الجزائر و”تابو الدين الخارجي”.. تغيير في النهج أم تعديل براغماتي؟


باريس- “القدس العربي”:

تحت عنوان: لماذا تأخذ الجزائر حريتها مع “تابو” (محظور) الدَّين الخارجي؟.. توقفت مجلة “جون أفريك” الفرنسية عند عودة الجزائر إلى الاقتراض الذي كانت ترفضه سابقًا، وذلك من أجل تمويل بنيتها التحتية التي تعتبرها استراتيجية وتقليل اعتمادها على النفط.. فهل هو تغيير في النهج أم مجرد تعديل براغماتي؟، تتساءل المجلة الفرنسية المختصة في الشؤون الإفريقية.

وكتبت “جون أفريك” أن مدينة المنيعة الواقعة في قلب الصحراء، مرشحة لتصبح قطبًا زراعيًا مهمًا بفضل احتياطاتها الكبيرة من المياه الجوفية، حيث يحتوي باطن أرضها على احتياطات هائلة من المياه العذبة، قادرة على ري ما يصل آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، بحسب بيانات المديرية الجزائرية للخدمات الفلاحية. ولتسهيل نقل الإنتاج، تعمل السلطات على إنشاء خط سكة حديدية، هو أول مقطع من المحور الحديدي المستقبلي الجزائر–تمنراست، في أقصى جنوب أكبر دولة في إفريقيا.

هذا المشروع سيُموَّل جزئيًا عبر قرض من البنك الإفريقي للتنمية يتجاوز 3 مليارات دولار، وهو من أكبر القروض التي يمنحها البنك، ويمثل في الوقت نفسه تحولًا مهمًا في سياسة الجزائر التي كانت تعتبر الاستدانة الخارجية مساسًا بالسيادة الوطنية.. مع العلم أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سبقه له وأن وصف اللجوء إلى الديون الخارجية بأنه “عار” و“خيانة”، وبأنه “يحدّ من استقلال القرار السياسي”، تُذكِّر “جون أفريك”، مُشيرةً إلى أنّ الجزائر تُعد الجزائر من أقل الدول مديونية في العالم، بفضل احتياطاتها الكبيرة من المحروقات، حيث لم تتجاوز ديونها الخارجية %11  من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام  2024.

 نقلت المجلة عن الباحث محمد لوصيف، أن “نفور الجزائر من الدين الخارجي يعود إلى صدمة أواخر الثمانينيات والتسعينيات، التي تركت أثرًا عميقًا في صناع القرار والرأي العام”، حين مولت الجزائر عملية تصنيع واسعة اعتمادًا على عائدات النفط وكذلك عبر الاقتراض المكثف، لكن انهيار أسعار النفط عام 1986 أدى إلى أزمة اقتصادية كبيرة، ثم اضطرت البلاد، في عام 1994، إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي، الذي فرض برنامج إصلاحات قاسية شملت خفض قيمة الدينار، التقشف، والخصخصة، تزامنًا مع فترة “العشرية السوداء”، ما خلّف آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة.

ومع ارتفاع أسعار النفط في العقد الأول من الألفية، تمكنت الجزائر من تكوين احتياطات كبيرة من العملة الصعبة، وسددت ديونها. ومنذ ذلك الحين، وبفضل عائدات المحروقات، ابتعدت الجزائر عن الاقتراض الخارجي، واعتمدت سياسة “صفر دين خارجي”، حفاظًا على استقلالها المالي والسياسي.

وكان الرئيس تبون يرى أن الدين الخارجي سيقيد حرية الجزائر الدبلوماسية، قائلاً: “إذا اتجهنا إلى الاستدانة، فلن نتمكن من الحديث عن فلسطين ولا عن الصحراء الغربية”، أي أن ذلك سيجبر الجزائر على “الاصطفاف والصمت” بشأن القضايا الدولية.

كيف يمكن تفسير التحول؟

رداً على هذا السؤال، أكد خبراء أن ما يحدث اليوم لا يمثل قطيعة كاملة مع هذا النهج، بل هو تعديل براغماتي، خاصة أن القروض الحالية تأتي من مؤسسات تنموية (البنك الإفريقي للتنمية ليس صندوق النقد الدولي) لا تفرض شروطًا سياسية صارمة مثل صندوق النقد الدولي.

وليس هذا أول تعامل للجزائر مع البنك الإفريقي للتنمية، إذ حصلت عام 2016  على قرض يفوق 900 مليون دولار لدعم التنافسية الصناعية والطاقوية. كما أنها تعد من كبار المساهمين في البنك، رغم أنها ليست من أكبر المستفيدين مقارنة بدول مثل المغرب، بحسب المجلة.

وأوضحت “جون أفريك” أن تراجع عائدات النفط وارتفاع حاجيات الاستثمار دفعا الجزائر إلى إعادة النظر في سياستها، حيث ما تزال المحروقات تمثل النسبة الأكبر من صادراتها وإيراداتها. كما أن مشاريع كبرى، مثل خط السكك الحديدية نحو الجنوب، تتطلب استثمارات ضخمة لا يمكن تمويلها محليًا فقط.

تسعى الجزائر أيضا وفق مصادر المجلة الفرنسية إلى تنويع شركائها الماليين عبر الانخراط في مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد التابع لدول الـ “بريكس”، في إطار توجه نحو بدائل تمويلية أقل ارتباطًا بالمؤسسات الغربية.

ففي 2025، أعلنت البنك الإسلامي للتنمية عن اتفاق قرض بقيمة 3 مليارات دولار، قبل أن يتم التراجع عنه وتوضيح أنه مجرد عرض. ويرى الخبراء أن الجزائر ستحتاج إلى مزيد من القروض، خاصة أن مشروع خط السكك الحديدية بين الجزائر وتمنراست وحده يتطلب استثمارات تتراوح بين 17 و20 مليار دولار.

وأوضحت “جون أفريك” أن هذا التحول يعود أساسًا إلى الواقع الاقتصادي، حيث أن تقلب عائدات النفط وارتفاع احتياجات الاستثمار يفرضان هذا الخيار. فالمحروقات تمثل %90  من الصادرات و%60  من إيرادات الدولة و %30  من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تراجع أسعار النفط، انخفضت احتياطات النقد الأجنبي بشكل ملحوظ.

تهدف الجزائر من خلال هذا التوجه إلى تمويل بنى تحتية استراتيجية تساعدها على تقليل اعتمادها على النفط. وقد شهدت الصادرات خارج قطاع المحروقات تحسنًا ملحوظًا، حيث تضاعفت ثلاث مرات منذ 2017  لتصل إلى 5.1 مليار دولار في 2023.

كما اتخذت البلاد إجراءات لجذب الاستثمار الأجنبي، من بينها قانون استثمار جديد يمنح إعفاءات ضريبية وتسهيلات إدارية. وقد تم تسجيل آلاف المشاريع الاستثمارية خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة ملحوظة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ويرى الخبراء أن لجوء الجزائر إلى الاقتراض الخارجي يندرج ضمن ما يُعرف بـ“الدين المنتج”، الذي يهدف إلى تمويل مشاريع تنموية طويلة الأمد، مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في تحقيق استقلال اقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، رغم أن هذا المسار قد يستغرق سنوات طويلة لتحقيق نتائجه. وقد تم تخفيف بعض القيود على المستثمرين الأجانب، رغم استمرارها في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والدفاع.

ومع ذلك – تضيف “جون أفريك”- ما تزال هناك تحديات، مثل البيروقراطية والنظام المصرفي ، تحتاج إلى إصلاح. فإذا نجحت هذه الإصلاحات، قد تتمكن الجزائر من تحويل مواردها إلى مزايا تنافسية حقيقية.

وفي حين أن عملية التنمية قد تستغرق عقودًا، فإن بعض المناطق بدأت بالفعل تشهد تحسنًا، مثل مشاريع السكك الحديدية في الجنوب، التي من شأنها أن تعزز النشاط الاقتصادي وتفتح آفاقًا جديدة للسكان، تختتم “جون أفريك”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *