لندن- “القدس العربي”:
قالت المعلقة في صحيفة “نيويورك تايمز” ميشيل غولدبرغ إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا فكرة لديه بشأن تنظيف الفوضى التي أحدثها بنفسه.
وأشارت بداية إلى أن ترامب انتظر شهراً كاملاً بعد شنه حرباً ضد إيران ليشرح دواعي الحرب وأسبابها، مع أنه كان يفترض أن يقوم بهذا قبل شن الحرب، كما يقتضي النظام الأمريكي الديمقراطي، الذي يحتم على الرئيس توجيه خطاب من مكتبه البيضاوي مع بداية أي نزاع عسكري جديد.
وقبل خطابه، تكهن الخبراء بما سيعلنه: هل سيعلن عن غزو بري؟ أم خفض للتصعيد؟ أم انسحاب من حلف الناتو لعدم رغبة أحد في مساعدته على فتح مضيق هرمز؟
ولم يحدث أي من هذا، بل أعاد ترامب، بكلمات مبعثرة، تكرار منشوراته السابقة على منصة “تروث سوشيال”، متباهياً بالتقدم العسكري الأمريكي، ومهدداً بارتكاب جرائم حرب. ولم يقدم خطابه الكثير، على الأقل بشكل صريح، لكنه كشف عن الكثير.
خلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن “الحكومة الإيرانية تعتقد أنها في موقف قوي في الحرب، وليست مضطرة للاستجابة للمطالب الدبلوماسية الأمريكية”
فقد كشف الخطاب، أولاً، أنه لا يملك خطة للخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه. وواحدة من طرق تقييم مسار الحرب هي النظر إلى الطرف الذي يسعى لإنهائها. ففي يوم الأربعاء، أفاد موقع “أكسيوس” أن نائبه جيه دي فانس قدم مبادرات إلى إيران، عبر وسطاء، بشأن وقف محتمل لإطلاق النار. مع ذلك، قد لا تكون إيران مستعدة للتفاوض.
وحسبما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”، خلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن “الحكومة الإيرانية تعتقد أنها في موقف قوي في الحرب، وليست مضطرة للاستجابة للمطالب الدبلوماسية الأمريكية”.
وعلى أمل إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، كرر ترامب يوم الأربعاء تهديداته السابقة. قال: “خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة، سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون”.
وهدد بتدمير محطات توليد الكهرباء الإيرانية، وربما نفطها، في حال عدم التوصل إلى اتفاق، وهو ما يعد مخالفاً للقانون الدولي، مع أن الرئيس لا يبالي بذلك.
وبحلول يوم الخميس، كانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد ألحقت أضراراً بالغة بمعهد باستور في طهران، وهو مركز أبحاث طبية رئيسي. ورأى ولي نصر، عالم السياسة الإيراني الأمريكي والمستشار السابق في وزارة الخارجية، أن الهجوم هو جزء من حملة ترامب الموعودة لتدمير إيران كمجتمع حديث.
ويتذكر نصر أنه تلقى لقاحاته في معهد باستور عندما كان طفلاً، حيث كان جده، وهو طبيب، يعمل هناك. وقال للكاتبة: “إنه المعيار الذهبي للرعاية الصحية على المستوى الدولي في إيران”. وأشار إلى أن قصف المعهد يأتي بعد أيام فقط من غارات جوية على مصنعين لإنتاج الأدوية، وهما مهمان للغاية لإيران نظراً لارتفاع أسعار الأدوية الأجنبية بسبب العقوبات الدولية.
وقد تزعم الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذه المنشآت ذات استخدام مزدوج، لكن الإيرانيين، كما قال نصر، يشعرون بأن “هذه لم تعد حرباً على الجمهورية الإسلامية أو صواريخها أو منشآتها النووية. إنها حرب على البلاد، إنها حرب تهدف إلى تحويل إيران إلى دولة فاشلة”.
حتى الإيرانيون الذين لا يحبون حكامهم باتوا يعارضون الحرب بسبب الأضرار التي لحقت ببنيتهم التحتية، وبسبب الخسائر في صفوف المدنيين
هذا بدوره يعزز، كما تقول غولدبرغ، موقف النظام داخلياً. ونقلت ما قاله علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل، من أن النظام يحشد أنصاره في الساحات العامة في جميع أنحاء البلاد كل ليلة منذ بداية الحرب. وقال: “تتزايد أعداد هذه الحشود باستمرار”. وحتى الإيرانيون الذين لا يحبون حكامهم باتوا يعارضون الحرب “بسبب الأضرار التي لحقت ببنيتهم التحتية، وبسبب الخسائر في صفوف المدنيين، وبسبب استهداف المواقع التاريخية وخطاب ترامب”.
وفي غضون ذلك، يدرك قادة إيران بوضوح أن موقف ترامب الداخلي يتراجع. فقد أدت الحرب إلى انخفاض شعبيته إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق: 35%، حسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة “يوغوف” بالتعاون مع مجلة “إيكونوميست” البريطانية قبل فترة.
وهذا ليس بعيداً عن النسبة التي كان عليها جورج دبليو بوش عندما غادر منصبه في فضيحة وسط حرب فاشلة وانهيار اقتصادي.
وترى الكاتبة أن أحد أسباب إلقاء ترامب خطابه من المكتب البيضاوي، على الأرجح، هو محاولة إقناع الأمريكيين بأن مغامرته في إيران تسير على نحو أفضل مما يتصورون. ومع كذبه المتأصل، إلا أن ترامب يتمتع بشفافية مدهشة بشأن دوافعه، فقد قال بعد ظهر الأربعاء: “سألقي خطاباً قصيراً الليلة الساعة التاسعة، وسأخبر الجميع فيه كم أنا عظيم”. وكان يأسه واضحاً، وخطابه، على حد قول نصر، هو بمثابة إشارة لإيران مفادها أن شعبيته متدنية وأنه يتعرض لضغوط. ومن مصلحة إيران تصعيد هذا الضغط، ولهذا يعتقد واعظ أن النظام الإيراني لا يبدي أي اهتمام يذكر بإنهاء الحرب.
وقالت غولدبرغ إن ترامب يرغب فعلاً في وقف الحرب، لكنه لا يعرف كيف.
وما زلنا نجهل ما إذا كان سيرسل جنوداً إلى إيران لمحاولة توجيه ضربة قاضية، أو ما إذا كان سيعلن النصر وينسحب، أو ما إذا كان سيتوصل في النهاية إلى نوع من الاتفاق. كل ما نعرفه هو أنه نجح في منح إيران اليد العليا في هذا الصراع، بينما ألحق الضرر بالاقتصاد العالمي ومزق أهم تحالفات أمريكا.
وربما لم ينسحب ترامب من حلف الناتو يوم الأربعاء، لكن القادة الأوروبيين يدركون أن الحلف يفقد معناه تدريجياً. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للصحافيين يوم الخميس: “إذا زرعت الشكوك يومياً حول التزامك، فإنك تفرغه من مضمونه”.
وتعيد الكاتبة القراء إلى إحاطات ترامب الغريبة أثناء وباء كوفيد-19، حين اقترح استخدام مبيض الغسيل لمواجهة الفيروس، وتفاخر بـ “العمل العظيم” الذي يقوم به، ووعد أكثر من مرة بأن الفيروس سيختفي من تلقاء نفسه.
وتقول إن الأمر أثار قلقاً لدى الأمريكيين بأن بلادهم تعيش أزمة متفاقمة يقودها شخص نرجسي أخرق. وقال ترامب ليلة الأربعاء عن مضيق هرمز، الذي تستخدمه إيران حالياً لخنق إمدادات الطاقة العالمية مع زيادة صادراتها النفطية: “عندما ينتهي هذا الصراع، سيفتح المضيق تلقائياً، سيفتح تلقائياً”. وهذا كلام يبدو مألوفاً لدى جميع الأمريكيين.