ملحق مونديال 2026 المجد للعرب والأفارقة والعزاء في جميلة القرن الماضي!


لندن ـ «القدس العربي»:  بعد الأردن والسعودية وقطر ومصر وتونس والجزائر والمغرب، ابتسمت أخيرا الساحرة المستديرة لأصحاب أقدم حضارة في تاريخ البشرية، بمنح منتخب العراق تأشيرة اللعب في نهائيات كأس العالم 2026، كثاني مشاركة لأسود الرافدين في المعترك العالمي، والأولى منذ المشاركة العالقة في أذهان الآباء والأجداد بقيادة الأيقونة الراحل أحمد راضي، وعملاق حراسة المرمى رعد حمودي، وصخرة الدفاع وقائد المجموعة عدنان درجال وباقي الأسماء التي دافعت عن ألوان الوطن في مونديال دييغو مارادونا، المكسيك 1986، وحدث ذلك بعد رحلة شاقة في التصفيات والملحق الآسيوي سواء المؤهل بشكل مباشر إلى كأس العالم أو المؤهل للملحق العالمي النهائي، انتهت بفوز لن يمحى من الذاكرة على حساب منتخب بوليفيا بهدفين مقابل هدف في المباراة النهائية للمسار الثاني في الملحق العالمي التي جمعتهما على ملعب «إستاديو بي بي في ايه» بمدينة مونتيري المكسيكية، ليرسم أيمن حسين ورفاقه البسمة على وجوه الملايين في بلاده وفي كل متر في الوطن العربي الكبير، بعد عقود من الأزمات والحروب والنزاعات التي أثقلت كاهل الدولة والمجتمع، وبالتبعية أفقدت الشارع الكروي لحظات الفرح الجماعي التي كانت توحد لا تفرق، باستثناء بعض الومضات القارية مثل التتويج بكأس آسيا عام 2007، قبل أن تأتي اللحظة المنتظرة منذ 40 عاما، كخطوة أولى ريثما تعود اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم إلى دورها الطبيعي في بلاد ما بين النهرين، كأحد أهم أدوات القوة الناعمة القادرة على إعادة صياغة الصورة النمطية عن العراق وتقديمه بصورة مختلفة على الساحة الدولية، من بلد مرتبط بأخبار الصراعات في وكالات الأنباء العالمية إلى بلد آخر قادر على تصدير الأفراح.

ونفس الأمر ينطبق على منتخب الكونغو الديمقراطية، الذي حقق فوزا مماثلا على ممثل أمريكا الوسطى وجزر الكاريبي منتخب جمايكا بهدف مقابل لا شيء في المباراة النهائية للمسار الآخر التي جمعتهما على ملعب «غوادالاخارا» في أول ساعات الأربعاء الماضي، ليضرب رجال المدرب سباستيان ديسابر عصافير بالجملة بهدف أكسيل توانزيبي الوحيد، لعل أولها وأكثرها أهمية هو إسعاد عشرات الملايين من الفقراء هناك في كينشاسا وباقي المدن والقرى الذين انتظروا أكثر من نصف قرن من الزمن لأجل رؤية منتخبهم يشارك في المونديال بالاسم الجديد للدولة، بعد المشاركة الأولى باسم زائير في نسخة ألمانيا 1974، والثاني أثبت بشكل عملي أن انتصاره على عملاقي القارة الكاميرون ونيجيريا في نصف نهائي ونهائي الملحق الأفريقي لم يأت بضربة حظ أو من قبيل الصدفة، بل لجدارته في اللحاق بجيش الماما أفريكا المشارك في المونديال الأمريكي، ضمن مكاسب البسطاء وما يُعرفون دبلوماسيا بـ«دول العالم الثالث» في الجزء الجنوبي للكرة الأرضية، بوصول ممثلي القارة في كأس العالم لعشرة منتخبات، وهو ما يمثل ضعفي عدد المقاعد المعتادة لأفريقيا في العقود القليلة الماضية، مثلما تضاعفت المقاعد العربية مقارنة بأكبر حضور تم تسجيله في كل العصور، وذلك بطبيعة الحال انعكاسا للتغير الذي أحدثه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، برفع عدد المشاركين من 32 منتخبا إلى 48 منتخبا بداية من النسخة المنتظرة في أمريكا الشمالية بداية من منتصف يونيو/حزيران المقبل، الأمر الذي أعطى انطباعا عاما بأن تصفيات المونديال تحولت إلى نزهة سهلة لكبار أوروبا وأمريكا الجنوبية، أو في أضعف التقديرات قلل من احتمالات غياب أحد المنافسين التقليديين على اللقب كما يحدث من فترة أخرى، لكن في الأخير استيقظ عالم كرة القدم على صدمة أقل ما يُقال عنها فاقت «كذبة» أبريل/نيسان، في ما وُصفت في وسائل الإعلام الإيطالية بـ«شهادة وفاة» أبطال العالم 4 مرات، والسؤال الذي يؤرق عشاق المنتخب الإيطالي في كل مكان في العالم وما أكثرهم ما بين المحيط والخليج، هو: كيف لمنتخب كان يهابه العمالقة قبل الصغار في الأمس القريب أن يعجز عن حجز مكانه في كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي؟ هذا ما سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.

بيلا تشاو

تخيل عزيزي القارئ أننا أثناء متابعة التغطية الإعلامية والتلفزيونية لاحتفالات الشعب الإيطالي بفوز جيجي بوفون وفابيو كانافارو وفابيان غروسو وأندري بيرلو وفرانشيسكو توتي والملك أليساندرو ديل بييرو وباقي أساطير «الآزوري» في تلك الحقبة باللقب العالمي الرابع في تاريخ البلاد على حساب الديوك الفرنسية في نهائي برلين الشهير عام 2006، وفجأة أخبرتك أن هذه الصخب سيتحول إلى لعنة وكابوس على وطن الكالتشيو في العقدين القادمين، الشيء المؤكد أنك ستشكك في سلامة قوتي العقلية، فما بالك لو رفعت مستوى التوقعات التشاؤمية إلى الخروج المبكر من كأس العالم ثم بالدعاء من أجل ضمان التأهل حتى بعد توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى قرابة نصف عدد دول العالم الحقيقي، هنا ستبدأ في طرح أسئلة من نوعية «ما نوع المخدرات التي جعلتك تشطح بخيالك إلى سطح القمر؟» أو «هل تعاني من مشاكل نفسية تستوجب الذهاب إلى دكتور أمراض نفسية وعصبية؟» وإلخ، لكن ما حدث على أرض الواقع، فأقل ما يُقال عنه إنه فاق حتى أضغاث أحلام أكثر المتشائمين لمستقبل المنتخب الإيطالي، يكفي أننا نتحدث عن جيل كامل من الشباب العشريني إما لم يحظ بفرصة متابعة منتخب بلاده في مباراة إقصائية في المونديال وإما لم يشاهد قميصه من الأساس في العرس العالمي، في ما يمكن اعتبارها واحدة من أسرع وأغرب الانتكاسات في تاريخ اللعبة، أن تتحول إمبراطورية كروية بهذه العظمة إلى قاع الحضيض الكروي في غضون عقد من الزمن، مخالفا كل التوقعات والآراء التي كانت ترجح عودة الأمور إلى نصابها الصحيح بعد الإنجاز الذي تحقق على يد المدرب السابق روبرتو مانشيني، بالتتويج بكأس الأمم الأوروبية نسخة 2020، حيث كان الاعتقاد السائد بأن الآزوري قد تعافى من صدمة الغياب عن مونديال روسيا 2018، لكن سرعان ما استيقظ عشاق المنتخب على كارثة الغياب عن بطولتهم المفضلة للمرة الثانية على التوالي، وحدث ذلك بعد الانحناء أمام مقدونيا الشمالية في الملحق الأوروبي النهائي المؤهل لمونديال 2022.
واكتملت مصائب المنتخب والكرة الإيطالية، بالسقوط أمام البوسنة في لعبة ركلات الترجيح، في مباراة كان يُعتقد أنها ستكون في المتناول بالنسبة لكتيبة المدرب جينارو غاتوزو، والدليل على ذلك رد فعل اللاعبين لحظة الإعلان عن منافسهم في نهائي مسارهم في الملحق، كأنهم قطعوا أكثر من 50% من الطريق نحو المونديال بعد تجنب مواجهة المنتخب الويلزي في المباراة الفاصلة، وهذا في حد ذاته، لا يعكس سوى التدهور الصادم في عقلية الجيل الحالي مقارنة بتصرفات وسلوك الأساطير الذين ورطوا الملايين في عشق أصحاب القمصان الزرقاء الأنيقة في العقود الماضية، وفي رواية أخرى فهكذا تصرف، لا ينم سوى عن ضعف كبير على مستوى الشخصية والموهبة، وذلك من المنظور المتعارف عليه بأن «الفرق والمنتخبات الكبيرة لا تخشى مواجهة أي منافس» أو كما نقول «من يبحث عن اللقب أو تحقيق أهدافه ينبغي عليه أن يفوز على كل خصومه»، أما من يبحث عن الطرق السهلة، فعادة ما يستيقظ في النهاية على آخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره، والأمر لا يتعلق فقط بالعواقب الوخيمة لتراخي اللاعبين في استعدادهم للمباراة، بل أيضا وهو الأخطر ما يُعرف بين المشجعين والنقاد بـ«ضريبة» الاستهانة بالخصم أو تاريخه أو لاعبيه، الأمر الذي يسهل مهمة مدرب المنافس في ما يخص شحن اللاعبين وتحفيزهم للتعامل مع المباراة على أنها حياة أو موت بالنسبة لهم، بتلك الطريقة التي مهد بها العقرب البوسني إدين دجيكو، للمصير الذي ينتظر رجال غاتوزو، في حديثه مع الصحافيين قبل 24 ساعة من سهرة ملعب «بيلينو بوبي» بمدينة زينتسا، قائلا: «ما حدث أمر طبيعي تماما لأننا جميعا لدينا تفضيلاتنا، وربما كان تفضيلي هو عدم اللعب ضد إيطاليا. لكن عليك أن تكون حذراً اليوم، فمع وسائل التواصل الاجتماعي يصبح كل شيء أكبر مما هو عليه. أرسل لي ديماركو رسالة وقال إنه لم يقصد الإساءة إلى أحد. فقلت له: عن ماذا نتحدث أصلا؟ لا توجد أي مشكلة على الإطلاق، إيطاليا لم ترغب اللعب في ويلز، لا أعرف السبب، لأننا ذهبنا إلى هناك بدون خوف وفزنا. لا أعرف لماذا يجب أن تخاف إيطاليا من ويلز أو البوسنة. إيطاليا منتخب وطني مذهل فاز بأربع بطولات كأس العالم، إذا كانوا يخشون اللعب في ويلز، فهذا يعني أن هناك شيئا ما لا يعمل، وربما يجب أن ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فقد يعانون حقا في هذه المباراة لأنهم يلعبون من أجل الكثير بعد أن غابوا عن بطولتي كأس العالم. وهذا يعني أنهم خائفون».

ما قبل الجنازة

صحيح مهاجم روما والإنتر سابقا، تعرض لواحدة من أشرس حملات الهجوم عليه في إيطاليا، لكن مواليد عقد الثمانينات وما قبل، يعرفون جيدا أن دجيكو يكاد يكون «أصاب كبد الحقيقة»، كأن لسان حاله كان يقول: «منذ متى ومنتخب بحجم إيطاليا يخشى مواجهة خصوم أقل منه في كل شيء؟»، عزيزي القارئ لا تنسى أن صاحبنا البالغ من العمر 40 عاما، ترعرع في طفولته على مشاهدة ما لا يقل عن 4 أو 5 من أفضل لاعبين العالم في مركزهم بألوان المنتخب الإيطالي سواء في كأس العالم أو اليورو، وهذا ربما ما يخفى على مواليد الألفية الجديد، وبالأخص من هم في بداية عقد العشرينات، الذين يتعجبون من ردود الأفعال الكبيرة على غياب الآزوري عن كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، مثلما كان يتعجب آباء اليوم في طفولتهم عن حكاوي شيوخ القهاوي عن الجبروت المجري والنمساوي في فترة ما قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، ولو عُدنا بالذاكرة إلى الوراء في العقود الثلاثة الماضية لن نجد صعوبة في الوقوف على السبب الجوهري وراء انهيار إمبراطورية أسياد الدفاع، ففي مونديال روما 1990، كان لدى المدرب أزيليو فيتشيني أسماء ومواهب بحجم والتر زينغا وصاحب الاسم الموسيقي جانلوكا باليوكا، وأمامهم عظماء من نوعية فرانكو باريزي وتشيرو فيرارا والأفضل في التاريخ باولو مالديني، وفي الوسط الميستر كارلو أنشيلوتي وجوسيبي جانيني وروبرتو دونادوني، وفي الهجوم حدث ولا حرج عن أسماء منها روبرتو مانشيني ومُحدّث اللعبة في بلاده روبرتو باجيو وهداف النسخة سالفاتوري سكيلاتشي، وعندما انتقلنا إلى حقبة أريغو ساكي في نسخة 1994، انضم كوستاكورتا إلى باريزي ومالديني في الدفاع، وفي الوسط كان لديهم دينو باجيو وديميتري ألبرتيني ودونادوني وأنطونيو كونتي، وفي الهجوم باجيو في أوج سنواته في مسيرته ومساعدوه مسارو وكازيراغي وسينيوري، وباقي الأسماء التي خسرت المباراة النهائية أمام البرازيل في الولايات المتحدة، في ما يُعرف الآن بالنهائي الذي مات فيه باجيو واقفا، واستمرت جنة كرة القدم آنذاك في تصدير المواهب المحلية التي لا تُقدر بثمن، كما شاهدنا في المجموعة التي اعتمد عليها تشيزاري مالديني في مونديال فرنسا 1998، والحديث عن الجيل الجديد في تلك المرحلة فابيو كانافارو وأليساندرو نيستا وأليساندرو ديل بييرو وكريستيان فييري برفقة باجيو في الهجوم، ولو نتذكر، كانت الترشيحات تتأرجح بين البرازيل وإيطاليا، كأكبر وأقوى المنتخبات المرشحة للفوز باللقب، لكن في الأخير توقف القطار الإيطالي أمام البلد المنظم في قمة ربع النهائي التي حُسمت بركلات الترجيح، وهو تقريبا نفس الجيل الذي واصل المسيرة في نسخة كوريا الجنوبية واليابان 2006، ثم بالانفجار العظيم في ألمانيا 2006، كآخر محطة ظهر فيها أسياد الدفاع بالصورة المعروفة عنهم، قبل أن تتبدل الأوضاع مع تقدم هؤلاء الأساطير في العمر وتأثر المنتخب باعتزال الأيقونة تلو الأيقونة، إلى أن انكشف الفارق بين جودة نجوم الأمس وبين أنصاف النجوم والمشاهير المتاحين في الوقت الحالي، أو بضمير مستريح يمكنني القول إن أكثر من 80% أو 90% منا لا يعرف أكثر من 4 أو 5 لاعبين بحد أقصى، أولهم الحارس جيجي دوناروما، ومنافسه في البريميرليغ ساندرو تونالي، وثالثهما في البريميرليغ مدافع آرسنال كالافيوري وبدرجة أقل المهاجم الأرجنتيني الأصل ماتيو ريتيغي، لاعب القادسية السعودي، ومويس كين لاعب فيورنتينا، وباقي الأسماء لا تزيد كثيرا عن شهرة وجودة هذه الأسماء، بما فيهم المدافع باستوني، الذي كان يُنظر إليه على أنه الخليفة الجديد لأساطير الزمن الجميل، قبل أن يثبت بشكل عملي أنه اللاعب رقم (12) بالنسبة للمنافسين، بتلك الطريقة أو ما يمكن وصفها مجازا بالجريمة الكروية التي ارتكبها أمام البوسنة، بتدخل متهور على المهاجم في سباق سرعة بينهما في آخر 30 مترا في الملعب، على إثره تلقى البطاقة الحمراء التي تسببت بشكل أو آخر في انقلاب المباراة وأحداثها رأسا على عقب، من السير على طريق ممهد بالورود نحو المونديال، لا سيما بعد أخذ الأسبقية بهدية مجانية من الدفاع استغلها كين على أكمل وجه، إلى استدعاء بلا داع لكل أنواع التوتر والعصبية منذ لحظة الطرد. وما زاد الطين بلة وربما يكون ساهم في إحباط معنويات اللاعبين أكثر من أي وقت مضى، تلك الفرصة السهلة التي أهدرها مويس كين، في انفراده الصريح مع حامي عرين أصحاب الأرض من منتصف الملعب، وكان ذلك في الدقيقة 60، قبل أن يطبق المنتخب البوسني المقولة الكروية الشهيرة «من يضيع الأهداف فعليه استقبالها»، بتسجيل هدف التعادل في الدقيقة 78، كرابع مرة على التوالي يتمكن خلالها أصدقاء دجيكو في العودة أمام خصومهم بعد نفس الدقيقة وعلى نفس الملعب الذي لا يتسع لأكثر من 11 ألف متفرج، ولولا تعملق دوناروما في أكثر من اختبار محقق سواء قبل هدف التعديل أو بعده، لما ذهبت المباراة إلى ركلة الجزاء التي انتهت بكارثة جديدة تضاف إلى سجل إيطاليا المتواضع على كل الأصعدة في الآونة الأخيرة، شاملة مصيبة الخروج الجماعي من الدور الأول لدوري أبطال أوروبا ثم بفقدان الأمل الأخير بتواجد ثلاثة ممثلين من خلال الملحق المؤهل لمراحل خروج المغلوب في الكأس ذات الأذنين، وحدث ذلك بعد فضيحة متصدر الكالتشيو الإنتر أمام بودو غليمت النرويجي، بالهزيمة في مباراة الذهاب بثلاثية مقابل هدف، وفي الإياب بهدفين مقابل هدف على مرأى ومسمع الجماهير في قلب «جوسيبي مياتزا»، وتبعه يوفنتوس بالخروج على يد غالطة سراي التركي، بخسارة في ذهاب اسطنبول بخمسة أهداف مقابل اثنين، ثم بالاكتفاء بالفوز بثلاثية مقابل اثنين في إياب تورينو، واكتملت بإقصاء أتالانتا أمام بايرن ميونيخ في دور الـ16، ما يعكس حالة التدهور التي تعيشها الكرة الإيطالية في هذه الفترة، من شبه هيمنة على القارة في تسعينات القرن الماضي ثم بسنوات من الصمود والوقوف على قدم المساواة مع الأندية الإنكليزية والإسبانية، إلى ما وصلت إليه الآن من إفلاس على كافة الأصعدة، بما في ذلك فقر العين الخبيرة التي تلتقط المواهب القادرة على محاكاة أساطير الماضي، هذا بجانب صداع الديون المتراكمة على الأندية والمشاكل الاقتصادية التي تعصف بكل المؤسسات الرياضية هناك، وتعتبر من الأسباب الرئيسية وراء هجرة النجوم والمدربين إلى إنكلترا وباقي الدوريات الأوروبية في السنوات الماضية، في المقابل تحول الدوري الإيطالي إلى الوجهة المثالية لعواجيز الفرق الكبرى في القارة، على غرار انتقال كيفن دي بروين إلى نابولي بعدما تجاوز سنوات الذروة مع مانشستر سيتي، والأربعيني الكرواتي لوكا مودريتش بعد رحيله عن ريال مدريد الصيف الماضي، ويضاف إلى كل ما سبق، تغير عقلية الجيل الجديد في البلاد، من شغف الأغلبية الكاسحة بكرة القدم في زمن ما قبل التواصل الاجتماعي إلى منافسة متأرجحة بين كرة القدم ولعبة التنس، بعد إنجازات يانيك سينر، وبدرجة أقل دخلت سباقات الفورمولا-1 اللعبة، بعد انتصارات كيمي أنتونيلي المدوية في آخر سباقين، والأسوأ على الإطلاق، ما يتردد عن انخفاض شعبية المنتخب داخل الوطن مقارنة بولاء المشجعين وارتباطهم الوثيق بأنديتهم، الأمر الذي دفع المدرب غاتوزو لإقامة مباراة نصف نهائي الملحق على ملعب بيرغامو الذي لا يتسع لأكثر من 25 ألف متفرج في أحسن الأحوال، وذلك لتفادي صافرات الاستهجان من قبل الجماهير في «سان سيرو»، كما حدث في ليلة السقوط أمام أصدقاء إيرلينغ براوت هالاند في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وغيرها من المؤشرات التي كانت تنذر بقرب وقوع الكارثة، ولو أن من تابع ردود الأفعال هذه المرة، سيلاحظ أن مستوى التعاطف العالمي والعربي مع الطليان انخفض أكثر من أي وقت مضى، وتجلى ذلك في اختفاء المقولة التي كانت تتردد بعد خيبة أمل السويد في ملحق مونديال روسيا 2018، بأن «كأس العالم خسر مشاركة إيطاليا»، وبدرجة أقل بعد الفضيحة المدوية أمام مقدونيا الشمالية في ملحق مونديال قطر، ربما لعدم وجود تلك الأسماء أو المواهب التي كان ينتظرها عشاق الكرة الجميلة على أحر من الجمر كل 4 سنوات، وذلك كما أشرنا أعلاه للتراجع الصادم على مستوى المواهب واللاعبين فئة «الميغا ستارز»، أو ربما لضياع هذه المأساة وسط الفرحة المضاعفة بتأهل ثمانية منتخبات عربية للمونديال للمرة الأولى في التاريخ، لكن الشيء المؤكد ويصعب الجدال عليه، أن المنتخب والكرة الإيطالية بحاجة لعملية إنعاش طارئة، إذا أرادوا إنقاذ ما تبقى من هيبة وكبرياء اسم الآزوري الكبير في المستقبل القريب والمتوسط، بالأحرى قبل أن تقع الكارثة للمرة الرابعة على التوالي مع وصول الجيل المصدوم لعقد الثلاثينات من عمرهم، أما باقي نتائج الملحق الأوروبي، فقد أسفرت عن فوز السويد على بولندا بنتيجة 3-2، في مباراة هاربة من الزمن الجميل، مباراة ظلت معلقة على نتيجة 2-2 إلى أن تمكن مهاجم آرسنال يوكيرس من قيادة بلاده للوصول إلى المونديال بهدف لا يعوض في الدقيقة 88، في قصة ملحمية لا تقل إثارة عن كفاح البوسنة، بعد معاناة المنتخب الاسكندينافي في فترة ما قبل وصول المدرب الإنكليزي غراهام بوتر، حيث كان يحتل المركز الأخير في مجموعته، ثم فجأة خطف البطاقة المؤهلة للملحق، ليطيح بالمنتخب الأوكراني في ملحمة نصف النهائي، ثم بأصدقاء المدمر روبرت ليفاندوسكي في المباراة الفاصلة، وكذا ضمن المنتخب التركي العودة إلى العرس العالمي للمرة الأولى منذ إنجاز الحصول على المركز الثالث في نسخة كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، وذلك بعد إخماد ثورة كوسوفو بهدف نظيف في المباراة النهائية، واكتمل عقد المنتخبات الأوروبية المشاركة بتأهل التشيك على حساب الدنمارك بمساعدة ركلات الترجيح بعد انتهاء الوقت الأصلي والإضافي على نتيجة التعادل بهدفين في كل شبكة.
قراءة مفيدة للجميع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *