لا أحد في هذه المنطقة المسماة عربية وإسلامية في محل “فاعل”. لا أحد. كل من يظن نفسه لاعباً كبيراً، هو في الحقيقة مجرد قطعة صغيرة يتم تحريكها على رقعة أكبر بكثير منه. كل الطوائف، كل المذاهب، كل القوميات، والميليشيات والعصابات من دون استثناء، تعيش وهماً اسمه القوة. والحقيقة؟ أن الجميع، بلا مبالغة، في محل مفعول به.
نعم، هذه الجملة صادمة، لكنها تختصر واقعاً نعيشه منذ عقود: كلكم مجرد بيادق يستخدمكم الخارج ضد بعضكم البعض لمصالحه الخاصة. من يرفض هذه الحقيقة، فليشرح لنا لماذا تتبدل موازين القوى بهذه السرعة؟ ولماذا يتحول القوي إلى ضعيف بين ليلة وضحاها؟ ولماذا كل من يصعد، يسقط بنفس الطريقة تقريباً؟ فقط انظروا أين كانت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران قبل سنة ونيف وأين أصبحت الآن.
المشهد مكرر إلى حد السخرية. مكون ما يحصل على دعم خارجي، سياسي أو عسكري أو مالي، فينتفخ ويظن أنه أصبح سيد اللعبة كما ظنت ميليشيات إيران. يبدأ بالتنمر على الآخرين، يبطش، يقصي، يفرض نفسه كأنه قدر لا يُرد. لا يرى إلا اللحظة التي يعيشها، ولا يدرك أنه مجرد أداة مؤقتة. ثم فجأة، تتغير المصالح، ينقلب الداعم عليه، أو يسحب يده، فينهار كل شيء. عندها فقط يكتشف الحقيقة المرة: أنه لم يكن يوماً فاعلاً، بل مجرد أداة تم استخدامها ثم رميها.
خذوا المثال الذي يوجع ولا يعجب كثيرين. قبل فترة، كانت الميليشيات الشيعية والعلوية تصول وتجول في المنطقة، تقتل وتبطش وتتنمر على السوريين والعراقيين واللبنانيين. كانت تتصرف وكأنها فوق الجميع، وكأن قوتها أبدية. ماذا حدث اليوم؟ أصبحت مشردة مع حاضنتها الشعبية، مطاردة، بلا مأوى، وتحولت إلى مادة للسخرية والشماتة. أليس هذا هو الدرس الصارخ؟ أليس هذا هو الدليل على أن من كان يظن نفسه فاعلاً، لم يكن سوى مفعول به ينتظر لحظة السقوط؟
لكن الكارثة ليست في سقوط طرف، بل في رد فعل الأطراف الأخرى. بدلاً من أن تتعلم الدرس، تبدأ بالشماتة. وكأنها تقول: جاء دورنا الآن. وكأنها لم تفهم أن اللعبة نفسها ستتكرر معها. اليوم أنت تضحك، وغداً سيضحك عليك غيرك. هذه ليست فلسفة، هذا واقع يتكرر أمام أعيننا.
إياكم والاستئساد والتنمر على بعضكم البعض، تضامنوا وتعاطفوا فيما بينكم
المشكلة أن الجميع يعيش في وهم التفوق المؤقت. السنة عندما يشعرون بالقوة، يتصرفون كأنهم سيحكمون إلى الأبد. الشيعة عندما يمتلكون النفوذ، يتصرفون بنفس العقلية. القوميات المختلفة، وبقية الطوائف كل واحدة منها تحلم بلحظة الهيمنة بدعم خارجي. لكن لا أحد يريد أن يعترف بأن الجميع في القارب نفسه. نفس البحر، نفس العاصفة، نفس المشغّل، ونفس المصير.
دعوني أقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: الشيعة والسنة ليسوا أعداء بحكم الطبيعة، وكذلك الأكثريات والأقليات في بلادنا، بل تم تحويلهم إلى أعداء لخدمة مصالح أكبر منهم. كل طرف تم دفعه ليخاف من الآخر، ليكرهه، ليعتبره تهديداً وجودياً. وفي هذه الأثناء، يتم استنزاف الجميع، بينما من يحرك اللعبة يحقق أهدافه بهدوء.
وهنا تأتي الجملة التي يجب أن تُكتب بماء النار: “اليوم قد يكون هذا المكون قوياً ومدعوماً من مشغليه، فيتنمر على بقية المكونات دون أن يدري أن المشغل سيبيعه لاحقاً”. هذه ليست نظرية مؤامرة، هذه قاعدة عمل. كل دعم خارجي له ثمن، وكل تحالف مؤقت، وكل من يعتقد أنه استثناء، سيكتشف أنه مجرد مرحلة في خطة أكبر.
السؤال الحقيقي ليس من هو الأقوى اليوم، بل من سيفهم اللعبة أولاً. من سيستوعب أن القوة التي تُبنى على إقصاء الآخرين، هي قوة مؤقتة. من سيدرك أن التنمر على المكونات الأخرى هو استثمار في كارثة قادمة.
لكن دعونا نكون صريحين أكثر، المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في القابلية الداخلية. هناك استعداد دائم لدى كل طرف أن يستقوي بالخارج ضد شريكه في الوطن. هذه هي الكارثة. بدلاً من أن تُبنى شراكة داخلية، يتم استدعاء الخارج ليكون حكماً أو داعماً أو حامياً. والنتيجة؟ يتحول الجميع إلى أدوات.
إذا كان لا بد من نصيحة للجميع: “إياكم والاستئساد والتنمر على بعضكم البعض، تضامنوا وتعاطفوا فيما بينكم”. البعض سيضحك من هذه الكلمات، وسيقول إنها مثالية. لكن لنكن واقعيين، ما هو البديل؟ المزيد من الدم؟ المزيد من الدمار؟ المزيد من التناوب على دور الضحية والجلاد؟
الحقيقة القاسية أن كل من يجد نفسه اليوم في موقع قوة، سيفقدها عاجلاً أو آجلاً. هذه ليست نبوءة، بل قراءة لتاريخ قريب جداً. لا أحد بقي في القمة، ولا أحد سيبقى. لذلك، الذكاء ليس في استغلال لحظة القوة، بل في تحييد آثارها، في بناء علاقة مختلفة مع الآخرين.
الخلاصة التي يجب أن تُفهم، سواء أعجبتكم أم لا: لا يوجد فاعل حقيقي في هذه المنطقة. الجميع مفعول به بدرجات مختلفة. وكل من يظن أنه خرج من هذه القاعدة، هو أول من سيثبت العكس. إما أن تدرك شعوب المنطقة أنها في مركب واحد، فتتوقف عن ضرب بعضها البعض، أو ستستمر في هذه اللعبة العبثية، حيث يتغير اللاعبون، لكن تبقى النتيجة واحدة.
واليوم، أنت قد تكون في محل فاعل، تتوهم القوة، تفرض نفسك، تتنمر. وغداً؟ قد تجد نفسك في محل مجرور، أو ربما داخل المجرور نفسه. هذه ليست مبالغة، هذه خلاصة تجربة طويلة من الوهم والانكسار.
لقد صدق الشاعر الفلسطيني مجيد البرغوثي عندما قال: “يا جند الشيعة والسنة، أعداء محمد هم أعداء علي، وقنابلهم، كمدافعهم، لا تعرف فرقاً بين الشيعة والسنة”. وسلامتكم
٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]