العراق بين نيران الصراع.. وتوازن إقليمي على حافة الانهيار


متابعة / المدى

يواجه العراق تصاعداً ملحوظاً في التوتر الأمني، على وقع الصراع الإقليمي المتفاقم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، ما وضع البلاد أمام تحدٍ متزايد للحفاظ على توازنها ومنع انزلاقها إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

ومنذ أواخر شباط الماضي، تزايدت وتيرة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تنفذها فصائل مسلحة انطلاقاً من الأراضي العراقية، مستهدفة مواقع ومصالح أميركية، بما في ذلك قواعد أجنبية ومناطق في شمال البلاد قرب أربيل وجنوباً في البصرة، فيما أعلنت بعض هذه الفصائل مسؤوليتها عن عدد من العمليات.

وفي هذا السياق، قال الباحث الأمني سيف رعد طالب، في حديث تابعته (المدى)، إن “استهداف المواقع المدنية والخدمية، ومنها مخازن الزيوت على طريق أربيل – الموصل التابعة لشركة استثمارية عراقية، عبر هجمات متسلسلة بطائرات مسيّرة متعددة، يحمل دلالات استراتيجية وأمنية تتجاوز الضرر المادي”، مبيناً أن الهدف يتمثل في “تعطيل سلاسل التوريد والإضرار بالنشاطات التجارية والزراعية والصناعية التي يعتمد عليها إقليم كردستان”.

وأفاد مصدر مسؤول داخل مجموعة “سردار” في أربيل، بأن حريقاً كبيراً اندلع في مخازن زيوت “كاسترول” البريطانية التابعة للمجموعة على طريق أربيل – الموصل، إثر استهداف بطائرة مسيّرة “مجهولة”، فيما أكدت الشركة في بيان أنها ليست طرفاً في النزاع، وأن نشاطها يقتصر على الجوانب الاستثمارية والخدمية، بما يشمل تجهيز زيوت السيارات والمعدات الزراعية والإنشائية.

وأضاف طالب أن هذه الهجمات تمثل “رسالة سياسية مباشرة” إلى الحكومتين الاتحادية والإقليمية، مفادها أن المناطق الآمنة لم تعد كذلك، وأن الاقتصاد المدني أصبح هدفاً، مشيراً إلى أن تكرار الضربات على الموقع ذاته يعكس توسيع نطاق الضغط إلى ما وراء الأهداف العسكرية، بما يربك عمل الحكومة ويؤثر على الاستقرار الاقتصادي.

وبيّن أن استهداف ما يُعرف بـ”الأهداف الناعمة” كالفنادق والشركات يأتي في إطار حرب غير متكافئة، تهدف إلى تحقيق تأثير نفسي واقتصادي بكلفة أقل، لافتاً إلى أن سقوط بعض الطائرات المسيّرة على مناطق سكنية قد يعود إلى أخطاء في الإحداثيات أو ضعف تقني، ما يؤدي إلى خسائر جانبية ويؤثر على صورة الجهات المنفذة.

وأشار أيضاً إلى أن هذه التطورات قد تعمّق التوتر بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وقد تدفع الإقليم إلى تعزيز قدراته الدفاعية خارج إطار الدولة، بما يطرح تحديات أمام النظام الفيدرالي.

في المقابل، جددت وزارة الخارجية العراقية تأكيدها أن العراق ليس طرفاً في النزاع ولا يرغب في أن يكون جزءاً منه، مشددة على التزام الحكومة بإبقائه خارج دائرة الصراع، رغم تأثره الكبير بتداعياته، ومحذرة من أن بعض الجهات أو الأفراد قد يتخذون إجراءات أحادية لا تمثل السياسة الرسمية.

بالتزامن، حذّرت السفارة الأميركية في بغداد من هجمات محتملة خلال الساعات المقبلة، ودعت رعاياها إلى مغادرة العراق، منتقدة في الوقت نفسه عدم قدرة الحكومة على منع هذه الهجمات، ومشيرة إلى أن بعض المنفذين قد يتحركون تحت غطاء رسمي.

سياسياً، قال النائب حسين الدراجي، في حديث تابعته (المدى)، إن “موقف الحكومة العراقية ضعيف جداً تجاه الضربات الأميركية والإسرائيلية”، داعياً إلى إعادة النظر في الاتفاقيات مع واشنطن، ومنع استخدام الأجواء والأراضي العراقية في أي عمليات عسكرية دون موافقة بغداد.

من جهته، أوضح الباحث في الشؤون الاستراتيجية كاظم ياور، في حديث تابعته (المدى)، أن مشكلة عدم السيطرة على السلاح ترتبط بطبيعة النظام السياسي، الذي سمح بوجود قوى تمتلك أجنحة مسلحة وتمارس العمل السياسي في الوقت ذاته، مشيراً إلى أن القوانين التي تمنع هذا التداخل لم تُطبق بشكل فعلي.

وفي السياق ذاته، أكد مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية رائد العزاوي، في حديث تابعته (المدى)، أن العراق بات في “قلب الصراع”، معتبراً أنه الطرف الأضعف، إذ يتعرض لضغوط وضربات من أطراف متعددة، رغم محاولات الحكومة النأي بالبلاد عن المواجهة.

وأضاف أن التصعيد الحالي سيؤثر على العلاقة مع الولايات المتحدة، في ظل استمرار استهداف المصالح الأميركية، كما أن طبيعة العلاقة مع إيران مرشحة للبقاء ضمن سياقها الحالي، ما لم تحدث تغييرات جذرية.

وتشير تقارير دولية، من بينها ما نشرته مجلة “فورين أفيرز”، إلى أن الحرب الجارية تهدد بتوسيع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، مع تداعيات كبيرة على العراق، الذي حاول خلال السنوات الماضية الحفاظ على توازن علاقاته مع مختلف الأطراف، إلا أن هذا التوازن بات مهدداً في ظل التصعيد الراهن.

وفي خضم هذه التطورات، تواصل الحكومة العراقية إصدار بيانات تدين الهجمات وتؤكد رفض المساس بسيادة البلاد، مع تشكيل لجان تحقيقية، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق العراق إلى مواجهة مفتوحة، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا المسار قد يضع البلاد أمام مرحلة أكثر تعقيداً على المستويين الأمني والسياسي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *