لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقال رأي للمعلق نيكولاس كريستوف، قال فيه إن الحرب على إيران تذكره بمثل معروف: “مجنون رمى حجر بالبير بده 100 عاقل علشان يطلعوه”.
وأضاف أن الولايات المتحدة لديها تاريخ في التخبط في إيران. ففي ليلة رأس السنة الميلادية عام 1977، أشاد الرئيس جيمي كارتر بإيران، واصفا إياها بـ”واحة استقرار”، وأثنى على الشاه محمد رضا بهلوي، لما يكنه له شعبه من محبة. وبعد أسبوع واحد فقط، اندلعت احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق أجبرته على التنحي.
وفي عام 1978، أشار السفير الأمريكي ويليام سوليفان إلى أن آية الله روح الله الخميني، مهندس الثورة الإسلامية عام 1979، قد يتخذ موقفا “شبيها بموقف غاندي”. وفي أوائل عام 1979، أشار أندرو يونغ، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إلى أن الخميني “سيكون أشبه بالقديس”.
ويواصل كريستوف أننا الآن، ومرة أخرى، وقعنا في مأزق مع إيران، ويبدو أننا، في خضم ذلك، قد عززنا، دون قصد، القوى الأكثر خطورة وتطرفا في ذلك البلد.
بينما يستطيع الرئيس ترامب بدء الحرب، لم يعد قادرا على وقفها بقرار منه، لأن إيران لديها رأي في ذلك
وهو يوافق مع ما يقوله الرئيس دونالد ترامب، في أن الضربات الجوية أضعفت القوات الجوية والبحرية والصواريخ الإيرانية، لكن في المقابل، اكتسبت إيران نفوذا أكبر بالسيطرة على مضيق هرمز.
لكنه أضاف قائلا إن من النتائج الغريبة للحرب أن إيران تجني الآن ما يقارب ضعف عائدات النفط اليومية التي كانت تجنيها قبل الحرب، ويعود ذلك جزئيا إلى ارتفاع أسعار النفط، وفقا لمجلة “إيكونوميست”.
وقال كريستوف إن من الجيد أن يتحدث ترامب عن إنهاء حربه في إيران، إذ قال: “سننسحب قريبا جدا”، ولكن المشكلة تكمن في أنه بينما يستطيع الرئيس ترامب بدء الحرب، فلم يعد قادرا على وقفها بقرار منه، لأن إيران لديها رأي في ذلك.
وأضاف أن حدة تهديدات ترامب بشأن الاستيلاء على جزيرة خرج قد خفت، لكنه لا يزال يحتفظ بخيارات التصعيد المتهور، ويواصل إطلاق تصريحات فيها مبالغة، مثل قصف إيران “لإعادتها إلى العصر الحجري”.
وتساءل الكاتب: هل يدرك ترامب أن (أ) استهداف البنية التحتية المدنية يعد جريمة حرب، و(ب) أن رد إيران على مثل هذه الهجمات قد يكون شن ضربات مضادة على البنية التحتية للنفط والغاز ومحطات تحلية المياه في المنطقة؟
وبعد أن أشعل فتيل الحرب التي أدت فعليا إلى إغلاق مضيق هرمز، يصور ترامب الآن إعادة فتحه على أنها مهمة للدول الأخرى.
وقال في إحدى المرات: “لن تكون لنا أي علاقة بهذا الأمر”، كما نصح الدول الأخرى قائلا: “ابحثوا عن نفطكم بأنفسكم”.
وإذا ترك ترامب إيران تسيطر على مضيق هرمز، وتفرض رسوما باهظة، وتمنع مرور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة أو حلفائها العسكريين، فسيكون قد ألحق ضررا كبيرا بالاقتصاد العالمي، وأضعف الولايات المتحدة، وعزز إيران. وستبقى السفن الأمريكية عالقة، عاجزة عن المغادرة.
وقدرت وكالة أنباء “رويترز” أن إيران قد تجني 500 مليار دولار على مدى أربع سنوات تقريبا من رسوم المرور المفروضة على السفن العابرة فقط.
وإذا خصص هذا المبلغ للتسليح، فستمتلك إيران واحدة من أكبر خمس ميزانيات عسكرية في العالم.
إيران قد تجني 500 مليار دولار على مدى أربع سنوات تقريبا من رسوم المرور المفروضة على السفن العابرة فقط
ونقل الكاتب ما قاله داني سيترينوفيتش، المحلل السابق لشؤون إيران في جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية: “أعتقد أن هذه الحرب، بشكل عام، ناجحة من الناحية العملياتية، لكنها فاشلة استراتيجيا بشكل كبير”.
ولعل أنسب وصف لسياسة ترامب تجاه إيران هو “متاهة غير متماسكة”، وهو مصطلح استخدمه بيت هيغسيث عام 2016 لوصف السياسة الخارجية لباراك أوباما.
فقد ضاع ترامب في متاهته السياسية، فخفف العقوبات عن إيران حتى وهو يقصفها، وتذبذب بين التهديد بارتكاب جرائم حرب ما لم تفتح إيران المضيق، وبين التلميح إلى أن المضيق ليس من شأننا.
ولعل من أبرز أخطائه الاستراتيجية اغتيال المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الرجل الثمانيني الذي لم يكن يحظى بشعبية كبيرة، إلى جانب مساعده الأمني البارز علي لاريجاني. ورغم مسؤولية الرجلين عن عدد لا يحصى من الضحايا، إلا أنهما كانا يعتبران في النظام الإيراني براغماتيين وحذرين نسبيا، أما خليفتهما فيبدو أكثر عدوانية.
وقال سيترينوفيتش: “بالتأكيد شهدنا تغييرا في النظام، كما قال ترامب، لكنه تغيير سيئ للغاية”. ووصف اغتيال خامنئي بأنه “خطأ فادح”، قائلا إنه لو مات المرشد الأعلى ميتة طبيعية، لما كان لابنه المتشدد، مجتبى، فرصة تذكر لخلافته. بدلا من ذلك، ربما كان الخليفة شخصا مثل حسن الخميني أو حسن روحاني، وكلاهما ينظر إليهما على أنهما أكثر انفتاحا على التغيير.
وكما نقل الكاتب عن ولي نصر، الخبير في الشأن الإيراني بجامعة جونز هوبكنز: “لقد أزلنا فعليا جميع من كانوا يمثلون رادعا للنظام، واستبدلناهم بأناس أكثر تشددا”.
وقال كريستوف إن القيادة الجديدة تميل نحو الحرس الثوري الإسلامي، لذا قد نشهد تطور إيران نحو مزيد من التوجه العسكري. وعبر عن خشيته من أننا وضعنا إيران على طريق التحول إلى كوريا شمالية أخرى. هذا يعني دولة تدار بشكل أقل من قبل رجال الدين وأكثر من قبل الجنرالات الذين يبدون أكثر قمعا وعزما على امتلاك أسلحة نووية.
وإذا انسحب ترامب من هذه الحرب دون اتفاق سلام، وبالتالي دون عمليات تفتيش نووية وقيود على تخصيب اليورانيوم، فربما حصلت إيران على أسلحة نووية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وقد خلص مسؤولو الاستخبارات الأمريكية العام الماضي إلى أن المرشد الأعلى السابق كان يؤيد تخصيب اليورانيوم، لكنه لم يسمح بالخطوات التالية وتصنيع أسلحة نووية. ويبدو أن ذلك يعود لرغبته في تجنب العقوبات والعزلة التي عانت منها كوريا الشمالية.
لكن القيادة الجديدة قد تنظر إلى هذا التحفظ على أنه خطأ تاريخي، وتفضل نموذج كوريا الشمالية. وفي النهاية أدى تخصيب إيران لليورانيوم إلى فرض عقوبات وحرب على أي حال، دون وجود الردع والاحترام المتردد اللذين يصاحبان امتلاك ترسانة نووية حقيقية، فلا أحد يجرؤ باللعب مع كوريا الشمالية.
وفي الواقع، خلص بعض مسؤولي الاستخبارات الأمريكية أنفسهم العام الماضي إلى أن “القادة الإيرانيين كانوا على الأرجح سيتجهون نحو إنتاج قنبلة نووية إذا هاجم الجيش الأمريكي موقع فوردو لتخصيب اليورانيوم، أو إذا قتلت إسرائيل المرشد الأعلى لإيران”، كما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” آنذاك. وقد فعل ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كلا الأمرين.
ويعتقد الكاتب أن الخاسر الأكبر هم، على الأرجح، الناس العاديون في إيران. فقد كانت احتجاجاتهم المؤيدة للديمقراطية في كانون الثاني/يناير، والمجازر التي تلتها، هي التي أدت بشكل غير مباشر إلى هذه الأزمة، وهم الآن يعانون من قمع أكبر في بلد مدمر بالقصف، بينما ينوحون على ضحايا حرب أبرياء، من بينهم تلميذات ولاعبات كرة طائرة.
وفي النهاية، فالخيار الأقل سوءا لإنهاء هذه الحرب هو محاولة التفاوض على اتفاق سلام مع إيران، بالاستناد إلى خطة السلام البناءة ذات النقاط الخمس التي طرحتها الصين وباكستان. لكن يبدو أن إيران تعتقد أنها تملك زمام المبادرة، مما يجعل المفاوضات صعبة.