الناصرة- “القدس العربي”:
يؤكد حجاي إلعاد، المدير العام السابق لمنظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية المناهضة للاحتلال، أن هناك استراتيجية واضحة خلف المذابح التي تشهدها الضفة الغربية المحتلة، يختزلها بكلمة واحدة: “دير ياسين”، أي ترهيب الفلسطينيين طمعًا بتهجيرهم، ولو بالتدريج، لتصبح البلاد كلها لليهود.
في مقال موسع، يزعم إلعاد أنه، باختصار وبكل المقاييس تقريبًا، يبدو الانتصار الصهيوني على الفلسطينيين شبه كامل: “القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية بأيدينا، وكذلك السيطرة على الأرض والمياه وسائر الموارد الطبيعية. في كل أنحاء البلاد، اليهود أقوى وأغنى من الفلسطينيين بفارق كبير. لقد انتصرنا. يبقى عامل واحد لم يُحسم: الديموغرافيا”.
إلعاد: حتى اليوم، لا يزال نصف من يعيشون هنا، بين البحر والنهر، فلسطينيين. هذا هو الجانب الوحيد الذي لم تنتهِ فيه المواجهة بهزيمتهم بل بتكافؤ عددي: لا في القوة، ولا في الحقوق، ولا في الأرض، ولا في الاقتصاد
ويمضي في وصف الواقع المختلف عما تتمناه الحركة الصهيونية: “لم تتكرر نتائج عام 1948 في عام 1967. لذلك لم نعد إلى نقطة البداية التي كانت فيها الحركة الصهيونية قبل أكثر من قرن، حين كان اليهود أقلية صغيرة، لكننا وجدنا أنفسنا أمام تعادل ديموغرافي. حتى اليوم، لا يزال نصف من يعيشون هنا، بين البحر والنهر، فلسطينيين. هذا هو الجانب الوحيد الذي لم تنتهِ فيه المواجهة بهزيمتهم بل بتكافؤ عددي: لا في القوة، ولا في الحقوق، ولا في الأرض، ولا في الاقتصاد. تكافؤ في العدد فقط، وهذا ما يضعنا في مأزق”.
قلق عميق
ويرى إلعاد أن هذا التناقض، بين واقع صيغ بحيث يكون لنا كل شيء ولهم لا شيء، وبين حقيقة أننا وهم متساوون عددًا، يثير قلقًا عميقًا: “جزء كبير من سياساتنا ومن استخدامنا لأدوات القوة، الحكومة ووزاراتها، الجيش، المحاكم، وسلطات التخطيط والتشريع، يتمحور حول هذه الفجوة، وحول ما يمكن فعله حيالها”.
ويرى أنه يمكن سد هذه الفجوة عبر إعادة توزيع القوة السياسية بين جميع سكان البلاد، بكل ما يترتب على ذلك، أي السماح للتكافؤ العددي بأن يترجم نفسه سياسيًا، والعيش في واقع ثنائي القومية، وهو واقع قائم أصلًا، من دون إنكاره، ومن دون الاستمرار في فرض تفوق قومي لطرف على آخر.
بيد أن إلعاد يدرك طبعًا أن هذا غير وارد بالنسبة للإسرائيليين، الآن على الأقل: “غير أن الإكثار من الكلام عن هذا الخيار لا جدوى منه، إذ لا يكاد يحظى بأي تأييد، كما أنه لم يكن يومًا، عمليًا، من نهج الصهيونية على امتداد أكثر من قرن”.
في المقابل، يشير بلهجة لا تخلو من السخرية إلى ما تسعى له الصهيونية وتحلم به من هذه الناحية: “يمكن سد الفجوة أيضًا عبر الترانسفير والتطهير العرقي. بهذه الطريقة تستكمل السيطرة الديموغرافية باقي عناصر القوة: يكون كل شيء بأيدينا، كما هو الحال اليوم، لكن مع فارق واحد، أن نكون نحن جميع السكان. وهكذا نتخلص أيضًا من عبء الأبارتهايد الذي، رغم أننا لا ندفع ثمنًا دوليًا يذكر مقابله، لا يزال يخلّف قدرًا من الحرج”.
ويضيف: “منذ سنوات طويلة، دأب الصهاينة الليبراليون على تصوير معضلة إسرائيل وكأنها تفرض الاختيار بين دولة “يهودية وديموقراطية” في جزء من البلاد، وبين دولة ثنائية القومية في كامل أرض إسرائيل”. وبهذا الطرح تُمحى الإمكانية الثالثة، التطهير العرقي، سواء بوصفها جزءًا من التاريخ الصهيوني، كما تجلت في نكبة عام 1948، أو بوصفها خيارًا قائمًا في الحاضر والمستقبل.
ويوضح أنه من هنا يُستشهد كثيرًا بقول دافيد بن غوريون في الكنيست في أبريل/ نيسان 1949: “عندما طُرحت مسألة وحدة البلاد بلا دولة يهودية، أو دولة يهودية بلا وحدة البلاد، اخترنا دولة يهودية بلا وحدة البلاد”.
ويضيف في هذا المضمار: “لكن الحقيقة أن بن غوريون، في الخطاب نفسه، في مقطع نادرًا ما يُقتبس، رسم حدودًا أخرى للبلاد حين تحدث صراحة عن مسألة مختلفة: دير ياسين. فقد قال رئيس الوزراء ووزير الدفاع آنذاك: “إن دولة يهودية في كل البلاد بلا دير ياسين لا يمكن أن تقوم إلا في ظل دكتاتورية أقلية”.
شرح بن غوريون أن التطهير العرقي لا يكون فعالًا من دون مجازر على شاكلة دير ياسين. وقال لمنتقديه في الكنيست إن الجمع بين “وحدة البلاد” و”دولة يهودية” يتطلب مزيدًا من هذه الأفعال، أي تنفيذ “دير ياسين في كل البلاد”
بكلمات مقتضبة، شرح بن غوريون أن التطهير العرقي لا يكون فعالًا من دون مجازر على شاكلة دير ياسين. وقال لمنتقديه في الكنيست إن الجمع بين “وحدة البلاد” و”دولة يهودية” يتطلب مزيدًا من هذه الأفعال، أي تنفيذ “دير ياسين في كل البلاد” من أجل تهجير السكان الفلسطينيين من أجزاء متزايدة من أرض إسرائيل.
ويقتبس إلعاد المزيد مما قاله بن غوريون: “إن إقامة دولة يهودية في الواقع القائم، في كل البلاد من دون دير ياسين، أمر غير ممكن إذا كانت ديموقراطية، لأن عدد العرب يفوق عدد اليهود”.
الديموغرافيا ترسم الحدود؟
ويستنتج إلعاد هنا أن حدود إسرائيل ليست مسألة عسكرية أو سياسية فحسب، بل هي قبل كل شيء مسألة ديموغرافية، فهي بعد عام 1949 كانت بحجم المساحة التي أمكن فيها تنفيذ “دير ياسين” وجني نتائجها.
لكن تحولات الصراع أنتجت واقعًا مغايرًا، كما يقول إلعاد: “بالفعل، بعد تلك الحرب، وداخل حدود الخط الأخضر، أُنشئت دولة تكون فيها السيطرة كاملة، بما في ذلك الأغلبية الديموغرافية. أما بعد عام 1967، فقد تحققت “وحدة البلاد”، وإن ترافق ذلك مع تهجير نحو ربع مليون فلسطيني، لكن من دون نكبة ثانية. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام واقع بقي فيه “العرب في “غرب أرض إسرائيل” بعدد مساوٍ لعدد اليهود”.
الهروب إلى الأمام
وعن هرب إسرائيل إلى الأمام في ظل الوضع الراهن، يقول إلعاد إنه رغم كل ما يملأ المشهد من تشتيت، يدرك كثيرون في العمق أن أيا من التحركات الإقليمية العنيفة التي تدفع بها إسرائيل في السنوات الأخيرة، من جولات الصراع مع إيران، إلى العمليات المتكررة في جنوب لبنان، وصولًا إلى إقامة مناطق عازلة في جنوب سوريا، لن يعالج المسألة الجوهرية التي تحدث عنها بن غوريون قبل 77 عامًا.
ويضيف في هذا المضمار: “بالمثل، فإن المسارات الدبلوماسية الإقليمية، مثل “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، أو حتى سلام محتمل مع السعودية، لن تغيّر الميزان الديموغرافي في هذه البلاد. لا الحروب ولا الاتفاقات كفيلة بأن تدفع فلسطينيًا واحدًا إلى مغادرة وطنه”.
في المقابل، ينبه إلى أن الحروب قد تكون، بالفعل، اللحظة التي “يُتاح” فيها التهجير: هكذا جرى عام 1948، وبدرجة أقل عام 1967. وفي ظل الحرب الدائرة خلال العامين والنصف الماضيين، تعود إسرائيل إلى الخيار المعروف: الخيار الذي أُثبتت فعاليته في الماضي ولم يُسحب يومًا من الطاولة، دير ياسين”.
تهجير بالتدريج
ويؤكد إلعاد، الناشط في البلاد والعالم ضد الاحتلال، أن هذا هو المنطق الذي يقف خلف أعمال العنف المتكررة ضد الفلسطينيين في مناطق “ج”، حيث يتطلب الدفع نحو التطهير العرقي، كما قال بن غوريون، قدرًا من العنف المميت.
وهو المنطق ذاته الذي يفسر تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، وتدمير قطاع غزة مع دفع سكانه إلى النزوح من مساحات واسعة منه. لافتًا إلى أن الذرائع تختلف وتتباين الأحجام والوتيرة، لكن الإطار واحد: ما تسمح به الظروف في كل مرحلة.
ويضيف: “في هذه المرحلة، لا يجري تقليص عدد الفلسطينيين بقدر ما يجري اقتلاعهم من أماكنهم وتجميعهم في مساحات أضيق. نوع من التطهير الداخلي، إن جاز التعبير، يترافق مع توسيع السيطرة على الأرض عبر تدمير مجتمعات وبلدات كاملة. والرهان واضح: أن السكان الذين جرى اقتلاعهم مرة أو أكثر، بعد تدمير بيوتهم ومصادر رزقهم، سيغدون أكثر عرضة لتهجير أوسع حين تتوفر الظروف”.
وأوضح أن هذه ليست مفاضلة بين نموذجين سياسيين، ولا جدلًا نظريًا حول شكل الدولة، بل إن المسألة، في جوهرها، تتعلق بكيفية إدارة معضلة ديموغرافية لم تُحسم، ضمن طيف يمتد بين نظام فصل وتمييز وخيار التهجير. وكلما جرى الدفع نحو الخيار الثاني، تضاءلت الحساسيات المرتبطة بالأول.
ويخلص إلعاد إلى القول إن هذه هي الحياة في ظل دير ياسين: تاريخ منكر لكنه حاضر، وواقعة يعرفها الجميع، لكنها ما تزال مطمورة في الأرشيف. مكان مُحي اسمه، لكنه قائم في الجغرافيا، في القدس، بين أحياء قائمة.
ويتابع: “هذا هو “الاستثناء” الذي أُشير إليه في البداية، إلى جانب المسألة الديموغرافية: السردية. حقيقة أننا لم نأتِ إلى “أرض خالية”، والذاكرة التاريخية لكون هذه البلاد أيضًا وطنًا لشعب آخر، واستيعاب العنف وسفك الدماء والمجازر التي ارتكبها آباؤنا، ونرتكبها نحن، ونورّثها لأبنائنا، كي يتمكنوا هم من العيش في “دير ياسين في كل البلاد”.