوارث التي حلّت به أبّان الحقبة الديكتاتورية، لاحظ قوله اختفوا في الثقوب خشية البلل، وهي استعارة عن المنافي، أو العقاب الذي ينتظرهم في بلدهم، أو خشية الضياع، فلم يعد أحد ينتظر الشاعر في بلده.
المقطع الثاني:
(على الرمل المشبّع برائحة القير ترك اللصوص علاماتهم، واعدين بالعودة في زمن آخر، لا ضمان ضدَّ نفسك، جالساً على الصخرة، نازعا حذاءك، مدليّا رجلين في ماء البحر المستكن، راصدا الأفق بمنظار صديقك البحار الذي أكله الحوت، عزاؤك الشمس فوق رؤوس الأشجار في غرّة الصباح وميراثك هذا الخليج العامر بالسلاحف والأسماك، تقيم ممالكها قريبا من كوخك، الشهب في الليالي والمطر الاستوائي في الظهيرة، وإذا ما حالفك الحظ فقد تخرج إليك حورية من البحر تقضي معها أجمل أيام حياتك). في هذا المقطع يصف الشاعر وصوله إلى الضفة الأخرى من رحلة المنفى أو العزلة التي كان ينشدها للخلاص، ولذلك نراه قد بدأ هذه المقطع بقوله على الرمل المشبّعِ برائحة القير، إذن قد انتهى المحيط، أو البحر الذي له مدلول السفر عبر سفينة روبنسون كروزو، لكن الآن أصبحنا نتحدّث عن الرمل، حيث الوصول إلى الشاطئ ورائحة القير، ليصف لنا الشاعر حاله بعد وصوله، باستخدامه اسم الفاعل للحاليّة أربع مرات مثل، جالساً، نازعاً، مدليّاً، راصداً، ليحوّل المشهد من مهاجر عبر البحار إلى وصوله متعباً مرهقا، حيث يحاول أن يقنع نفسه بجدوى هذه الرحلة الصعبة واختيارها الأصعب، وليس له عزاء على ترك بلده غير منظر رومانسي للشمس أعلى الشجر وقت الفجر، وكل ما يمكن ان يرثه من هذا الخليج الزاخر العامر بالأسماك والسلاحف، التي تقيم بيوتا قريبة من سكن متواضع اضطر إلى السكن فيه، والواضح من خلال بناء الصورة، يبقى منظر البحر قائما، دليلا على بلاد المهجر التي اختارها الشاعر، من دون إرادته.
المقطع الثالث:
(لا أحد في البيت يتحدّث عنك يا روبنسون كروزو لقد هجرك الجميع عندما صرت الشاهد والضحية، إنني أتركك لمصيرك الذي استحققته بجدارة، مشفوعا بآخر أحلامنا وأوهامنا، فابق في جزيرتك، ناسيا ومنسيا، وتأكد من أننا قد أحببناك دائما بصدق). وتأكيداً على إبقاء وحدة الموضوع وتقوية بنية القصيدة، كرر الشاعر المقطع الاستهلالي، لا أحد في البيت، للمرة الثالثة، حيث بدا الشاعر متمثلا بروبنسون كروزو بالشعور بالأسى والحزن، فقد بقي وحيدا، وقد أنفضَّ عنه الجميع، قد توحي هذه الصورة الأكثر تركيبا، بمفهوم الجميع وانزياحها الدلالي، هل الجميع هنا هم أهل الشاعر وخاصته؟ أم أصدقاؤه؟ ام أبناء شعبه؟ الذين اضطروا إلى هجرة بلدهم العراق بعد انتهاء حرب 1991، وقوله صرت الشاهد والضحيّة، فهو ضحية هذه الحروب والهجرات، ثم يقيم حوارا تجريدا مع بطل الرواية من باب التعزية لذلك الانكسار، الذي أخذ يعصف بالشاعر، مسليا نفسه بأحلامه وأوهامه، حيث استسلامه للمنفى، من دون أمل في الرجوع.
الخصائص الفنية للقصيدة
تكوّنت هذه القصيدة من مستويين دلاليّين: أولاً المستوى الدلالي للنص
تعتبر هذه القصيدة من قصائد النثر التي توخى الشاعر فيها تقنية قصيدة النثر الفرنسية، فكتبها على شكل كتلة، أي مقال، حيث احتفت بالنصوص الرمزية، التي قامت بتوظيف رمزيٍّ لرواية معروفة في الأدب الإنكليزي، والتي جمعت بالإضافة إلى العناصر الفنيّة، التي استفاد منها الشاعر لإسقاطها على رحلة معاناته الخاصة، فجمع بين الرمزي والواقعي، حيث عكس شخصية روبنسون كروزو على ذات الشاعر، والكيفيّة التي ترك بها موطنَه بحثا عن العزلة والراحة النفسية، حيث انتهت بالأول روبنسون إلى جزيرة نائية، لتبدأ فصول حياة صعبة غير تلك التي اعتاد عليها في وطنه الذي تركه باختياره، من دون أن يجبر على هذا الترك، بينما نرى العكس تماما بالنسبة للشاعر، الذي أجبر على ترك بلده نتيجة لصعوبة العيش في ظل نظام استبدادي، أو قد تكون هذه القصيدة ترجمة لمعاناة شعبه، خاصة أن تأريخ كتابتها متزامن مع تأريخ بدء هجرات الشعب العراقي بعد نهاية كارثة حرب الخليج الثانية.
المستوى الفني للقصيدة
أخذتْ القصيدة منحى دراميا، عبر الحوار التجريدي بين الشاعر والذات، وظّفه من خلال رمزية رواية كروزو، حيث زاوج بين ترك كروزو لبلده، وترك الشاعر لبلده، أو بين ترك الإنسان بلده، وبحثه عن العزلة والراحة، وبين معاناته بعد الوصول إلى المكان الجديد، استطاع الشاعر من خلال تكراره للمقطع الاستهلالي (لا أحد في البيت) أنْ يوحد موضوعة القصيدة، ويربط تفاصيلها وأحداثها عبر حوار مونودرامي، وعبر الانزياحات الدلاليّة لشخصيتي القصيدة، شخصية الرمز والذات الشاعرة، أو الذات المستنتجة، من الواضح أنّ الشاعر ابتعد عن السرد الاستطرادي، واكتفى بالتوظيف الرمزي، مستخدما الانزياحات الدلاليّة للشخصيات والأحداث والرموز والمكان، ليضفي على نصّه روعة صياغيّة فنيّة، حيث المقارنة التي قام بها الشاعر بين الرحلتين من خلال رمزيّة الحدث، وقد أدّت الأفعال، اضطربوا، وتركوا، سمعوا، انسلوا، دورها بدقة متناهية لترجمة الرحلة وأحداثها بشكل درامي ساحر قبل الوصول إلى الشاطئ، مثلما أدّى أيضاً اسم الفاعل دوره بوصف المشهد وصفا دقيقا بعد الوصول إلى الشاطئ، باستخدامه للحاليّة أربع مرات مثل، جالساً، نازعاً، مدلياً، وراصدا، ليحوّل المشهد من مهاجر عبر البحار إلى وصوله، وهنا تكمن عبقريّة الشاعر في إحكام صياغة نصّه بدقة متناهية وحرفية رائعة، القصيدة، التي بدأت بممارسة وهمَ التصديق في ذهن المتلقي، تنتج أنساقاّ أخذت تراسل الحواس من خلال موضوع وعنوان النص، إذْ لدينا المحسوسُ البصريّ ثم المحسوس السمعي، ثم الاستعارات التي وظّفها الشاعر بعناية مثل: هل استعارته لبطل الرواية يُدلُّ على إعادة صياغة شعرية هذه المرة لبطل الرواية الأصلي؟ وهجرته موطنه أوروربا، أم (استعارته لبطل الرواية ليُدلَّ على الشاعر نفسه) ثم (اختيار بطل الروايّة لرحلة الاكتشاف) مقابل (هجرة الشاعر لوطنه العراق)، أم استعارة لبطل الرواية روبنسن كروزو ليرمز إلى مناضلي الحزب الشيوعي، الذين اضطروا إلى مغادرة بلدهم إلى المنافي تحت قمع الديكتاتورية؟ أم هذه الاستعارة جاءت لترمز إلى أصدقائه من شعراء جماعة كركوك، الذين تفرقوا تاركين الوطن الأم العراق إلى منافي الأرض بحثا عن الحرية والخلاص، كما هو الحال مع بطل الرواية؟ أم استعارته كانت لأبناء شعبه العراقي الذي كان يرزح تحت حكم دموي متسلط؟ أم استعارته كانت مواساة لكل إنسان، أو لكل مهاجر يضطر إلى ترك موطنه بحثا عن الخلاص؟ أم استعارته كانت لصديق ما؟ فالإحالة كانت عبر مستويين تجريدي وإيحائي، وهذا ما يبرر استعانته بالرمز الإيحائي، الذي انتشل النص من التقريرية تماما، إلى ما هو أعمق و ابعد دلالة وإيحاء، هذه الاستعارات الدلالية، بما أنتجته من بعدٍ انزياحي من خلال وظيفة الإسناد، أو الإضافة، تبدأ عملية التركيب بين المستعار والمستعار منه شيئا من المستعار له، حيث تقوم الاستعارة على الاستدعاء وليس الاستبدال، فتظهر المدلولات في الوقت نفسه مندمجة مع الدوال نفسها، وبهذه الآلية يتلقف ذهن المتلقي هذه الإشارات الدلالية من خلال التركيب اللفظي، وهكذا يترك الشاعر القارئ أمام تأويلات لا متناهية، من خلال ثيمة هذه القصيدة و هي هجرة الوطن الأم بحثا عن الخلاص!!
ناقد و شاعر عراقي