ترميم الزمن


حين أفكر في طفولتي وصباي في دلتا النيل، أو في تجارب لاحقة اختبرتها في حضن الطبيعة؛ على مقربة من أنهار ونباتات هنا وهناك، أو في صحراء زرتها ذات يوم في المكسيك، أو شبه الجزيرة العربية، أو على قمة جبل في النمسا أو الصين، تأتيني الذكريات مُطرَّزة بعبق الأزمنة والأمكنة، ومغموسة في مذاقاتها وألوانها وأجوائها المتنوعة والثرية. يشعرني هذا بأن الماضي كيان مُجسَّد يمكن لمسه وتذوقه وتنشق عطره، والزمن ليس مفهوما مراوغا نقبض عليه فقط عبر اختلاف الليل والنهار وتعاقب الفصول وآثاره على أجسادنا وما يحيط بنا. في المقابل، كلما استدعيت طرفا من ساعات طويلة قضيتها أعمل في مواجهة شاشة حاسوبي، لا أجد سوى لحظات هلامية متشابهة ومكرورة يغدو معها الواقع ضبابيا وفائضا عن الحاجة.
هذا الأمر لا يخصني وحدي، بقدر ما يعبر عن نمطَي حياة متباينين؛ الأول قائم على الانغراس في الأرض، والتفاعل المباشر مع جغرافيتها وطوبوغرافيتها، والثاني قوامه الانخراط في عالم التقنية الحديثة والانفصال نسبيا أو كليا عن العالم الحقيقي. ومن التقابل بين هذين النمطين ينبثق سؤال ملح حول نظرة الأجيال الأحدث إلى العالم، تلك الأجيال التي تفتح وعيها في ظل ثورة الاتصالات، ولم تعرف شيئا عن الحياة قبل الإنترنت والهواتف المحمولة. ما يهمني هنا أن التقنية ليست تفصيلا عابرا ولا مجرد أداة نستخدمها من دون تأثر بها، فهي تصوغ طريقة إدراكنا للعالم وتُشكِّل نظرتنا لذواتنا وعلاقتنا بالزمن والمكان. فكيف تُدرِك أجيال تشكَّلت ذاكرتها في ضوء شاشات العالم؟ وأي عالم هذا الذي يُدرَك بلا احتكاك، ويُختبَر بلا جذور؟
وإذا مددنا خيط هذا التصور إلى المستقبل، تبرز أسئلة أكثر إلحاحا: أي ذكريات قد يحملها هؤلاء لاحقا عن بيئتهم الطبيعية؟ هل ستخلو ذكرياتهم من عبق الزمن ونكهاته؟ وهل ستتشابه لحظاتهم المستعادة؟ والأهم، هل ستعوض مزايا الواقع الافتراضي والتقدم التكنولوجي ما فقدوه نتيجة غياب التجذر في الأرض عن حياتهم؟

للإجابة عن مثل هذه التساؤلات، يمكن الاستعانة برؤية الفيلسوف والمُنظِّر الثقافي الألماني من أصل كوري بيونج تشول هان في كتابه «عبق الزمن.. مقال فلسفي حول فن البقاء» (منشورات أما بعد، ترجمة: شريف الصيفي)، الخاصة بأن التكنولوجيا الحديثة تزيل الإنسان من على الأرض؛ تحمله في الطائرات وسفن الفضاء بعيدا عن تأثير الجاذبية الأرضية. ويخفي الإنترنت والبريد الإلكتروني الجغرافيا، وربما الأرض نفسها لافتقادهما للحيز المكاني. فما مدى تأثير هذا على البشر؟ وكيف يسعهم مقاومة أضراره؟
يتبنى هان وجهة نظر مفادها أن التكنولوجيا الحديثة تدمر حياة الإنسان، لكن الأهم من رؤيته المتشائمة هذه أنه يُشرِّح لحظة تقنية شائكة ومربكة، ولا يحصر تشريحه في الجانب الأنطولوجي وحده، بل يتناول البعد النفسي لتغول التقنية في كل تفاصيل حياتنا لدرجة يتشوه معها إدراكنا للزمن والواقع.
لا تكمن معضلة الزمن ـ وفقا لبيونج تشول هان – في التسارع، فقد مضى عصر التسارع، وما نعاني منه حاليا وندفع ثمنه من أعصابنا وأرواحنا ونصنفه في خانة التسارع هو أحد أعراض تشتت الزمن وتفتته، حيث نجد أنفسنا في مواجهة زمن فقد بنيته واستحال إلى مجموعة نقاط متفرقة ومنفصلة وسطحية. ما يؤدي في النهاية إلى فقدان المعنى، بل وافتقار الحياة إلى أن تكون مدمجة في كيان كلي.

ولعل أبرز ما ينجح فيه هان أنه يسحب كل قارئ إلى زمنه الداخلي الخاص؛ فيسعى بينما يقرأ إلى تفحصه والتبصر فيه. ويطرح على نفسه أسئلة عن معنى أن نعيش في زمن مفتت، زمن يندفع كالانهيار الجليدي، ووقت يجري على غير هدى ويتشتت كيفما اتفق في كل اتجاه.
فإذا كان بيونج تشول هان يلتقي مع بوذية الزن، في انتقاد السرعة وتقدير السكون والتأمل، فإنه يطمح إلى ترميم بنية الزمن واستعادة الإيقاع والسرد والمعنى كي نعيش ونختبر زمنا أعمق، في حين ترى بوذية الزن أن الزمن كما نفهمه وهم، وبالتالي هي تتجاوز فكرة الزمن نفسها. خلال قراءة «عبق الزمن» فكرت أيضا في رؤية ثقافية آسيوية ذات صلة، وإن كانت أوهى، ببعض أفكاره، وأقصد بها أسلوب الحياة الياباني المعروف بـ»يوتوري». وتعني هذه المفردة: الرحابة، مساحة لالتقاط الأنفاس، فسحة، أو هامش. أما نمط العيش المبني عليها فيقوم على تأسيس فضاء عاطفي وذهني وزمني للتمهل والعيش بلا عجلة، في خضم إيقاع حياة مُهلِك يسرق منا فرصة تأمل ما نمر به، ويحرمنا من التواصل العميق مع العالم المحيط بنا. بعبارة أخرى، يسعنا قول، إن «يوتوري» تهمس لنا أن نعيش بروية، وأن نرتشف رحيق الحياة بتريث.
لكن على العكس من روحانية بوذية الزن، التي ترى الإنسان جزءا من تدفق الوجود، وفلسفة بيونج تشول هان الساعية إلى ترميم بنية الزمن المتشظي واستعادة علاقة الإنسان به بعد أن تقطعت أواصرها، لا تنشغل «يوتوري» بالتفكر في طبيعة الزمن ولا تتعمق في معضلات فلسفية، مكتفية باقتطاع مساحة براح للذات داخل عجلة الزمن اللاهثة من أجل العيش على نحو أفضل، وهذا متوافق مع طابعها العملي الهادف إلى تقليل التوتر والضغوط وتحسين جودة الحياة. لكنها تتماس مع فِكر هان في تقديره للحياة التأملية وإعلائه من شأن التمهل، فبالعودة إلى سؤال: كيف يمكن مقاومة مخاطر سيطرة التقنية على عصرنا؟ يتمثل الحل عند الفيلسوف الألماني في إعادة بناء الزمن الداخلي العميق وفي التأمل والقدرة على السكون، «فالأشياء لا تكشف عن جمالها، وجوهرها العَطِر إلّا في التأمل وكذلك في ضبط النفس النسكي»، وفقدان القدرة التأملية هو المسؤول عن انحطاط الإنسان وتحوله إلى حيوان عامل.
لا يهمل صاحب «معاناة إيروس» البعد الصوفي للتأمل، فهو عنده سكنى مع الله في انتباه محبة.

ويربط بين التريث التأملي وبين الرفق والود، إذ يعتبره ممارسة لهما، كما أنه يمنح الوقت ويوسِّع الوجود، فالحياة تكتسب «الزمان والمكان والديمومة والاتساع عندما تستعيد قدرتها التأملية. إن إقصاء كل عنصر تأملي من الحياة سيفضي في نهاية المطاف إلى فرط مميت في النشاط، وعندئذ يختنق الإنسان في أفعاله، ومن الضروري أن نعيد تنشيط الحياة التأملية؛ لأن هذا يفتح المجال للتنفس». غير أن هذا لا يعني إلغاء الحياة النشيطة لصالح الحياة التأملية، فالمطلوب هو التوازن بينهما لأن الأخيرة من دون عمل عمياء، والأولى من دون تأمل فارغة.
قد يبدو هذا الطرح، للوهلة الأولى، ضربا من الترف الفكري أو الحذلقة الفلسفية منبتة الصلة بتحديات الواقع وأزماته، لكن الأمر بعيد عن هذا، فما يطرحه بيونج تشول هان في «عبق الزمن» وثيق الصلة بلحظتنا الراهنة؛ لحظة تقدم تقني فائق تفاقم اغترابنا عن محيطنا وتضع المسافات بيننا وبينه وتشوِّش رؤيتنا لذواتنا وللعالم من حولنا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *