ترامب لم يعد يخفي حروب أمريكا الدائمة لأن الأمريكيين يدفعون ثمنها بنقرات تيك توك فقط


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده تشارلس هومانز، قال فيه إن أمريكا كانت تخفي حروبها عن الرأي العام، أما دونالد ترامب فيفعل العكس.

وجاء فيه أن الرئيس الأمريكي، وبعد شهر من شن الحرب على إيران، قرر في 1 نيسان/أبريل إلقاء أول خطاب رسمي له من البيت الأبيض إلى الشعب الأمريكي حول الحرب. ولم يقدم أي معلومات جديدة أو توضيحات بشأن استراتيجيته أو أهدافه. وكان الخطاب، في معظمه، مجرد حديث من ترامب، ولكن وسط المبالغات والتفاصيل الجانبية المألوفة، كان هناك استطراد واضح.

وقال ترامب: “من المهم جدا أن نضع هذا الصراع في سياقه الصحيح. استمر التدخل الأمريكي في الحرب العالمية الأولى لمدة عام وسبعة أشهر وخمسة أيام. واستمرت الحرب العالمية الثانية لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوما. واستمرت الحرب الكورية لمدة ثلاث سنوات وشهر ويومين، واستمرت حرب فيتنام لمدة 19 عاما وخمسة أشهر وتسعة وعشرين يوما! واستمرت حرب العراق لمدة ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية وعشرين يوما”، وكل هذا يشير إلى أن 32 يوما لم تكن فترة طويلة على الإطلاق.

وتعلق الصحيفة بأن الأمر الأكثر إثارة للدهشة في درس ترامب التاريخي هو تلميحه إلى أن الحروب أحداث خطية لها بدايات ووسط ونهايات.

الأمر الأكثر إثارة للدهشة في درس ترامب التاريخي هو تلميحه إلى أن الحروب أحداث خطية لها بدايات ووسط ونهايات

ولم يكن هذا هو الانطباع الذي قد يتكون لدى أي شخص عاقل من الأشهر القليلة الماضية، التي شهدت مغامرات خارجية متقطعة ومتزايدة التفكك: اعتقال رئيس فنزويلا، وحصار النفط، والتلميحات بتغيير النظام في كوبا، وأسابيع من المداولات العلنية حول غزو غرينلاند، وأخيرا الحرب مع إيران.

ويرى الكاتب أن هذه الأحداث اتبعت منطق المحتوى أكثر من منطق الصراع، فلم تنته، رغم أنها تلاشت تدريجيا في وسائل التواصل الاجتماعي، لتحل محلها صراعات أكبر وأكثر إثارة.

ويضيف هومانز أن فريق التواصل الاجتماعي في البيت الأبيض استغل هذه الفكرة بأسلوب استفزازي، فنشر مقاطع فيديو على منصة إكس تجمع بين لقطات غارات جوية ومقاطع من أفلام وألعاب فيديو.

ومع ذلك، وبحلول الوقت الذي خاطب فيه ترامب الأمريكيين، بدت أمريكا وكأنها قد وصلت إلى مرحلة اكتشافها الخاصة، حتى إن حلفاء الرئيس بدأوا يشعرون بالقلق. وحلت خرائط مضيق هرمز محل الصور الساخرة، وارتفع سعر البنزين إلى أكثر من 4 دولارات للتر.

ويبدو أن البحث كان جاريا عن كبش فداء، حيث قالت ميغين كيلي، مذيعة “فوكس نيوز” السابقة: “مع تدهور الأمور” و”نحن بحاجة إلى معرفة من أقنعه بالضبط”، أي ترامب، و”ما هي التصريحات التي قدمت لإقناع الرئيس بأن هذه فكرة جيدة”. وكان جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، أحد مسؤولي الأمن القومي في عهد ترامب، قد استقال بالفعل بسبب الحرب.

ووجه انتقادات لاذعة لترامب في رسالة استقالته، قائلا: “في إدارتك الأولى، كنت أكثر فهما من أي رئيس حديث لكيفية استخدام القوة العسكرية بحزم دون جرنا إلى حروب لا نهاية لها”، وألقى باللوم على “إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية” في جره إلى صراع مفتوح.

“الحروب التي لا تنتهي” أصبحت هي السمة الغالبة للسياسة الخارجية الأمريكية طوال القرن الحادي والعشرين، وهو احتمال كان يبدو في يوم من الأيام كابوسا

ويرى الكاتب أن “الحروب التي لا تنتهي” التي ندد بها كينت أصبحت هي السمة الغالبة للسياسة الخارجية الأمريكية طوال القرن الحادي والعشرين، وهو احتمال كان يبدو في يوم من الأيام كابوسا، ولكنه تحول، في ظل أحداث 11 سبتمبر/أيلول، إلى واقع مقبول ضمنيا. ومع أن الأمريكيين لا يدعمون هذه الحروب، إلا أنهم لم يعارضوها بقوة منذ سنوات، وهو أمر يعود بالتأكيد إلى انخفاض تكلفتها الشخصية عليهم. ذلك أنها تُشن تحت طبقات متزايدة من السرية، من قبل جيش محترف عناصره مختارة من شريحة صغيرة من السكان، وباستخدام مجموعة متنامية بسرعة من التقنيات ذاتية التشغيل.

وقد استفاد ترامب من حالة الرضا هذه، كما استفاد أي شخص آخر. وهاجم بشدة الحروب التي ورط فيها كل من جورج دبليو بوش وباراك أوباما أمريكا خلال حملته الانتخابية عام 2016، وأعلن في خطاب حالة الاتحاد خلال ولايته الأولى أن “الأمم العظمى لا تخوض حروبا لا نهاية لها”.

لكنه انشغل في تلك الولاية بإدارة الاحتلالات والعمليات السرية التي ورثها، ولم يبد أن الناخبين يميلون إلى معاقبته على ذلك. ورغم خسارته انتخابات 2020، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب ونشر في مطلع ذلك العام أن ربع الديمقراطيين والمستقلين فقط، وعددا أقل من الجمهوريين، اعتبروا الشؤون الخارجية قضية “بالغة الأهمية”.

وفي ولايته الثانية، يبدو ترامب مصمما على تغيير هذا الواقع. يقول مايكل أوهانلون، مدير الأبحاث في برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز: “ترامب 47 رئيس مختلف تماما عن ترامب 45”. ومع أنه كان زعيما مترددا، في أحسن الأحوال، بشأن الصراعات البعيدة، تزيّا في غضون أشهر قليلة بزي إمبريالية أمريكية تعود لقرون: بناء الإمبراطوريات بلا اعتذار على طريقة جيمس بولك وجيمس مونرو، وإيمان بالمؤامرات النفطية السياسية ومناورات أمريكا اللاتينية التي نسجها عملاء دوايت أيزنهاور، وأوهام دونالد رامسفيلد حول حروب جوية بلا احتكاك. ولم يظهر خطاب ترامب في 1 نيسان/أبريل، بتأملاته المتفرقة حول انتصارات حقيقية وأخرى متخيلة، إلا نيته تغيير مساره قريبا.

ويقول هومانز إن الرئيس الأمريكي الحالي يمثل قطيعة مع التاريخ الأمريكي وذروة منطقية له في الوقت نفسه.

فمن جهة، يبدو أن نزعته المغامرة الجديدة تتعارض مع الاتفاق الضمني الذي أبرمه الأمريكيون وحكوماتهم في القرن الحادي والعشرين، وبموجبه يوافق مواطنو البلاد على تجاهل العمليات العسكرية المفتوحة وغير الشفافة التي تُنفذ باسمهم، طالما وافقت الحكومة على عدم مطالبتهم بالتضحية بأي شيء من أجلها.

ومن جهة أخرى، فإن الرؤية السطحية للحرب التي يقدمها البيت الأبيض في عهد ترامب للشعب الأمريكي هي نتاج واضح لهذا التاريخ الحديث نفسه.

ويظهر التاريخ الأمريكي الحديث أن الولايات المتحدة انخرطت بنشاط في صراعات عسكرية داخلية وخارجية في معظم سنوات القرنين التاسع عشر والعشرين، واستمر هذا الوضع خلال ربع القرن الحالي.

يظهر التاريخ الأمريكي الحديث أن الولايات المتحدة انخرطت بنشاط في صراعات عسكرية داخلية وخارجية في معظم سنوات القرنين التاسع عشر والعشرين، واستمر هذا الوضع خلال ربع القرن الحالي

وقد ساعد الرؤساء الأمريكيين على شن الحروب تقلب الرأي العام، مما شكل لهم حافزا. وبخاصة أنهم درسوا استطلاعات الرأي حول حروبهم عن كثب، منذ عهد فرانكلين روزفلت، لحجب المعلومات أو توجيهها.

وقد استمر هذا النهج بثبات خلال فترة هيمنة أمريكا ما بعد الحرب. فلم يعلن الكونغرس الحرب رسميا منذ الحرب العالمية الثانية. واستنادا إلى دروس الحرب الكورية والفيتنامية، حوّل الرؤساء تدريجيا تمويل الحروب نحو الاقتراض وطباعة النقود، بعيدا عن “ضريبة الحرب” المباشرة، مما صعب على الناخبين تقييم تكلفتها. وقد أنهى ريتشارد نيكسون التجنيد الإجباري، حيث حصر الخسائر البشرية للحروب في شريحة صغيرة، ومتزايدة التحديد ديموغرافيا وثقافيا من السكان.

وكان من المفترض أن يعيد قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، المستوحى من حرب فيتنام، تأكيد سلطة الكونغرس في مناقشة الحروب علنا قبل شنها. ولكن، باستثناء جورج دبليو بوش، الذي يمكن القول إنه استثناء، قام كل رئيس منذ رونالد ريغان بغزو أو قصف دولة دون موافقة الكونغرس.

ورغم عدم تحمل الأمريكيين الثمن الباهظ للحرب، إلا أن هذا السؤال أصبح ملحا منذ ظهور الطائرات المسيرة المسلحة، التي غيرت، بقدرتها على إلحاق الموت دون المخاطرة به، الحسابات الأخلاقية الأساسية في الحروب. فالدولة التي لا تتكبد خسائر بشرية كبيرة في حروبها هي دولة لا تفكر فيها كثيرا.

وقد تجلى هذا بوضوح خلال رئاسة أوباما، عندما حاولت إدارته تحويل الحرب على الإرهاب من عمليات مكافحة التمرد التي كانت سائدة في عهد بوش إلى برنامج أكثر غموضا لمكافحة الإرهاب، يتمحور حول الطائرات المسيرة. ولطالما جادل النقاد بأن هذا كان نتيجة عكسية للقلق المتزايد بشأن انتهاكات الحريات المدنية في عهد بوش: استبدال المواقع السرية ومعتقلات غوانتانامو بعمليات اغتيال غامضة بواسطة طائرات ذاتية التشغيل بشكل متزايد، تبقى تفاصيلها بعيدة عن أنظار وضمائر مؤيدي الرئيس.

وقد كانت صفقة وافق عليها ضمنيا العديد من هؤلاء المؤيدين. فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال رئاسة أوباما أنه، على الرغم من معارضة أغلبية كبيرة من الأمريكيين للبقاء في أفغانستان، إلا أن معظمهم أيدوا أيضا ضربات الطائرات بدون طيار التي شنتها الإدارة، حتى عندما لم يتمكن عدد كبير من المستطلعين من تحديد الدول المستهدفة.

وتعد الليبرالية السائدة في عهد أوباما، والتي تتجاهل تناقضاتها الأخلاقية والأيديولوجية، أحد الأهداف الرئيسية لكتاب ألكسندر كارب “الجمهورية التكنولوجية” الصادر عام 2025. وكارب هو الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير” لتحليلات البيانات، والتي استخدمت عمليات أفغانستان في عهد أوباما كمختبر لتطوير برمجيات ميدانية تقدمها الآن لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في عهد ترامب، حيث استخدمت برامجها في أهداف الضربات الجوية في إيران.

وفي كتابه “الجمهورية التكنولوجية”، وصف كارب مستقبلا قادما تستبدل فيه الحروب ذات البدايات والنهايات بمواجهات تكتيكية مستمرة مع تهديدات مراوغة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

في الغارات الجوية على إيران بمساعدة شركة “بالانتير”، نلمح واقعا جديدا يعتبر فيه التفكير البشري عبئا تكتيكيا. وهذه وصفة لدولة تتخذ فيها مشاركة المواطنين في الحرب، إن وجدت، معنى مختلفا وأكثر سطحية

وفي هذا الواقع الجديد، يرى كارب أن أحد أخطر التهديدات للأمن القومي هو ابتعاد النخب الأمريكية عن ساحة المعركة: فمديرو وادي السيليكون ومبرمجوه، الذين يحتجون بشدة على استخدام الجيش للأدوات التي يبتكرونها، هم جزء من طبقة “لم تخاطر بحياتها قط في نصف العالم”.

ويدعو كارب إلى العودة لقيم الحرب الباردة المبكرة، حين كانت التكنولوجيا والثقافة والدفاع الوطني متحدة في هدف مشترك، واقترح استئناف التجنيد الإجباري، مؤكدا أن أمريكا “لن تخوض الحرب القادمة إلا إذا تقاسم الجميع المخاطر والتكاليف”. والآن، ونحن نخوض الحرب القادمة، بات من السهل إدراك التناقض بين رؤية كارب المدنية ومنتجاته. وتهدف التطورات في التكنولوجيا العسكرية، ولا سيما التقنيات التحويلية التي بدأت تتبلور، إلى تقليل مخاطر وتكاليف الحروب، لا إلى نشرها على أوسع نطاق ممكن.

وفي الغارات الجوية على إيران بمساعدة شركة “بالانتير”، نلمح واقعا جديدا يعتبر فيه التفكير البشري عبئا تكتيكيا. وهذه وصفة لدولة تتخذ فيها مشاركة المواطنين في الحرب، إن وجدت، معنى مختلفا وأكثر سطحية، “مشاركة” بالمعنى التحليلي للجمهور الرقمي، لا بالمعنى المدني.

ويمكنك أن ترى هذا التناقض واضحا في نزعة ترامب العدوانية خلال ولايته الثانية. فمنهج الإدارة البسيط في استخدام منصة تيك توك، ظاهريا، يؤكد رؤية كارب: فمحتوى البيت الأبيض عن إيران هو تبرير صريح للقوة الأمريكية الغاشمة في عالم مليء بالأعداء. لكنه، في الحقيقة، مجرد محاكاة ساخرة للجمهورية المحاربة المدعمة بالتكنولوجيا، وليس تجسيدا حقيقيا لها.

لا يمكن إنتاج هذه الفيديوهات إلا في بلد لا يطلب من شعبه سوى نقراتهم على يوتيوب، حيث تلاشت القدرات الفكرية والأخلاقية اللازمة لمعالجة قضايا الحرب والسلام منذ زمن بعيد. وهي مجرد شكل آخر من أشكال الانحطاط المألوف، وليست رفضا له، بل تذكيرا آخر بمدى سهولة تزييف سردية الأمة عندما تنفصل عن الواقع. فبمجرد قطع الصلة بين المواطن والصراع، يمكنك أن تروي لنفسك أي قصة تريدها عن هويتك ودورك في العالم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *