كيف حشر ترامب العالم في مضيق هرمز؟


في خطابه الموجه إلى الأمة، أمس الأربعاء، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عددا من التصريحات العامة التي ليس فيها شيء مؤكد، سواء ما كان متوقعا من إعلان موعد لانتهاء الحرب (رغم حديثه عن الاقتراب من إنهاء المهمة “بسرعة كبيرة”)، أو بتحقيق “الأهداف الاستراتيجية” التي أكد عليها المسؤولون الأمريكيون الكبار، بمن في ذلك جي دي فانس وماركو روبيو قبل يومين، أو بالنسبة لهدف القضاء على المشروع النووي الإيراني، الذي كان أحد أهم أسس الصراع بين واشنطن وطهران على مدار عقود، باستثناء قوله إنه “لا يمكن الوثوق بإيران أبدا فيما يتعلق بامتلاك الأسلحة النووية”، وانتهاء بزعمه أن ضرب القدرات العسكرية لإيران أضعف قدراتها على “إحداث فوضى في المنطقة”!
إضافة إلى التهديدات بـ”إعادة الإيرانيين إلى العصر الحجري، حيث ينتمون”، وبتصعيد هائل يمكن أن يطال محطات الطاقة وتوليد الكهرباء، فإن المعلومة الوحيدة التي تم تأكيدها في الخطاب كانت أن أمريكا “لم تكن في حاجة إلى مضيق هرمز” وأنها “لن تحتاجه” بعد انتهاء الحرب. أما قوله بأنه “عندما ينتهي الصراع سيُفتح المضيق بشكل طبيعي” فقد بدّدته بسرعة المعلومات التي نشرها موقع “أكسيوس” الذي قال إن مفاوضات تجري بين أمريكا وإيران لفتحه مقابل وقف إطلاق النار.
مثل باقي إعلانات التفاوض التي تحدّث عنها المسؤولون الأمريكيون خلال الحرب الجارية، فإن الخبر لم يجد تأكيدا مقابلا من الطرف الإيراني، وهو أمر متوقع نتيجة القناعة التي تشكّلت لدى الإيرانيين بأن الأمريكيين قادرون على نقض أي اتفاقات، وعلى التعامل مع المفاوضات كأداة للتضليل الحربيّ، كما حصل في تجاهل واشنطن للتقدّم في المباحثات الذي أعلنت عنه سلطنة عُمان قبل الحرب الحالية، وإجهاض الحل الدبلوماسي بشكل مفاجئ عبر شن موجة كبرى من الاغتيالات والقصف والتدمير مع بدء الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي، بالتزامن مع التبشير بسقوط النظام.
حديث ترامب عن عدم حاجة بلاده لمضيق هرمز يتناقض مع الكلام عن المفاوضات التي تربط وقف إطلاق النار بسماح إيران بفتح مضيق هرمز من جديد. لقد غيّر قرار إيران الخطير بإغلاق المضيق ديناميّات الحرب، ورفع كلفتها عالميا، مما ينذر بحدوث ركود عالمي غير مسبوق.
أوقع الأمر إدارة ترامب في مأزق كبير ودفعها إلى إجراء “مناقصة كبرى” لأهداف الحرب التي أعلنتها سابقا. رفضت إيران، رغم تعرّض قدراتها العسكرية لضربة هائلة، شروط ترامب للاستسلام وبذلك وضعت إدارة التحالف الأمريكي – الإسرائيلي أمام خيار التصعيد المفتوح، والذي يتضمن الغزو البري، والسيناريو الشديد التعقيد لعملية عسكرية للسيطرة على اليورانيوم المخصّب، وربما اللجوء، عند تعرّض الأمريكيين لخسائر كبرى، إلى احتمال استخدام السلاح النووي، والانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد.
تزيد التهديدات التي أطلقها ترامب في خطابه الأخير الأضرار العربية والعالمية من إغلاق مضيق هرمز، وهو ما دفع 36 دولة للاجتماع، أمس الخميس، في مبادرة دبلوماسية جماعية ترعاها بريطانيا وتهدف لممارسة ضغط سياسي منسق لإعادة فتح مضيق هرمز.
يؤشر رفض أمريكا حضور هذا الاجتماع إلى الاحتمال المتزايد لإنهاء واشنطن الحرب وترك آثارها الضخمة على كاهل دول المنطقة العربية والدول المستوردة للنفط والغاز، وعلى رأسها الصين واليابان وأوروبا، وقد عبّر ترامب عن ذلك صراحة بالطلب من الدول التي تحصل على النفط عبر مضيق هرمز بأن “تضمن بنفسها تأمين المرور عبر هذا المسار”، وهو تصريح يثير العجب من رئيس الدولة التي تسبّبت بهذه الأزمة العالمية.
لقد حشرت غطرسة ترامب، وخبث حليفه بنيامين نتنياهو، دول المنطقة والعالم في مضيق رمزيّ وسياسيّ سيترك آثاره الضارة لسنوات لاحقة، فلا بأس، بالنسبة للحليفين النوويين، أن يتضرّر العرب والعالم، ما دام الثمن هو “إعادة الإيرانيين إلى العصر الحجري”!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *