الرباط- “القدس العربي”:
أثار المقطع الترويجي للفيلم السينمائي المغربي “المطرود من رحمة الله” (Thank You Satan) موجة واسعة من الجدل، أعادت إلى الواجهة النقاش المتجدد حول حدود حرية الإبداع الفني ومدى تقاطعه مع الثوابت الدينية والقيم المجتمعية.
وتضمّن هذا المقطع، الذي جرى تداوله على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، في انتظار عرض الفيلم، مشاهد داخل فضاء يوحي بأنه مسجد، مصحوبة بشريط للقرآن الكريم، إلى جانب لقطات حميمية، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين مساسا بالمقدسات، في حين رأى فيه آخرون تعبيرا فنيا يدخل ضمن حرية الإبداع.
وفي خضم هذا الجدل، قررت رئاسة النيابة العامة إحالة المحتوى الرقمي المتعلق بالمقطع الترويجي للفيلم على الوكيل العام للملك (المدعي العام) لدى محكمة الاستئناف في الدار البيضاء، وذلك على خلفية شكاية تقدمت بها جمعية “ربيع السينما”، التي كشفت أن هذه الإحالة تمت بتاريخ 24 آذار/مارس 2026، في اليوم نفسه الذي وُضعت فيه الشكاية لدى مصالح رئاسة النيابة العامة، بالنظر إلى ما يتضمنه المقطع من مشاهد صادمة يُشتبه في اندراجها ضمن الأفعال المجرّمة بمقتضى القانون الجنائي.
وأوضحت الجمعية أن المقطع، الذي نشرته شركة إنتاج مغربية عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وجرى تداوله من طرف عدد من المستخدمين، يتضمن مشاهد تتعارض أيضا مع القرار الأخير لمحكمة النقض القاضي بتجريم نشر الصور الإباحية في الفضاء الرقمي. كما شددت على أن العمل يشتمل على ما وصفته بـ”إساءة بالغة لبيوت الله وللقرآن الكريم”، من خلال توظيف رموز دينية في سياق مشاهد اعتبرتها “إباحية وغير أخلاقية”، من بينها ظهور شخصية تجسد “الشيطان” داخل فضاء يوحي بأنه مسجد، مع تضمين عبارات نابية باللغة الإنجليزية.
وفي هذا السياق، طالبت جمعية “ربيع السينما”، تزامنا مع الإعلان عن عرض الفيلم بالقاعات السينمائية الوطنية ابتداء من 8 نيسان/أبريل، المركز السينمائي المغربي بمراجعة الفيلم موضوع طلب التأشيرة، والتأكد من خُلُو مضمونه من المشاهد محل الإحالة الجنائية، مع إلزام الشركة الموزعة بحذف هذه المضامين أو أي محتوى آخر يتعارض مع مقتضيات القانون الجنائي.
كما نبهت الجمعية إلى أن منح الترخيص الإداري للفيلم، في حال تبين أنه يتضمن نفس المشاهد موضوع المتابعة القضائية، قد يُعد من الناحية الواقعية والقانونية ترخيصا ضمنيا ببث محتوى محل متابعة، وهو ما قد يضع الإدارة في وضعية تعارض مع توجهات النيابة العامة والسياسة الجنائية للمغرب.
وذكّرت، في السياق ذاته، بأن قاعات العرض السينمائي تُعد فضاء عموميا بالتخصيص، وتخضع لمقتضيات النظام العام وأحكام القانون الجنائي، مؤكدة أن أي ترخيص إداري لا يمكن أن يشكل حصانة ضد المتابعة الجنائية في حال ثبوت أفعال مخلة بالحياء أو ماسة بالمقدسات الدينية.
ولم تقف تحركات الجمعية عند هذا الحد، إذ كشفت أن مكتبها التنفيذي يدرس توجيه مراسلة إلى “المجلس العلمي الأعلى” الذي يرأسه أمير المؤمنين العاهل محمد السادس، إلى جانب إعداد شكاية موجهة إلى الوزارة المكلفة بالشغل، بخصوص مدى احترام شروط حماية الأخلاق الحميدة واستتباب الآداب العامة داخل موقع التصوير، باعتباره فضاء للعمل، وفقا لمقتضيات المادة 24 من مدونة الشغل.
في المقابل، برزت مواقف مدافعة عن العمل السينمائي، من بينها ما عبّر عنه المخرج المغربي عبد الإله الجوهري، الذي اعتبر أن فيلم “المطرود من رحمة الله” عمل يستحق المشاهدة وإعادة المشاهدة، ليس فقط لخطابه الفكري الجريء، بل أيضا لأسلوبه السينمائي المتفرد القائم على رؤية تقنية دقيقة. وأوضح أن الفيلم يقدم تجربة بصرية غنية، من خلال جماليات الكادرات المصاغة بعناية، وعمق الصورة المؤثثة بروح الإبداع، إلى جانب مونتاج احترافي ينسج بنية سينمائية متماسكة لا يترك مجالا للصدفة في تشكيلها.
وأضاف الجوهري أنه شاهد الفيلم أكثر من مرة “بكثير من الحب”، مؤكدا أنه لم يعثر فيه على ما يبرر لجوء جمعية “ربيع السينما” إلى القضاء، معتبرا أن الأولى توجيه هذا النوع من الاحتجاج نحو مظاهر “القبح” المنتشرة في المجتمع، من قبيل تشرد الأطفال وانتشار العنف والبلطجة في بعض الأحياء، بدل التركيز على عمل سينمائي اختار طرح قضايا بشكل مختلف.
وفي السياق ذاته، اعتبر الجوهري أن المخرج هشام العسري والمنتجة لمياء الشرايبي قد “ركِبا صهوة السينما” لإنتاج عمل قوي فكريا وفنيا، يسعى إلى كسر القوالب التقليدية لما وصفه بـ”السينما النظيفة” التي تغرق في سطحية الطرح، مقابل سينما تنتصر للجمال والعمق البصري، وترفض الانخراط في الحكايات المبتذلة التي لا تتجاوز حدود التسلية العابرة.
وفي سياق الجدل الذي أثاره الشريط الجديد للمخرج هشام العسري، اعتبر الإعلامي والناقد السينمائي المغربي بلال مرميد أن توصيف العمل بكونه “صادما” يظل أمرا نسبيا يخضع لذائقة المتلقي وخلفيته السينمائية. وأوضح أنه تابع الشريط منذ مدة، مشيدا بثقة العسري ومنحه فرصة الاطلاع عليه قبل عرضه، معتبرا أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في مشاهد بعينها بقدر ما يجب أن ينصرف إلى وضع السينما نفسها وما تعيشه من تحولات.
وفي معرض رده على الحديث المتداول حول “المشاهد الصادمة”، أشار مرميد إلى أن مفهوم الصدمة في السينما ليس جديدا، بل هو جزء من تقاليد فنية عالمية، مستحضرا تجربته كمحب لسينما المخرج لارس فون ترير، التي تقوم في جوهرها على مساءلة الحدود وخلق الصدمة الفنية. وأضاف أن “المشهد الصادم الحقيقي” في نظره ليس ما يُعرض على الشاشة، بل ما تعيشه السينما من تحديات وإكراهات في الواقع.
أما بخصوص الجدل الذي يواجهه هشام العسري، فقد عبّر مرميد عن موقفه الواضح والثابت، مؤكدا أن العسري يُعد من بين أذكى المخرجين المغاربة، وهو تقييم سبق أن عبّر عنه في مناسبات عدة. وشدد على أن الخوف من السينما أو محاولة تقييدها لا يخدم الإبداع، معتبرا أن من يخاف من السينما “لا يستحقها”، في إشارة إلى ضرورة الدفاع عن حرية التعبير الفني باعتبارها شرطا أساسيا لتطور المشهد السينمائي.
وجاء في تدوينة لأحمد صلاح الدين طه: “الفيلم الجديد للمخرج المغربي هشام عسيري، عنوانه باللغة العربية: المطرود من رحمة الله، وبالإنجليزية: Thank you Satan أي شكرًا يا شيطان. الاختلافات المحورية بين صياغة المسميين تذكرنا بالسياسة لدى كثير من الحكومات، تخاطب الداخل بلسان والخارج بلسان آخر مختلف كليًا”.