عند الحديث أو التفكير في الشعر الأمريكي الحديث، يتبادر إلى أذهاننا مثل هؤلاء الشعراء العظام الذي تجاوز أثرهم الإبداعي والتجديدي شعر بلدهم الأصلي، ليشمل خريطة الشعر العالمي برمّته، وهم: والت ويتمان، وإدغار آلان بو، وأميلي ديكنسون، وإزراباوند، وألن غينسبرغ، وجاك كيرواك، ولورنس فرلينغيتي، وآن ساكستون، وتشارلز بوكوفسكي، وألن فيليب، ولانغستون هيوز، وسيلفيا بلاث وتشارلز سيميك. ومن الجدير، أن نعترف بأثرهم الذي لا يمكن إنكاره على الشعر العربي الحديث، وفضلهم الطيّب على شعرائنا المُجدّدين، بمن فيهم بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، أو المعاصرين من أمثال نور الدين الزويتني، وأسعد الجبوري، وإيمان مرسال، وخالد مطاوع، ومحمد مظلوم والحبيب الواعي. وإن كُنّا نشكو، إلى اليوم، غياب ترجمات أو مختارات كافية ومتجدّدة عن الشعر الأمريكي الحديث والمعاصر تُنقل إلى العربية باستمرار.
إستطيقا سوداء
يمكن القول إنّ الشعر الأمريكي، بفضل نشاطيّة مبدعيه، ما فتئ ينحت حداثته الدائمة، ولا يكفّ عن تجديد أنساغ مُخيّلته الهائلة، والعمل على الدفع بها إلى أقصى ما تفكّر به قصيدة لغةً وبناءً وأسلوباً، وربطه بروح العصر وقضاياه في أزمنة الحرب والظلم والهمجية والعبودية، إصغاءً والتزاماً. ومن جملة هؤلاء، وقد يكون مغمورا بين أوساط قراء العربية، نذكر الشاعر الأفرو- أمريكي إثيريدج نايت Etheridge knight، الذي ارتبطت حياة ومنجزه الأدبي بحركة الفنون السوداء، باعتبارها أهم الحركات الأدبية والثقافية، التي عبرت عن هموم وانشغالات الإنسان الزنجي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل ثمة من يرى أن عمله أمسى مهما ومؤثّرا في الشعر والشعرية الأفرو-أمريكية على الخصوص، وفي سيرورة وتاريخ الشعر الأنغلو-أمريكي المنحدر من إرث والت ويتمان.
بعد ترجماته: «أمريكا أمريكا: أنطولوجيا جيل البيت» (2018)، و»حبس إلى أجل غير مسمى: قصة كلب» لمايكل روتنبرغ (2019)، و»المطر القديم» لبوب كوفمان (2020)، أصدر الحبيب الواعي الترجمة العربية لمختارات من شعر إثيريدج نايت، عن دار كوديا للنشر والتوزيع. تضم هذه المختارات قصائد مفقودة للشاعر، ونحو مئتي قصيدة نشرت في مجلات أدبية ودواوين نفدت طبعاتها. وفي التقديم الذي خص به هذه المختارات وراهنيّتها، وما فيه من تفصيل عن سيرة الشاعر وأسلوب كتابته وموضوعاته الأثيرة، قال المترجم: «إن هذا العمل رأى النور في أوانه، ففي هذه المرحلة الراهنة بالذات وأكثر من أي وقت مضى، يبدو الإنسان أكثر عرضة للعنصرية العرقية والثقافية، في جو اجتماعي محتقن نتج عن متطلبات وتناقضات الحياة الرأسمالية، فتنوعت أساليب الضبط والزجر المستنفذة لقوتها الإصلاحية، وانتشرت أنواع جديدة وفتاكة من المخدرات تصنعها شركات العقاقير الدولية ذات الربح الشخصي».
والمتأمل في المنجز الشعري لهذا الشاعر الزنجي، يجد أنّه يتناول مواضيع شتى، من أوجاع الولادة والجرعات الزائدة من المخدرات والحرب، إلى ثيمة «الكونية الفريدة» التي يعتقد بأنها حقيقية وتكمن في «كونية المشاعر». إلا أن موضوع الحرية، الحرية لنفسه ولمجتمعه بشكل غير قابل للفصل، شغل حيّزا كبيرًا من شعره، وهو الذي خبر السجن باكرا وتجرع مرارة الاستلاب والقهر داخله. فمن خلف القضبان الحديدية لسجن ولاية إنديانا، كتب الشعر للحفاظ على سلامته العقلية والجسدية، وظلّ يصدح بآهات الحرية في شعره، ابتداءً من ديوانه الأول «قصائد من السجن» (1968)، مرورا بديوانه «أصوات سوداء من السجن» (1970) و»أغنية البطن وقصائد أخرى» (1973) حتى ديوانه الأخير «ولدت من رحم امرأة: قصائد جديدة ومختارة» (1980).
معظم القصائد التي كتبها وراء القضبان تركز على السجن كشكل من أشكال الاضطهاد العرقي والعبودية المعاصرة، وتبحث عن طرق يستطيع من خلالها المرء أن يتحرر رغم الاعتقال، وتعكس واقع حياة السجناء وآلام الجسد والنفس، ومساوئ السلطة، وعقلية الاستعباد التي تستهدف شيطنة السود وقمعهم. ولهذا سعى إلى خلق ثورة في الفكر الأمريكي المشوه بالمفاهيم المتبقية من عصر العبودية، ضمن ما كان يدعوه بـ»مجمع صناعة السجون»، متأثرا بالرؤية الفلسفية لحركة الفنون السوداء ومشروعها الفكري، التي نشطت أفكارها بين عامي 1965 و1975، وأرّخَتْ لفترة انتقالية من حركة الحقوق المدنية إلى المرحلة التي شهدت ارتفاعا ملموسا في الإنتاج الثقافي والفني الأفرو-أمريكي، ساهم فيه كبار القوم داخل هذه الحركة، الذين أبانوا عن روح ملتزمة، وهم يدمجون بين الفن والعمل السياسي من أمثال: أميري باراكا، وأديسون جيل جونيور، وإد بولينز، ولوسيل كليفتون، وجين كورتيز، وهنري دوماس، وأودري لورد، وسونيا سانشيز.
في ضوء تأسيسيّتها الجذرية، كان مشروع الحركة الأبرز خلق فلسفة جمالية خاصة بهم، أو «إستطيقا سوداء» بصريح العبارة، تقود إلى خلق أشكال جديدة وقيم ورموز جديدة، بل تتأسس على أخلاقيات ممكنة تتيح لهم رؤية العالم بشكل أكثر معقولية، مقابل رؤية المضطهِدين البيض. وفي أعمال إثيريدج الشعرية يتردد مثل هذا المشروع وهو يعكس الوعي واللاوعي الجمعي للذات الزنجية وحساسيّتها، ضمن مسعاه الدائم المتمثل في استكشاف تاريخ الذات الأمريكية السوداء ودواخلها، ومعاينة واقعها المضطرب ومعاناتها بسبب المخدرات والفروقات العرقية والطبقية والاقتصادية، التي عملت الحكومات البيضاء المتعاقبة على ترسيخها بأشكال وتلوينات ناعمة. فهو حرص على إضفاء المعنى على الذات الزنجية وضمان استمراريتها، وذلك عبر الحفر في الإرث الزنجي من أجل بعثه وتكريسه، والذي يشمل كل الممارسات والعادات والتصورات التي تشكل التاريخ الشفوي أو التراث الثقافي الغني لافريقيا والجنوب الأمريكي. ورغم فشل زيجاته بسبب الإدمان، لم تتأثر نظرته المقدسة للعائلة وتكريمه للسلف والخلف، كما في قصيدته «فكرة النسب» وغيرها من القصائد التي تخلد مآثر الزعماء السود: مارتن لوثر، وكينغ جنيور ومالكوم إكس، وباتريس لومومبا، ونيلسون مانديلا وغيرهم.
بعث التقليد الشفوي
في هذا السياق، انشغل إثيريدج في شعره باستخدام الجماليات الشفوية المرتبطة بالقصص والأساطير والأغاني الشعبية، على نحو يظهره في صورة «حكواتي» متجول مهموم بالهوية الزنجية والماضي، وبالصدمة الجيلية التي تسببت فيها العبودية والتمييز العنصري. كما انشغل بالإرث الموسيقي الزنجي بإيقاعاته المتعددة والمتنوعة، خاصة موسيقى البلوز والجاز. وليس من الغريب، كما يستخلص المترجم، أن يصوغ إثيريدج وهو ابن المسيسيبي تصوّراً للشعر ينسجم مع فلسفة موسيقى البلوز، فنراه في غالب الأحيان ينظم قصيدته من حيث الشكل وفق بنية قصيدة البلوز التي تتميز عادةً بسطر أو سطرين شعريين متكررين يليهما بديل مفاجئ أو ساخر، أو من حيث الإيقاعات باستخدام تقنيات التكرار المبنية على النفس وتأثير الأصوات (جِنَاسٌ استهلالي alliteration، وسَجْع assonance)، مؤكدا على السمة الأدائية لشعره».
كما يذكر دارسوه أن إحدى السمات الأسلوبية المميزة في شعره، ذلك الاهتمام الذي يمنحه للهجة المحلية أو اللغة المتداولة وهو يستخدمها بطريقة غير متداولة، ومن خلالها يعود إلى الطبيعة الشفهية للشعر، التي تلتقط إيقاعات الخطاب اليومي عند السود وتصويتاته النغمية؛ وهذا ما يعكس قوة الثقافة الشفوية المحلية لدى السود بخلاف الإنكليزية القاموسية التي تفتقد النفس الذي تعيش فيه اللغة فعليا. كما يسعى في شعره، وفي نثره كذلك، إلى «إفساد» لغة الإنسان الأبيض، على حد تعبير جون جينيه؛ ويعني ذلك أنه يستعمل كلمات العدو وتعابيره وتراكيبه نفسها، غير أنه «يفسدها ببراعة تُوقِعُ الرجل الأبيض في شركه، أي أنه يقبلها بكل ثرائها، ويضيف إلى غناها، ويشبعها بكل هواجسه وكراهيته له». وعلى هذا النحو من إفساده المتعمد للغة وتعطيلها، يخلق إثيريدج مجالا سيميائيا مشفرا يتواصل من خلاله بعبارات وبنيات تركيبية لا يفهمها سوى أبناء جلدته، الذين يتقاسمون وإياه التجربة الاجتماعية والعرقية نفسها في أمريكا التمييز العنصري، وينضم إلى التقليد الأفرو-أمريكي الطويل الذي أسهم في إثراء اللغة والثقافة السائدة بشبكة تعبيرات وإيقاعات واستعمالات بديلة. فالشعر الزنجي ظلّ يستمد أصالته من هذه اللغة الدارجة التي لا تفارق خطاب السود وموسيقاهم الصارخة بالحياة.
بعد ثلاثة عقود ونيف من رحيله الفاجع، ما زال إثيريدج نايت (1931- 1991) الذي فرض نفسه على خيال جيله، يلهم الأجيال الصاعدة، لأن المواضيع التي يتناولها (إدمان المخدرات، والضغط النفسي، ومؤسسات الضبط، والعنف الجماعي، والفروقات الطبقية والعرقية..) لا تزال راهنية تلح على واقعنا المعاصر، كما كانت في الماضي، بغض النظر عن العرق والدين والانتماء الثقافي. وما زال في عيون الكتاب والنقاد السود مثالاً ساطعا ومختلفا عن الحقيقة الصارخة للزنوجة في الفن، التي لم تكد تخلو من بدايتها إلى نهايتها من تجسيد المعاناة والعذاب، وتختزل في سيرة الشاعر الزنجي «حكايةَ الهوية الأمريكية المضطربة».
كاتب مغربي