أحد الشعانين: أبعد من العربدة الإسرائيلية


حتى مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال والمسيحي ــ الصهيوني المتطرف المتواطئ حتى النخاع مع السياسات الإسرائيلية العنصرية والإبادية، لم يجد مخرجاً يتيح له ابتلاع قرار سلطات الاحتلال بمنع بطريرك اللاتين في القدس المحتلة الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا وثلاثة كهنة آخرين من دخول كنيسة القيامة لإقامة المراسم الخاصة المعتادة في مناسبة أحد الشعانين.
“تجاوز مؤسف يصعب تبريره”، كتب هاكابي في تدوينة على منصة X، هو الذي لم يجد أي صعوبة في منح الاحتلال الحق في بسط جغرافية “إسرائيل الكبرى” على امتداد مساحة الشرق الأوسط ومن نهر النيل إلى نهر الفرات. وهو أيضاً الذي لم يجد حرجاً، سياسياً أو أخلاقياً أو تاريخياً أو حتى عقلياً، في تكرار القول بأنه “لا يوجد شيء اسمه فلسطيني”، وأن دولة فلسطين يمكن أن تقام في الأردن أو سيناء أو في أي مكان من الأر اضي العربية والإسلامية وليس في “إسرائيل الواحدة الصغيرة”.
خطوة هاكابي لم تكن غريبة بالنظر إلى ردود الأفعال الدولية الواسعة المستنكرة لعربدة سلطات الاحتلال، والتي كان مثالها الأبكر تصريح مكتب الكاردينال، في اعتبار الواقعة “سابقة خطيرة، واستهانة بمشاعر مليارات البشر المتطلعين إلى القدس على امتداد العالم، في هذا الأسبوع”. وأوضحت الكنيسة أنها التزمت بتعليمات شرطة الاحتلال كافة، و”تعاملت معها بمسؤولية منذ اندلاع الحرب، والتزمت بكل التقييدات: أُلغيت التجمعات العمومية، وتمّ حظر المشاركة، واتُخذت ترتيبات لنقل الاحتفالات على الهواء إلى مئات الملايين من المؤمنين في أرجاء العالم”.
وهكذا توجب على السفير الأمريكي أن يقتدي بسلطات الاحتلال فينخرط بنفسه في مساعي إصلاح الضرر، التي ابتدأت من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو شخصياً، وسارعته إلى إصدار الأوامر بتمكين الكاردينال وصحبه من الدخول إلى الكنيسة من دون قيد أو شرط. وإذ وعد مكتب نتنياهو بصياغة اتفاق جديد يضمن السماح لـ”القادة المسيحيين” من دخول الكنيسة، فإنه لم يفوّت فرصة اتهام صواريخ إيران بالتسبب في فرض التقييدات على المقدسات المسيحية، حفاظاً على أمن المؤمنين و”ليس لأي قصد كيدي أياً كان”.
لكن تاريخ العلاقة بين دولة الاحتلال والكنائس المسيحية على اختلافها، ليس في القدس المحتلة أو بيت لحم أو الناصرة أو سواها فقط، بل في سائر فلسطين، يسجّل أمثلة قصوى على أنساق شتى من الانتهاك والاستهتار والتدنيس والتخريب، وهو النهج الذي تعتمده السلطات الإسرائيلية لدى زيارة رؤساء دول أو ممثلي جهات أممية ودولية اعتبارية مختلفة.
ولعل الأقرب إلى الذاكرة الحديثة واقعة تحطيم أبواب كنيسة القديس يوحنا المعمدانية ونهب محتوياتها وتشويه أيقونة السيدة العذراء، وسرقة لآلئ ثمينة من تاج العذراء في كنيسة القديس جورج، واقتحام كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس وذبح رئيسها الأرشمندريت فيليمينوس، ولم تسلم كنيسة القيامة ذاتها من غزوة استيطانية أسفرت عن نهب مجوهرات ثمينة.
وذاك نهج ضارب الجذور وإيديولوجي الطابع، يذهب أبعد من العربدة والعبث والتنكيل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *