لماذا يعتقد قادة إيران أنهم ينتصرون رغم خسائرهم؟


لندن- “القدس العربي”:

نشرت مجلة “تايم” تقريرًا أعده كارل فيك وكي أرمين سيروي، أشارا فيه إلى الأسباب التي تجعل إيران تعتقد أنها رابحة.

وأضافا أن قادة إيران يعتقدون أنهم يحققون النصر في الحرب، ولهم مبررهم، كما يقول المحللون.

فبعد شهر من اندلاع صراع يشنه جيشان يفوقانها قوة بكثير، لم تنجُ الجمهورية الإسلامية فحسب، بل تبدو مستعدة لفرض شروطها على كيفية إنهاء الحرب.

ونقلت المجلة عن سعيد غولكار، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة تينيسي في تشاتانوغا، والخبير في شؤون الحرس الثوري الإسلامي: “نعم، استهدفت قواعد عسكرية وقتل العديد من القادة العسكريين، لكن من وجهة نظرهم، هم ينتصرون في الحرب، لقد تمكنوا من إجبار ترامب على العودة إلى طاولة المفاوضات”.

استهدفت قواعد عسكرية وقتل العديد من القادة العسكريين، لكن من وجهة نظر الإيرانيين، هم ينتصرون في الحرب، إذ تمكنوا من إجبار ترامب على العودة إلى طاولة المفاوضات

وتضيف المجلة أنه، وبعد أكثر من 16,000 غارة جوية شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يعد محور الحرب هو الجيش الإيراني المنهك، بل مصير الاقتصاد العالمي.

ويعتبر نظام طهران تأثيره على أسعار النفط العالمية دليلاً على صحة عقيدته في الحرب غير المتكافئة، التي لا تعتمد على الدبابات أو البوارج، بل على هجمات دقيقة تستهدف البنية التحتية الهشة لصناعة النفط في الشرق الأوسط.

إلى جانب إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لخمس النفط العالمي، ساهم النظام الإيراني أيضًا في تأجيج التضخم بإطلاقه آلاف الطائرات المسيرة المسلحة باتجاه محطات الغاز والقواعد ومصافي النفط في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقد دفع هذا الضغط الرئيس دونالد ترامب إلى رفع العقوبات المفروضة على النفط الإيراني بقيمة 15 مليار دولار، بعد أن كان قد علق بالفعل العقوبات النفطية المفروضة على روسيا، التي يقال إنها تزود إيران بالمعلومات الاستخباراتية والطائرات المسيرة.

وقد كتب داني سيترينوفيتش، الخبير السابق في شؤون إيران في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، في صحيفة “إسرائيل اليوم” بتاريخ 27 آذار/مارس: “بدلًا من إسقاط النظام، تعزز الحملة، في جوانب رئيسية عديدة، وجوده فعليًا”.

وقبل ذلك بيومين، صرح أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الخارجية البريطانية (أم آي 6)، لمجلة “إيكونوميست”: “الحقيقة هي أن الولايات المتحدة استهانت بالمهمة، وأعتقد أنه منذ حوالي أسبوعين فقدت زمام المبادرة لصالح إيران”.

ويقول غولكار إن ما يقلق الإيرانيين العاديين أكثر هو أن ترامب يسعى للسلام مع نظام أكثر تطرفًا وعدوانية مما كان عليه في بداية الحرب.

وأشارت المجلة إلى أن مضيق هرمز أصبح بمثابة السلاح السري لإيران، ففي حديثه للصحافيين في 26 آذار/مارس، قدم ترامب ملخصًا موجزًا لأسباب تهديد إيران، على مدى أكثر من 40 عامًا، بإغلاق مضيق هرمز في حال تعرضها لهجوم.

قال: “تكمن مشكلة المضائق في التالي: لنفترض أننا نقوم بعمل جيد، ولنفترض أننا حققنا نسبة نجاح 99%. نسبة 1% غير مقبولة، لأن 1% تعني صاروخًا يصيب سفينة تكلفتها مليار دولار، أليس كذلك؟”.

وكان هذا هو الحساب الذي اعتمدت عليه إيران تحديدًا لردع الهجمات منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين تضمنت حربها مع العراق “حرب الناقلات” عام 1987، التي استدعت سفنًا حربية أمريكية لمرافقة شحنات النفط الكويتية عبر الخليج العربي.

وفي السنوات اللاحقة، أعلنت إيران جهارًا وبشكل متواصل أن إغلاق المضيق هو حجر الزاوية في دفاعها، واستثمرت في كل شيء من الغواصات الصغيرة إلى الألغام إلى أسراب الزوارق الصغيرة، لضمان قدرتها على فعل ما تفعله الآن. ولماذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة؟

ترامب توقع أن تكون حربه قصيرة وناجحة، وبخاصة عقب العملية الناجحة التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية قبل شهرين للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

وتساءلت المجلة عن أثر اغتيال القيادات، وإن جاءت بنتائج عكسية، مشيرة إلى أن ترامب توقع أن تكون حربه قصيرة وناجحة، وبخاصة عقب العملية الناجحة التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية قبل شهرين للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتسليم السلطة لنائبته ديلسي رودريغيز، التي أبقت النظام الحاكم الفاسد في السلطة.

ولكن عندما أسفرت الموجة الأولى من الغارات الجوية عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، لم ينهَر نظامه، بل تماسك.

ويقول غولكار: “عندما أطيح بمادورو، حاول كل فرد إنقاذ نفسه، أما في إيران فالنظام يقوم على أيديولوجيا”.

وأشارت المجلة إلى أن الشهادة تحتل مكانة بارزة في الفكر الشيعي، وبخاصة بعد مقتل حفيد النبي محمد، الحسين بن علي، في كربلاء. وقد ظل الحرس الثوري في إيران بمثابة بوتقة الفكر الثوري الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية، والقوة التي تستند إليها.

ويقول المحللون إنه يسيطر الآن على البلاد، بعد أن نصب مجتبى بن خامنئي مرشدًا أعلى، والذي ربما كان دوره رمزيًا في المقام الأول.

ونقلت “تايم” عن صحافي في داخل إيران قوله إن النظام أصبح “الآن ومن الناحية العملية نظامًا عسكريًا”، وأضاف: “ما هو قائم الآن، في ظل ظروف الحرب هذه، ليس سوى واجهة للنظام القديم، ومجتبى خامنئي مجرد غطاء. في إيران اليوم، يحكم الحرس الثوري الإيراني وحده من القمة”.

ما هو قائم الآن، في ظل ظروف الحرب هذه، ليس سوى واجهة للنظام القديم، ومجتبى خامنئي مجرد غطاء. في إيران اليوم، يحكم الحرس الثوري الإيراني وحده من القمة

وقد رفض ترامب هذا الخيار أيضًا، لأسباب خاصة به: “لم أخض هذه التجربة لأحصل على خامنئي آخر. أريد أن أشارك في عملية الاختيار”، حيث قال لمجلة “تايم” في مقابلة بتاريخ 4 آذار/مارس.

وفي مقابلة مع موقع “أكسيوس” في اليوم التالي، قال إنه يرغب في أن تكون مشاركته في اختيار الزعيم الإيراني القادم “مثل مشاركة ديلسي في فنزويلا”.

وتعلق المجلة أن هذا بات مستبعدًا في ظل توحد صفوف الحرس الثوري، حيث لاحظ المراقبون تركز السلطة في أيدي عناصره الأكثر تطرفًا.

وبعد اغتيال علي لاريجاني، المسؤول الذي عينه خامنئي في منصبه، وهو من الموالين للنظام وله خبرة طويلة في الشؤون الخارجية، في غارة جوية إسرائيلية، تولى محمد ذو القدر رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو جنرال في الحرس الثوري وصفه صحافي إيراني في جلسات خاصة بأنه “فاشي”.

ويقول المحللون إن الشخصية الأقوى في إيران تبدو وكأنها قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.

ويتساءل آخرون عما إذا كان للمفاوضات أي مستقبل، في ظل قيود أيديولوجية. ففي الدائرة المقربة من خامنئي، كان ينظر إلى لاريجاني على أنه الشخص الوحيد الذي يمكن الوثوق به للحفاظ على القضية الثورية، وفي الوقت نفسه كان لديه فهم كاف للعالم خارج إيران، ليدرك متى يجب الاستماع إلى نصائح الواقعيين العمليين الذين يبدو الآن أنهم مهمشون أو قتلوا في غارات جوية إسرائيلية.

وقال محمد خاتمي، رجل الدين الإصلاحي الذي انتخب رئيسًا مرتين، في بيان صدر في 18 آذار/مارس: “من المثير للدهشة أن أولئك القادرين والمتشوقين لتحقيق سلام مشرف، إن وجد سبيل لتحقيقه، يتعرضون لهجمات وحشية واغتيالات”.

وتشير المجلة إلى أن مفاوضي ترامب قد اختاروا، من عدد من القيادات المتاحة والمتناقصة، رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، ليكون وسيطهم. وقاليباف هو جنرال سابق في الحرس الثوري الإيراني.

ويعلق غولكار قائلًا: “هذه هي الفكرة الأساسية من محاولة التواصل مع قاليباف. لا شك في فساده، ولا شك في أن الحرس الثوري الإيراني يجني أموالًا طائلة من خلال الاقتصاد غير الرسمي والجريمة المنظمة. لكننا غالبًا ما ننسى أن الحرس الثوري يفعل كل هذا بدافع أيديولوجي، فهم يعتقدون أن هذا من حقهم، وهم عالقون في هذه الشبكة الأيديولوجية، لذا فإن تحركاتهم محدودة للغاية، وعلى عكس السياسيين الفنزويليين، فهم غير قادرين على اتخاذ القرار بناء على مصالحهم الخاصة”.

وحتى لو مضت المفاوضات لإنهاء الحرب قدمًا، فقد يستمر القتال، وقد هدد الحرس الثوري الإيراني بأن يقوم حلفاؤه الحوثيون، الذين أطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل في 28 آذار/مارس، بإغلاق الممر الملاحي الدولي في مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن.

كما نشر الحرس قائمة بمنشآت الطاقة في منطقة الخليج العربي، متعهدًا باستهدافها إذا نفذ ترامب تهديده بقصف محطات الطاقة الإيرانية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *