الجزائر- “القدس العربي”:
لم يمر إعلان المدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب، إدراج الجزائر ضمن قائمة الدول المعنية بقضايا “إرهاب الدولة” على التراب الفرنسي دون أن يثير جدلا في البلاد حول حقيقة الموقف الفرنسي، الذي يبدو متناقضا بين دعوات التهدئة وإشارات التصعيد، في وقت تتحدث فيه باريس رسميا عن استعادة التعاون مع الجزائر.
وكان أوليفييه كريستين المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا، قد تحدث لقناة فرانس أنفو العمومية الفرنسية، عن فتح ثماني قضايا جارية تتعلق بما وصفه بـ”الإرهاب المرتبط بدول”، مشيرًا إلى أن هذه الملفات تخص ثلاث قضايا ترتبط بإيران، وخمس قضايا أخرى على صلة بكل من روسيا والجزائر.
وأوضح المسؤول القضائي أن بعض هذه التحقيقات تعود إلى سنة 2024، لافتًا إلى أن إحدى القضايا المرتبطة بإيران تحمل أوجه تشابه مع مخطط الهجوم الذي تم إحباطه مؤخرًا واستهدف مقر بنك أمريكي في باريس.
وأضاف في تلميح لإيران، أن التحقيقات كشفت تورط عناصر من الجريمة المنظمة، خاصة في جنوب فرنسا، في تنفيذ عمليات حرق استهدفت مصالح إسرائيلية، إلى جانب التخطيط لهجمات موجهة ضد أفراد من الجالية اليهودية داخل فرنسا وخارجها، مع وجود مؤشرات تقود إلى ارتباطات خارجية.
كما أشار إلى أن التهديدات الإرهابية الحالية التي تطال بلاده، باتت تعتمد بشكل متزايد على استقطاب القُصّر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يمثل هؤلاء نحو 20% من المتهمين في قضايا الإرهاب سنويًا. وفي قضية الهجوم المحبط في باريس، ذكر أن المنفذين، وبينهم قاصرون، جرى تجنيدهم مقابل مبالغ مالية محدودة لتنفيذ العملية.
وشدّد على أن هؤلاء المنفذين يدركون طبيعة الأفعال التي يقومون بها، رغم أن وعيهم بالسياق الجيوسياسي الأوسع قد يكون محدودا، محذرًا من تطور أساليب التجنيد والتنفيذ، وازدياد تعقيد التهديدات المرتبطة بتداخل الجريمة المنظمة مع ما يُشتبه في كونه دعمًا أو توجيهًا من جهات خارجية.
ولم يشر المدعي العام الفرنسي إلى تفاصيل القضايا المرتبطة بالجزائر، إلا أن حديثه يتجه رأسا إلى قضية اليوتوبر أمير ديزاد الذي يتهم السلطات الجزائرية بمحاولة اختطافه، وهو ملف سبق أن تسبب في توتر بالغ في العلاقات بين الجزائر وفرنسا خلال ربيع 2025.
وكانت الجزائر قد رفضت، عبر تصريحات مسؤولي خارجيتها، هذه الاتهامات واعتبرتها بلا أساس، مؤكدة أنها استُخدمت في سياق تأجيج التوتر السياسي بين البلدين، وهو التوتر الذي كان يستثمر فيه وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو.
ومؤخرًا، عادت هذه القضية إلى الواجهة بعد استدعاء القائم بأعمال سفارة فرنسا بالجزائر إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، للتعبير عن احتجاج جزائري شديد على قرار تجديد الحبس المؤقت لمدة سنة إضافية بحق الموظف القنصلي الجزائري الذي يتهم بالتورط في هذه القضية.
وأكدت الجزائر، وفق بيان رسمي، أن الموظف يخضع للحبس منذ أبريل 2025، رغم تمتعه بحماية قانونية بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، مع استنكارها للمعاملة التي وُصفت بـ”المشينة” التي تعرض لها، محذرة من أن هذا القرار ستكون له حتمًا تداعيات على المسار الطبيعي للعلاقات الثنائية.
وفي خضم هذا التطور الجديد، تفاعلت صحف جزائرية مع تصريحات المدعي العام الفرنسي، معتبرة أنها تعكس استمرار التوترات الكامنة في العلاقات الجزائرية-الفرنسية رغم الخطاب الرسمي الداعي إلى التهدئة وإعادة بناء الثقة بين البلدين.
من ذلك، ما كتبته صحيفة “الوطن” الناطقة بالفرنسية التي ذكرت أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا ما تزال محكومة بازدواجية لافتة، حيث تتقاطع مؤشرات الانفراج مع قرارات وتصريحات رسمية وقضائية متناقضة.
وأشارت إلى أن إعلان المسؤولين الفرنسيين عن استئناف التعاون في مجالات الأمن والعدالة والهجرة غير النظامية يعكس رغبة في الخروج التدريجي من أزمة دبلوماسية حادة استمرت لأكثر من 18 شهرا، غير أن هذا المسار يصطدم بإشارات معاكسة صادرة عن مؤسسات أخرى داخل الدولة الفرنسية.
واعتبرت الصحيفة أن تصريحات كريستان بشأن فتح تحقيقات ضد عدة دول من بينها الجزائر تمثل عاملا مربكا لمسار التهدئة، خاصة أنها تزامنت مع قضايا حساسة أخرى، على غرار تمديد احتجاز موظف قنصلي جزائري، وهو ملف ترى فيه الجزائر مساسا بالاتفاقيات الدبلوماسية، بينما تتمسك باريس باستقلالية القضاء. وخلصت إلى أن تداخل المسارات السياسية والقضائية والأمنية يخلق حالة من “عدم الاتساق” تجعل مستقبل العلاقات الثنائية رهينا بتوازن هش بين الإرادة السياسية وتعقيدات المؤسسات.
من جهتها، تناولت صحيفة “الخبر” التصريحات نفسها بنبرة أكثر حدة، ووصفتها بـ”الاستفزاز الجديد”، معتبرة أن إدراج الجزائر ضمن قضايا مرتبطة بما يسمى “إرهاب الدولة” يندرج ضمن سياق عدائي أوسع. وربطت الصحيفة ذلك بما وصفته باستمرار “خط الدولة العميقة الفرنسية” المعادي للجزائر، مستحضرة سوابق تاريخية تعود إلى فترة التسعينيات، حين شُنت حملات إعلامية وسياسية ضد مؤسسات الدولة الجزائرية.
وفي سياق دعم فرضية وجود تناقض داخل المؤسسات الفرنسية حول التعامل مع الجزائر، تم إبراز تصريحات وزير الداخلية الأخيرة لوران نونيز الذي أكد أن التعاون بين الجزائر وفرنسا يشهد عودة تدريجية، مشيرا إلى أن “العلاقة الشرطية-القضائية والتعاون في مجال الهجرة يعودان إلى الواجهة”.
وكان نونيز قد أعلن قبل أسابيع عن استعادة التعاون الأمني والقضائي بين البلدين خلال زيارته للجزائر العاصمة.