النويري يحذر من تدخلات خارجية في المؤسسات السيادية وصندوق الإعمار يرفض مخرجات مسار تونس الاقتصادي


طرابلس – «القدس العربي»: تتصاعد في ليبيا خلال الأيام الأخيرة ملامح خلاف سياسي واقتصادي جديد حول إدارة المؤسسات السيادية ومسارات الإصلاح الاقتصادي، بعدما حذر النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري مما وصفه بمحاولات تدخل خارجي في الملفات المالية والنقدية للدولة، في وقت أعلن فيه صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا الذي يديره بلقاسم حفتر رفضه الالتزام بمخرجات المسار الاقتصادي للحوار المهيكل المنعقد في تونس، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من تعميق الانقسام المؤسسي وإرباك جهود توحيد السياسات الاقتصادية في البلاد.
وقال النويري في بيان رسمي، إن الترتيبات المالية والنقدية وإدارة المؤسسات السيادية وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي، تمثل مسائل سيادية خالصة لا يجوز إخضاعها لأي إملاءات خارجية أو تدخلات غير رسمية. وأضاف أن أي تواصل غير منضبط بين ممثلي جهات أجنبية ومسؤولي المؤسسات السيادية خارج الأطر الدبلوماسية المعتمدة يعد انتهاكاً لمبدأ السيادة الوطنية وتقويضاً لقواعد الحوكمة المؤسسية.
وشدد البيان على أن دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يظل مقتصراً على المساندة الفنية وتسهيل الحوار بين الأطراف الليبية، محذراً من تحويل هذا الدور إلى آلية تأثير على القرارات السيادية أو إدارة المؤسسات المالية للدولة. واعتبر أن الزج بالمصرف المركزي في صراعات أو ضغوط سياسية من شأنه أن يهدد الاستقرار النقدي ويقوض الثقة في المؤسسات المالية الليبية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العاصمة التونسية مباحثات ضمن المسار الاقتصادي للحوار المهيكل، ترعاها الدبلوماسية الأمريكية ووزارة الخزانة الأمريكية، بهدف متابعة تنفيذ الاتفاقات الاقتصادية السابقة ومناقشة خطوات إنشاء ميزانية موحدة بين المؤسسات في شرق البلاد وغربها، إلى جانب بحث إصلاح منظومة الدعم وإعادة هيكلة الاقتصاد.
غير أن هذه المساعي اصطدمت بإعلان صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يقوده بلقاسم حفتر، رفضه الالتزام بمخرجات هذا المسار، مؤكداً أن القرارات الصادرة عنه ليست ملزمة للصندوق. وقال الصندوق في بيان، إن عضوي المسار الاقتصادي رفعت العبار وفاخر بوفرنة، لا يمثلان مناطق شرق ليبيا وجنوبها في القضايا التنموية والاقتصادية، معتبراً أن أي مخرجات تصدر عن هذا المسار لن تؤخذ بعين الاعتبار لعدم وجود تمثيل حقيقي للجهات المعنية.
وأكد الصندوق أنه يعمل وفق القوانين والتشريعات الصادرة عن مجلس النواب، وعلى رأسها القانون رقم واحد لسنة 2024 الخاص بإنشائه، إضافة إلى قانون تنظيم ميزانية التنمية الصادر عام 2025، مشيراً إلى أنه مستمر في تنفيذ خططه التنموية بعيداً عن أي تجاذبات سياسية قد تعيق تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس استمرار الخلاف حول إدارة الموارد المالية ومشاريع التنمية في البلاد، خاصة في ظل وجود مسارات اقتصادية متوازية بين الشرق والغرب. ويشير هؤلاء إلى أن رفض صندوق الإعمار الالتزام بمخرجات الحوار الاقتصادي قد يعقد جهود توحيد السياسات المالية ويعيد إنتاج الانقسام المؤسسي الذي تعانيه ليبيا منذ سنوات.
ويقول محللون اقتصاديون إن جوهر الأزمة يكمن في تضارب الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة، حيث تسعى بعض الجهات إلى إدارة مشاريع إنفاق وتنمية خارج الإطار المالي الموحد للدولة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع ظاهرة الإنفاق الموازي. ويضيف هؤلاء أن غياب آليات رقابة موحدة على الإنفاق العام قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الليبي ويقوض محاولات الإصلاح المالي.
ويربط مراقبون بين مواقف صندوق التنمية وإعادة الإعمار والجدل المتصاعد حول إدارة الأموال العامة، خاصة بعد تحذيرات سابقة من توسع الإنفاق خارج الموازنة الرسمية. ويشير بعض الخبراء إلى أن تحويل مشاريع التنمية إلى أدوات نفوذ سياسي قد يهدد مسار إعادة بناء الدولة ويضعف فرص التوافق على إدارة موحدة للموارد.
كما يرى مراقبون أن رفض صندوق الإعمار الانخراط في المسار الاقتصادي يعكس أيضاً صراعاً أوسع حول النفوذ السياسي والاقتصادي بين الأطراف المتنافسة في البلاد. ويؤكد هؤلاء أن استمرار هذا النهج قد يعرقل أي محاولات لإقرار ميزانية موحدة أو إصلاح منظومة الدعم، وهما ملفان يعتبران أساسيين لاستقرار الاقتصاد الليبي.
في المقابل، ترى أطراف سياسية أن المسار الاقتصادي للحوار المهيكل يمثل فرصة لإطلاق إصلاحات اقتصادية طال انتظارها، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة هيكلة الدعم وتحفيز القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل. وقد ناقش المشاركون في جلسات المسار الاقتصادي، التي عقدت في فبراير الماضي، مجموعة من القضايا المرتبطة بإصلاح الاقتصاد، بما في ذلك سبل حماية الفئات الضعيفة خلال عملية إصلاح منظومة الدعم.
وأكدت المناقشات أهمية تبني نهج تدريجي في إصلاح الدعم يراعي الاستقرار الاجتماعي ويعزز الشفافية في إدارة الموارد العامة، مع اتخاذ إجراءات للحد من التهريب والفساد. كما شدد المشاركون على ضرورة تطوير بيئة اقتصادية تسمح للقطاع الخاص بلعب دور أكبر في دفع النمو وخلق فرص العمل.
وقالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن الحوار الاقتصادي يهدف إلى صياغة توصيات عملية تساعد على معالجة التحديات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي، مؤكدة أن المسار الاقتصادي ليس هيئة لاتخاذ قرارات سياسية، بل منصة لتقديم مقترحات إصلاحية تدعم بناء مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن نجاح أي مسار اقتصادي في ليبيا يظل مرهوناً بوجود توافق سياسي حقيقي بين مختلف الأطراف، إذ إن استمرار الانقسام بين المؤسسات ووجود مراكز قرار متعددة قد يفرغ هذه المبادرات من مضمونها. ويؤكد هؤلاء أن توحيد إدارة الموارد المالية، وخاصة عائدات النفط والإنفاق العام، يعد شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار الاقتصادي.
ويحذر بعض الخبراء من أن استمرار الصراع حول إدارة المؤسسات الاقتصادية قد يفاقم الأزمات المعيشية التي يعانيها المواطنون، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات البطالة. ويشير هؤلاء إلى أن ليبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي، حيث يتطلب تجاوز الأزمة الحالية توافقاً سياسياً يضع مصلحة الدولة فوق حسابات النفوذ.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو الساحة الليبية مقبلة على مرحلة جديدة من التجاذب حول إدارة الاقتصاد والمؤسسات السيادية، خاصة مع استمرار المبادرات الدولية لدفع مسار الإصلاح الاقتصادي من جهة، وتمسك بعض القوى الداخلية بإدارة ملفات التنمية والإنفاق وفق ترتيبات منفصلة من جهة أخرى، وهو ما يجعل مستقبل التوافق الاقتصادي في البلاد رهناً بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز الانقسامات وبناء مؤسسات مالية موحدة قادرة على إدارة موارد الدولة بشكل شفاف ومتوازن.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *