مُقاربة تاريخية في تطور المصطلح


التفاعلية كمفهوم نقدي خاضع لقانون الجذب، ثم لقانون التطور؛ فالنصوص لا تُفهم بمعزل عن غيرها، بل بتفاعلها مع نصوص أخرى تُكملها وترتقي بها، ولأن الأفكار المُتشابهة تتقارب وتتلاحم تؤدي معنى قويا، بعد حدوث التفاعل نتيجة الجذب، تتطور المعاني كنتيجة حتمية خاضعة لمتغيرات الزمن.
يرجع مفهوم التفاعلية إلى أعمال الناقد والفيلسوف الروسي ميخائيل باختين صاحب نظرية المبدأ الحواري/ الحوارية، وهي مفهوم ضبابي يصعب تحديده في جملة واحدة، ذلك راجع أساسا إلى خصوبة وثراء أفكاره، ومرجعياته المتعددة، فقد نهل من معين دوسوسير وهو يُفرق بين اللغة والكلام -على سبيل المثال.
وقد أخذت جوليا كريستيفا مفهوم الحوارية وأعطته لمستها الخاصة تحت مسمى جديد هو، «التناص» الذي يقوم على تداخل النصوص؛ إذ لا يوجد نص بريء، فكل نص هو مجموعة من النصوص السابقة المتواشجة والمتداخلة مع النص الجديد. وتقتضي الضرورة الإحاطة بمفهوم الحوارية المبنية على تعدد الأصوات؛ والتناص القائم على تداخل النصوص من أجل إدراك كنههما وربطهما بالمفهوم المعاصر التفاعلية. ركز باختين في أعماله على النصوص متعددة الأصوات مثل، الرواية على خلاف النص الشعري المنغلق – أحادي الصوت، قائلا إن كل نص هو فضاء تتفاعل فيه الأصوات، كما أن كل نص هو استجابة لنصوص سابقة؛ فالمعنى ينتج من تداخلها. وقبل الخوض فيه، نُشير سريعا إلى أن مفهوم «تعدد الأصوات» قد سبق التطرق إليه من قبل هنري جيمس، الذي سماه «وجهة النظر»، حيث يرى أن الرواية تستطيع أن تُقدم منظورات مختلفة عن الواقعة نفسها، وإن كان بتقديم منظور واحد في المرة الواحدة. ومن المعاني المُجاورة لهذا المصطلح كذلك نجد «الرؤية السردية/الرؤية من زوايا مختلفة» لتزفيتان تودوروف، و»التبئير» لجيرار جينيت.
يُميز باختين بين خطابين؛ الأول هو الخطاب الأحادي الموجود في الخطابات التاريخية والعلمية، والآخر الخطاب الحواري – متعدد الأصوات- المتناسب مع الخطاب الروائي، وانبنى رفضه للخطاب الأول على أنه يقدم وجهة نظر واحدة تسعى لتأكيد أيديولوجيا واحدة، ما يتنافى مع الواقع الذي يكتظ بالهويات المختلفة والمتصارعة، وهو ما يجسده الخطاب الروائي الذي يعمل على تعرية الواقع.

يذهب باختين إلى القول إن: «الرواية جزء من ثقافة المجتمع، هذه الثقافة تشكلها خطابات الذاكرة الجماعية، كل واحد يحدد موقفه من تلك الخطابات»، فهي ساحة تتجاذب فيها الأصوات، وتتزاحم فيها الأيديولوجيات المُتراكمة والتي تظهر على سطح الشخصية البطلة التي تُعيد إنتاج هذه الذاكرة، فتُشكلها وتؤولها وفق رؤية الكاتب. وبالتالي، فإن كل كاتب سيتجه إلى زاويته الخاصة به، إذ يتخذ موقفا من خطابات الذاكرة الجماعية إما بقبولها أو برفضها، ويقدم قراءة بديلة تكشف ما تم تجاهله وإهماله، فتكون الرواية أداة فاعلة في مُساءلة الماضي وإعادة هيكلة الحاضر.
ينقل تزفيتان تودوروف عن باختين قوله: « كل كلمة تفوح برائحة مهنة، ونوع، واتجاه، وحزب، وعمل معين، وإنسان معين، وجيل، وعصر، ويوم، وساعة. كل كلمة تفوح برائحة السياق، والسياقات التي عاشت فيها حياتها الاجتماعية بحدة وكثافة، إن الكلمات والأشكال كلها مسكونة بالنيات. في الكلمة لا يمكن تجنب التوافقات السياسية للنوع، والاتجاه، والفرد».
تشربت جوليا كريستيفا مفاهيم باختين، ومن مفهومه الحوارية تبنت مصطلح «التناص» الذي يُراد به «تبادل نصوص مواقعها» فالنص بالنسبة لها هو «تحويل للنصوص أي أنه تناص. ففي فضاء نص ما تتقاطع جملة من الملفوظات المستمدة من نصوص أخرى، وترغم على الحياد».
انتقلت جوليا كريستيفا من حوار الشخصيات داخل النص الروائي إلى حوار النصوص في ما بينها؛ أي أن النص تحول من كونه وثيقة جامدة مغلقة إلى فضاء ديناميكي منفتح، يتفاعل فيه النص الخاص بالكاتب مع نصوص الآخرين.
يمكن القول أخيرا، إن وعي ميخائيل باختين بالتفاعل الداخلي للنص/تفاعل الأصوات داخل النص الواحد، ثم توسيع جوليا كريستيفا لفكرته، فيصبح التفاعل بين النصوص لا فقط داخل النص الواحد، قد مهد لمفهوم التفاعلية بشكله المُعاصر، فلم يعد التفاعل بين الأصوات، أو بين النصوص، بل أصبح يشمل القارئ/المتلقي.
فمن حوار داخل النص (الحوارية عند باختين/تفاعل داخلي بين الأصوات)، إلى حوار بين النصوص (التناص عند جوليا كريستيفا/تفاعل خارجي بين النصوص)، نصل إلى حوار مفتوح بين النص والقارئ، من خلال الوسيط الجديد (التفاعلية/ تفاعل شامل يشمل النصوص والقراء والوسيط). وبذلك، فالتفاعلية تجسيد للحوارية والتناص، إذ تطورت من تعدد الأصوات وتداخل الأيديولوجيات والأفكار إلى المُشاركة الفعلية والمُباشرة بفضل التواصل الحي والحقيقي؛ إذ أصبح المتلقي مشاركا نشيطا في ممارسة الخطاب.

أكاديمية جزائرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *