تفكيك الصورة وبناء الوعي الروائي


منذ صفحاته الأولى وحتى خلاصته الختامية، يبدو الكتاب، عملاً يختبر قدرة الرواية العربية على إنتاج صورة معرفية، لا جمالية فحسب، للمرأة بوصفها كائناً فاعلاً في التاريخ، لا مجرّد ظلّ ينعكس على جدار السرد. فالكتاب لا يعاين نماذج نسوية داخل نصوص محددة فقط، بل يعيد فحص منظومة اجتماعية وثقافية ممتدة بين مطلع القرن العشرين والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، متتبّعا التحولات التي أصابت الوعي العربي كلما تقدّمت المرأة خطوة نحو التعليم، أو العمل، أو إنتاج المعرفة، أو محاولة امتلاك ذاتها وفضائها الجسدي والروحي.
لا يُخفي الكتاب انحيازه إلى القراءة التي تضع المعرفة والوعي التاريخي في صلب تشكّل صورة المرأة المثقفة، لكنه، في الوقت نفسه، يُبقي مسافة نقدية بينه وبين النصوص، سواء كتبها رجال أو نساء، محاولاً أن يكتشف كيف صاغ كل منهما نموذج المثقفة، وكيف تشابكت هذه الصورة مرةً مع التحرر، ومرةً مع القمع، ومرةً مع الاستغلال، ومرةً مع التواطؤ الاجتماعي الذي يواصل إنتاج الهرمية الجندرية بصيغتها الأكثر رسوخاً.

المثقفة بوصفها ظاهرة تاريخية وليس مجرد شخصية روائية
يؤسس الكتاب مادته النقدية عبر تعريف منهجي لجملة من الخصائص التي تشترك فيها شخصيات المثقفات في الرواية العربية، وهي سمات مستخلصة من عشرات النماذج الروائية، ومن أبرزها: إقبال نهم على المعرفة، غالبا بدوافع تتراوح بين رغبة فردية في الارتقاء، أو بفعل انتماء طبقي مديني يدعم التعليم. انتقال من الريف إلى المدينة، حيث ينفتح الفضاء الاجتماعي، وتضعف سلطة العائلة والعشيرة، ويتاح للمرأة أن تتحرك في المجال العام. العمل باعتباره شرطا بنيويا لوجود المرأة المثقفة ودليلا على استقلاليتها، وتخلخل البنية التقليدية، التي تحصر دور المرأة داخل المنزل. الفردية وعي ذاتي شديد، وقدرة على اتخاذ القرار، وتصورات واضحة لمعنى الحرية ولطبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه المرأة في المجتمع. نزوع إلى الخروج على السائد، سواء في السلوك، أو القيم أو الطموح، وفي أحيان كثيرة يرافقه وعي سياسي أو التزام أيديولوجي واضح.
هذه السمات، كما يلاحظ الكتاب، لا تظهر في الروايات بوصفها تفاصيل سردية معزولة، بل تتجاور وتتكامل لتشكل ما يشبه «البنية العميقة» لصورة المثقفة في الرواية العربية. ومن خلال هذه البنية تُعاد قراءة تاريخ المرأة العربية وكل ما واجهته من مقاومة اجتماعية، ومن محاولات لإخضاعها أو تدجينها.

الفارق بين كتابة الرجل والمرأة – السرد بين التواطؤ والتحرر
ينتهي الكتاب إلى نتيجة شديدة الأهمية: الروايات التي يكتبها الرجال تميل غالبا إلى تكريس رؤية تُبقي المثقفة ناقصة الحرية، خاضعة بشكل غير مباشر لسلطة المجتمع أو الرجل، حتى حين تبدو متمردة. ففي كثير من النصوص الروائية المكتوبة بأقلام رجال، يظهر أن المثقفة لا تصل إلى ذاتها إلا عبر رجل يفتح لها أبواب الثقافة أو يقودها نحو الوعي، ثم يعود هذا الرجل في نهاية المطاف ليسلبها استقلالها ويعيدها إلى موقعها الأدنى في الهرم الاجتماعي. وهنا يتوقف الكتاب عند واحدة من أكثر التمثيلات خطورة: «تلازم العقل السليم للجسد المدنس». فثمن المعرفة لدى البطلة، كما تظهره كثير من الروايات، هو سقوط رمزي أو فعلي في دائرة المدنس، وكأن المجتمع، عبر الروائي، يعاقب المرأة لأنها اقتربت من الحقل المعرفي الذي ظل حكرا على الرجل لقرون طويلة. أما الرواية التي تكتبها المرأة، فإنها، حسب الكتاب، تستعيد صورة المثقفة بوصفها ذاتاً مكتملة، لا تحتاج وصاية معرفية، ولا موافقة اجتماعية. فالبطلة هنا تتحرك داخل سرد يلتقط تفاصيل حياتها اليومية، ويكشف عن علاقاتها، وخياراتها، وأزماتها، بوعي نقدي دقيق، وبخطاب يعلن استقلالها كفكرة وككينونة في آن معاً.

جذور التمثيل.. أثر الدين والأسطورة والذاكرة الشعبية
يعود الكتاب إلى الخلفيات الأسطورية والدينية التي شكّلت النظرة العربية التقليدية إلى المرأة، وبرز ذلك في مراجعة المقولات التوراتية والإسلامية حول أصل المرأة، مثل أسطورة «الضلع الأعوج»، التي تضع المرأة في مرتبة الخلل البنيوي، أو تجعل وجودها تابعا لوجود الرجل. هذه الخلفية، كما يرى التحليل، لم تبق حبيسة النصوص الدينية، بل تسربت إلى المخيال الاجتماعي العام، وإلى الأدب، وإلى الصور المتخيلة للمرأة داخل الرواية. ومع أن الرواية العربية المعاصرة تقاوم كثيرا من هذه الموروثات، إلا أنها في أحيان كثيرة تعيد إنتاجها بطريقة رمزية، خصوصا حين تكون بطلة الرواية مثقفة تسعى إلى انتزاع اعتراف المجتمع بها.

الفضاء المكاني.. الريف والمدينة كطبقتين متصارعتين
تُفرد القراءة مساحة مهمة لتفسير التحولات التي تطرأ على وعي المرأة حين تنتقل من الريف إلى المدينة. ففي الريف تتغلب سلطة العائلة، وتحكم العادات، ويصبح خروج المرأة على النظام الاجتماعي ضرباً من المستحيل. أما المدينة فهي فضاء يسمح بالتحول، ويتيح الاختلاط، ويخفف الرقابة الجمعية، ويفتح أبواب التعليم والعمل. هذا التحول المكاني ينعكس بقوة على السرد الروائي: فحياة البطلات تتغير بمجرد دخول المدينة، ويبدأ الوعي بالتشكل، سواء كان وعيا معرفيا، أو وعيا بالجسد أو وعيا بالحقوق السياسية.

الجسد من كونه موضوعا للرقابة إلى كونه أداة للمعرفة
يعالج الكتاب تصوّر الجسد بوصفه واحدا من أعقد المشكلات التي تواجه المرأة المثقفة. ويعرض، مثلاً، تجربة روائيات مثل صباح صبح، التي تكتب الجسد باعتباره ذاكرةً موازية للتاريخ، وباعتباره وسيلة لمعرفة الذات والعودة إلى الأصل، مقابل مجتمع يصرّ على اعتباره مجالا للعيب والخطيئة. ويُظهر التحليل أيضا تنوع المقاربات: فبعض الروايات تدمج الجسد في سياق التجربة الوجودية للبطلة، فيما روايات أخرى تكشف تشوهات المجتمع من خلال العلاقة المتوترة بين الجسد والسلطة الذكورية.
المثقفة والسياسة.. من الالتزام الأيديولوجي إلى النقد الوجودي
يتتبع الكتاب نماذج متعددة من المثقفات اللواتي ينخرطن في العمل السياسي المباشر، سواء عبر اليسار أو القوميين أو الحركات الطلابية، وتبرز هنا نماذج مثل «شهلا» في رواية «وردة» لصنع الله إبراهيم، التي تتشكل أفكارها عبر الماركسية والعمل الحزبي والتجربة الثورية في جبال عُمان. هذه النماذج لا تكتفي بأن يكن مثقفات يقرأن الكتب ويكتفين بوعي نظري، بل ينشطن في المجال العام، ويواجهن السلطة، ويشاركن في كتابة تاريخ موازٍ لتاريخ المجتمع. غير أن هذه المشاركة كثيرا ما تنتهي إلى قمع، أو موت، أو انكسار، كما تظهر روايات تُنهي مصير بطلاتها نهاية مأساوية، خصوصا حين تجتمع السياسة مع امتلاك الجسد، أو حين تخترق المرأة مجالاً يظل المجتمع يراه حكرا على الرجال.

المثقفة.. شاهدة وناقدة
في بعض الروايات، كما يشير الكتاب، تتحول المثقفة إلى شاهدة على عصرها، ومراقبة دقيقة لطبقات المجتمع، كما يحدث مع الصحافية «زينب» في رواية «تماس» لعروسية النّاتولي، التي تكتب وتناقش وتتابع الأحداث السياسية الكبرى، وتخوض نقاشات حادة، وتعيد تفكيك بيئتها الاجتماعية عبر الكتابة. هذه الكتابة ليست هواية، بل فعل مقاومة، وإعادة صياغة للعالم من زاوية النساء، اللواتي طالما جرى تهميش روايتهن للتاريخ.
ماذا يعني أن تكون المرأة مثقفة؟
في فصل الخلاصة، يعرض الكتاب مجموعة من الأسئلة التي تلخص روح المشروع كله، وهي أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بقدر ما تحاول تحديد موقع المثقفة في النص وفي المجتمع:
كيف ظهرت صورة المثقفة في الرواية العربية؟
كيف عبّرت هذه الروايات عن موقف المجتمع من المرأة المثقفة؟
ما حدود وعي المرأة المثقفة بذاتها؟
كيف أثّر جنس الكاتب على تشكيل الصورة الروائية للمرأة؟
وما علاقة التحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي بتطور هذه الصورة؟
هذه الأسئلة تُظهر أن الكتاب لا يحصر اهتمامه في المقارنة بين الرجال والنساء فقط، بل يوسع نطاق الرؤية ليشمل علاقة المثقفة بالسلطة، وبالمجتمع، وبالجسد، وبالتعليم، وبالمدينة، وبالتاريخ كله.
الاستنتاجات.. نحو وعي جديد بصورة المثقفة
تجمع الخلاصة النهائية للكتاب سلسلة من الاستنتاجات العميقة، يمكن تلخيص أبرزها على النحو الآتي: الرواية العربية، رغم انفتاحها، لا تزال تعاني من رواسب الثقافة الذكورية، التي تجعل طريق المرأة إلى المعرفة محفوفا بالعقاب، أو الخطيئة الرمزية، أو التبعية للرجل. الروايات التي تكتبها نساء أكثر قدرة على تمثيل المثقفة كذات مستقلة، قادرة على فهم العالم وصياغته، وتقديم رؤية نقدية للمجتمع، وللموروث، وللسلطة. صورة المثقفة في الرواية العربية ترتبط أساسا بالمدينة والتعليم والعمل، وهي شروط موضوعية لا يتكوّن وعي المرأة خارجها، ولا يمكن للمجتمع أن يتغير في غيابها. الجسد يمثل ميدان الصراع الأهم، وبه يُقاس مدى تقدم المجتمع أو تراجعه، وبه تُختبر قدرة الرواية على تفكيك» التابوات»، أو إعادة إنتاجها. المثقفة السياسية نموذج أساسي، لكنه محفوف بالخطر، وغالبا ما تنتهي تجاربها تحت وطأة القمع، أو العنف أو الخيبة التاريخية، مما يعكس عمق الأزمة السياسية العربية.
التجربة الروائية العربية، بين 1950 و2015، تكشف تطورا ملحوظا في الوعي بالمرأة، لكنها تكشف أيضا فجوات وانقطاعات، تدل على أن هذا الوعي ما زال هشّا ولم يتحول بعد إلى بنية اجتماعية مستقرة.

إعادة مركزية المرأة المثقفة في السرد العربي
تظهر أهمية الكتاب في كونه لا يقرأ الروايات قراءة مضمونية فحسب، بل يعيد ربطها بالسياقين التاريخي والاجتماعي اللذين أفرزاها. إنه يقدّم نموذجا نقديا يوازن بين التجريد النظري والدقة النصية، بين التحليل السوسيولوجي وفحص البنية السردية. وهو قبل ذلك يطرح فكرة مركزية: لا يمكن فهم تطور المجتمع العربي من دون فهم موقع المرأة المثقفة داخله، ومن دون تفكيك الصور التي أنتجتها الرواية عنها، لأنها صور تشكل جزءا من الوعي الجماعي أكثر مما نعتقد.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *