«ديجا فو»… هل تترجم على لبنان؟


عدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الثلاثاء 17 مارس/اذار الجاري، تصريحات وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف “غير مقبولة” بعدما هدّد بأنّ يلقى لبنان مصير غزة. في 5 مارس الجاري، هدد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله اللبناني بالدمار نفسه، الذي ألحقته إسرائيل بغزة منذ بداية الحرب ضد حركة حماس الفلسطينية.
سيناريو إسقاط نموذج القطاع على الضاحية بدأ يتوسع على مناطق مختلفة من لبنان، وأي شخص يتابع الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في الأيام الأخيرة “قد ينتابه شعور بأنه مرّ بتلك التطورات من قبل (ديجا فو)”. ومصطلح “Deja vu” هو تعبير فرنسي يعني حرفيا “شوهد من قبل” أو “حدث من قبل”، فهل لبنان سيكون غزة ثانية؟
ليست المرة الأولى التي تتطابق فيها الأحداث التي تحصل في فلسطين المحتلة مع التطورات الميدانية على أرض لبنان، إذ مع الاجتياح الإسرائيلي على لبنان عام 1982، ومع وصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، سقطت العاصمة اللبنانية بيد المحتل، واعتبرت يومها العاصمة الثانية العربية التي تسقط على يدّ الإسرائيلي بعد القدس. لا نقاش في إن أسلوب الحرب التي تتّبعها إسرائيل اليوم على لبنان، مختلفة عن تلك التي اتّبعتها منذ سنة وأربعة أشهر، أي الحرب التي بات اللبناني يطلق عليها اسم حرب الـ”66 يوما”، فالحرب الماضية، شهدت اغتيالات واسعة لجميع القادة العسكريين في “حزب الله” من الصف الأول والثاني وحتى الثالث، حيث كان واضحا التفوق التقني والتكنولوجي الإسرائيلي على حزب الله، ما جعل الحرب تذهب لصالح إسرائيل، وما دفع الثنائي (حزب الله وحركة أمل)، إلى التوقيع مرغماً على اتفاقية لم يطلّع اللبناني عليها، ولم تعرف تفاصيلها إلى اليوم. رغم الدمار الهائل، الذي قدّرت كلفة إعماره بمليارات الدولارات، وارتفاع أعداد الشهداء والجرحى على المستويين الحزبي والمدني، لكنّ الحرب السابقة كانت “عقابية”، أي معاقبة الحزب على إسناده لغزة، وفي الوقت نفسه إعطاء فرصة للطبقة السياسية اللبنانية بتطبيق اتفاقية 1701 على مستوى الانتشار الميداني واستلام السلطة في جنوب الليطاني وشماله، مع حصرية السلاح بيد الشرعية.
انسحبت إسرائيل في الحرب الماضية، ولكنّها حافظت على وجود عسكري، في ما بات يعرف بالنقاط الخمس، التي تمركّزت بها لأهميتها الاستراتيجية من جهة، ولجعلها ورقة تفاوضية إضافية لممارسة المزيد من الضغط على القرار السياسي في لبنان، لفرض التسوية وربما دفع لبنان إلى السلام. أما اليوم، فعلى ما يبدو، الأهداف تغيّرت، وسيناريو الحرب تبّدل عن ما كان عليه، فهو أشبه بما قامت به إسرائيل في حربها على غزة. الناظر إلى الإنذارات، التي أرسلها ولم يزل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، يدرك تماماً أن اللعبة مختلفة هذه المرة، بل يدرك أيضا أنها مستنسخة عن تلك الإنذارات التي كانت تدفع سكان مناطق واسعة من القطاع للتوجه شمالا وجنوبا وشرقا، لدرجة أن الصورة النمطية التي لم تفارق أذهاننا، كلما أتينا على ذكر القطاع، تلك التي تصور الناس في عمليات ترحيل قسري حاملين ما يلزم من فرش وأكياس في نزوحهم إلى مناطق أكثر أمناً. هذه المشهدية “الترحيلية”، حاضرة اليوم، ومختلفة عن سابقاتها في لبنان، إذ في الحرب الماضية، حصلت مرة واحدة بعد إعلان إسرائيل الحرب. أما اليوم فهي صورة متكررة تشمل تهجيرا مستمرا من مناطق متخلفة من جنوب الليطاني، إلى شمال نهر الزهراني، إلى الضاحية بكل مناطقها، وصولا إلى مناطق واسعة من البقاع. هذه الصورة تتزامن مع قصف تدميري كبير يترافق مع التحضيرات لعملية اجتياح بري، وفق تقارير إسرائيلية تحدد نقطة الوصول إلى جنوب الليطاني، لكن في الواقع فالميدان هو من سيقرر نقطة الوصول، فربما تصل إلى بيروت مرة ثانية لفرض شرطين بالقوة، سحب السلاح والتوقيع على اتفاق سلام.
“Déjà vu” هي العبارة التي يرددها كل لبنان على تلك الأحداث وتطوراتها، وما تحمله من سيناريوهات طبقتها إسرائيل على القطاع، الأمر الذي رفع نسبة القلق عند اللبنانيين، أن لا تكون الضاحية الجنوبية فقط غزة ثانية، بل لبنان كله، خصوصا مع انتقال الجيش الإسرائيلي إلى المرحلة الثانية التي لم تكن حاضرة في حرب الـ66 يوما، وهي التعمد في تقطيع أوصال المناطق وعزلها، من خلال ضرب الجسور وحتى العبارات الداخلية. هذه المرحلة تعدّ الأخطر في مسار الحرب ليس من أجل عرقلة تحركات عناصر الحزب، لكنّ لأنّها تدخل في سياسة فرض حصار على المناطق، على الرغم من أن هناك قراراً أمريكياً بعدم استهداف المطار، لكن الاستعداد الإسرائيلي لفرض حصار بحري على لبنان يبقى السيناريو الأخطر، الذي قد يدخل عنصرا إضافيا على لبنان وهو مشهدية “المجاعة”.
أمام هذه الصور التي يراها اللبناني تتكررّ أمام عينيه، والتي تشعره وكأنه قد رآها سابقاً في غزة، يبقى التساؤل الرئيسي، هل ستسابق الحركة الدبلوماسية صوت القذائف، وتفرض واقع وقف تدحرج الحرب على لبنان؟ أم إن للميدان كلمته كما قال نعيم قاسم أمين عام الحزب، في الوقت الذي يخوض الحزب معركة وجود بالنسبة إليه، ولبنان أمام تحدي ما قبل غزة؟

٭ كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *