رحلة عبير صنصور على بساط النغم من بيت لحم إلى الأوبرا المصرية


استغرقت الرحلة الفنية للمُطربة الفلسطينية عبير صنصور نحو عشرين عاماً تقريباً، قضتها داخل القاهرة حيث تم اكتشافها كصوت طربي مُتميز للغاية يُغني للوطن والأرض، ويشدو بأجمل ما في التراث الفلسطيني من حكايات وملاحم وبطولات، تم تضمينها في الأغاني القديمة وأشعار محمود درويش وحكايات الجدات التي طالما رددها النشء الجديد جيلاً بعد جيل لتظل التفاصيل محفورة في الذاكرة لا تمحوها سنوات الكدر والضجر والحصار المُمتد عبر سنوات.
تحفل مسيرة الفنانة الكبيرة بالعديد من الإنجازات التي يُمكن اعتبارها طفرة فنية كُبرى في المجال الموسيقي والغنائي النوعي الفارق، فبخلاف التراث الفلسطيني القديم شدت عبير في حفلات دار الأوبرا المصرية التي درست فيها علم الأصوات وقواعد الموسيقى العربية فاكتسبت المزيد من الخبرات وتمرست على الغناء أمام الجمهور في أعرق المسارح وأكثرها قيمة من الناحية المعمارية والحضارية.
وعلى أثر نجاحها تكونت لديها قاعدة شعبية عرفت قدر موهبتها واحترمت أدائها المُغاير صوتاً ومضموناً.
فقد حرصت المطربة أشد الحرص على العناية بالكلمة واللحن والأداء الرصين المؤثر، فصارت تشابه في نمطها الغنائي القمم العربية، فيروز وأم كلثوم وماجدة الرومي بدون الوقوع في شرك التقليد والمُحاكاة.
لقد التزمت فقط بآداب التعبير الراقي والهادف، فصوتها موصل جيد للإحساس بالوطن في محنته وصموده، وأغانيها رسائل بليغة تبعث بها لمن يهمه أمر القضية والشعب المُناضل الواقف ببسالة على منصة القتال والشرف.
شاركت عبير صنصور خلال سنوات وجودها في القاهرة وقبل عودتها إلى مسقط رأسها ببيت لحم بالضفة الغربية، في العديد من الأنشطة الفنية وحصلت على عضوية نقابة الموسيقيين المصرية ودرست المسرح والدراما في أستوديو المُمثل.
وعملت في بعض الأفلام والمُسلسلات الدرامية ربما كان أبرزها مُسلسل «ملح الأرض» مع الفنان محمد صبحي ومُسلسل «لا أحد ينام في الإسكندرية» وفيلم «من نظرة عين» وأعمال أخرى كثيرة.
كما أنها أسست المركز الثقافي الفلسطيني للأطفال في قلب القاهرة، واعتنت كثيراً بأصحاب المواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين صورت من أجلهم أغنيتها المعروفة «بموت فيك» في إشارة إبداعية غير مُباشرة للطفل زين الذي شاركها الفيديو كليب، وحصل معها على تأييد الملايين من المُعجبين بالتجربة الغنائية الفريدة والوحيدة في هذا الصدد. ولا شك في أن اختيار الفنانة عبير صنصور من جانب جمعية السلام الأفريقية لتكون سفيرة للفن الفلسطيني الراقي لعام 2026 بوصفها صاحبة موهبة فطرية مُصقلة بالدراسة الأكاديمية ومُعززة بالثقافة والمعرفة، قد أضاف إليها الكثير وشجعها على القيام بدورها التنويري والإنساني لخدمة ذوي الهمم الاستثنائية من الأطفال خاصة بعد تفوقها في دراسة علوم التربية الخاصة وبروز إسهاماتها في مجال الرعاية والاحتواء.
طافت صنصور العديد من العواصم العربية والأوروبية، وحصلت على شهادات تقدير وميداليات من أهم المهرجانات الفنية والغنائية، وذاع صيتها حول العالم العربي بفضل أغانيها «يا شمس»، و«جاي الأمل»، و«إليك ياوطني»، و«لم يرحلوا»، و«يا طالعين»، وغيرها من كنوز التراث الفلسطيني القديم.
تعلمت عبير صنصور العزف على العود وأتقنته اتقاناً تاماً ولها تجارب لحنية مهمة في إطار اهتمامها بالأغنية الفلسطينية وحرصها على المُعاصرة الموسيقية بطابعها الحديث والجديد، ولها مع الموزع جون حنضل نماذج إبداعية وموسيقية قيمة.
وبرغم تمسكها بالشكل الكلاسيكي للأغنية الفلسطينية، إلا أنها تواكب دائماً موجات الحداثه وتُراعي التنوع في إنتاجها الغنائي تلبية لأذواق الشباب من الجيل الجديد بدون الانسلاخ من التراث والابتعاد عن الأصالة التي تُمثل العمود الفقري في قوام الأغنية الفلسطينية بتاريخها الحافل وروادها ونجومها الكبار أمثال المطرب اللبناني والمُلحن الشهير مارسيل خليفة، وريم بنا ومحمد عساف وأبو عرب ونويل خرمان ورشا نحاس، والأخوين شحادة وفرقة العاشقين ومصطفى الكُرد والمُغنية الصاعدة إيليانا.
كل هؤلاء كانت لهم وما زالت إسهامات قوية عززت فكرة ارتباط الأغنية الفلسطينية بالأرض والوطن والكفاح والمقاومة واستشراف النصر، وبفضلهم انتقلت الأغنية الفلسطينية أيضاً من محيطها المحلي إلى جميع المُحيطات العربية والآفاق الدولية والعالمية لتكون جسراً تعبر عليه الثقافات لتصل إلى أبعد نقطة فوق الكرة الأرضية فيعرف سُكان الكوكب ما هي فلسطين ومن يكون سُكانها وأبطالها وفنانيها ومُبدعيها.. إنهم أولئك الصامدون المُنتصرون.. الواقفون في بؤرة الضوء، تصدح أصواتهم تحت الشمس.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *