الرباط- “القدس العربي”:
أثارت دعوة “المركز السينمائي المغربي” صناع الفن السابع في المغرب إلى اكتشاف منظومة صناعة الألعاب الإلكترونية، وفرص الاستفادة من صناعة ألعاب الفيديو، وكذا استكشاف أشكال جديدة من التعاون بين هاتين الصناعتين الإبداعيتين، موجة من الجدل المتباين، بين مرحب بالفكرة ورافض لها، على اعتبار أن الصناعة السينمائية المحلية ما تزال تتلمس طريقها نحو الاستقرار، ولم تتحول بعد إلى صناعة حقيقية ذات مقومات تنافسية دولية.
وربط المركز هذه الدعوة بتنظيم تظاهرة معرض المغرب للألعاب الإلكترونية 2026، التي ستقام بالرباط من 20 إلى 24 أيار/مايو المقبل. وأوضح، في بيان له، أن صناعة ألعاب الفيديو توفر اليوم العديد من جسور التكامل مع السينما.
ويعد المعرض المذكور الأكبر من نوعه في أفريقيا والشرق الأوسط، إذ يهدف إلى تعزيز مكانة المغرب كمنصة دولية في صناعة الألعاب. وقد نظمت نسخته الأولى سنة 2024، وشكلت انطلاقة قوية لهذا الحدث، حيث ركزت على إدراج المغرب ضمن خريطة صناعة الألعاب العالمية. أما النسخة الثانية، التي أقيمت سنة 2025، فقد شهدت توسعا ملحوظا من حيث عدد الشركات الدولية المشاركة وعدد الزوار، مع التركيز على الابتكار وتطوير الألعاب محليا، في حين يتوقع أن تكون النسخة الثالثة هذا العام الأضخم، بالنظر إلى النمو السريع الذي يشهده القطاع في المغرب حاليا.
غير أن السؤال الذي يطرحه عدد من الفاعلين في القطاع السينمائي هو: هل سيعود نجاح معرض الألعاب الإلكترونية بالنفع على الفن السابع المحلي؟ كما أبدى بعضهم استغرابهم مما ورد في بيان المركز بشأن كون هذه الصناعة تفتح آفاقا جديدة تتعلق بإنشاء عوالم تفاعلية، واقتباس الأعمال السمعية البصرية إلى ألعاب فيديو، إضافة إلى تطوير محتويات تفاعلية غامرة، متسائلين: هل توجد أعمال محلية مؤهلة للتحول إلى ألعاب، كما هو الحال في هوليوود التي تتوفر على صناعة سينمائية متطورة؟
وظل اهتمام وزارة الشباب والثقافة والتواصل بالألعاب الإلكترونية محل انتقاد من طرف عدد من المثقفين والفنانين وعموم الرأي العام، الذين اعتبروا أن هذا التوجه يأتي على حساب قطاعات أساسية، مثل المسرح والسينما والفنون التشكيلية والكتاب. وزاد بيان “المركز السينمائي” من حدة هذا الجدل.
وبالنسبة إلى المؤسسة الوصية على الفن السابع في المغرب، فإن هذا التوجه يرتكز على فكرة أن السينما والألعاب الإلكترونية تشتركان في العديد من العناصر الإبداعية، من أبرزها السرد القصصي وبناء الشخصيات والإخراج الفني، فضلا عن الاعتماد المتزايد على تقنيات متقدمة، مثل التحريك ثلاثي الأبعاد وتقنية التقاط الحركة.
ومن هذا المنطلق، يرى “المركز السينمائي” أن هذه القواسم المشتركة يمكن أن تفتح الباب أمام إنتاج أعمال هجينة تمزج بين المشاهدة والتفاعل، وتتيح للجمهور خوض تجارب غامرة تتجاوز النمط التقليدي لتلقي العمل السينمائي. كما يراهن هذا التوجه على إمكانية تحويل الأفلام إلى ألعاب فيديو، أو تطوير مشاريع رقمية مستوحاة من التراث والثقافة المغربية، بما يعزز حضورها في السوق العالمية.
غير أن هذا التوجه نال انتقادات داخل الأوساط الفنية، حيث اعتبر بعض المهنيين أن الحديث عن الاستثمار في صناعة الألعاب يأتي في وقت ما تزال فيه السينما المغربية تعاني من إكراهات بنيوية، تتعلق أساسا بضعف التمويل، وقلة قاعات العرض، وهشاشة الأوضاع الاجتماعية للفنانين. وفي هذا الإطار، برزت أصوات تنتقد ما وصفته بترتيب غير متوازن للأولويات، متسائلة عما إذا كان من الأجدر أولا معالجة اختلالات القطاع التقليدي قبل التوجه نحو مجالات جديدة.
كما يشمل هذا النقاش جدلا أوسع بسبب ما يوصف بـ “تهميش الفنانين”، خاصة الرواد، الذين لم يجدوا لهم مكانا في المجال التقليدي، فكيف لهم أن يجدوا موطئ قدم في صناعة رقمية لا تقوم بالضرورة على الأقدمية أو المسار الفني؟ في هذا الصدد، تداولت منابر إعلامية عدة مؤخرا تصريحات لفنانين انتقدوا فيها ما اعتبروه إقصاء غير مبرر لفنانين راكموا تجربة طويلة وأسهموا في بناء المشهد الفني. ويرى منتقدون أن الانفتاح على مجالات رقمية حديثة يجب ألا يتم على حساب العدالة المهنية داخل القطاع، بل ينبغي أن يكون جزءا من رؤية شمولية تضمن إدماج مختلف الأجيال.
وامتدت الانتقادات إلى الجوانب التقنية والمؤسساتية، حيث شدد البعض على ضرورة عدم إغفال تحديات أساسية، من بينها الحاجة إلى تدريب متخصص في مجالات تصميم الألعاب والبرمجة والرسوم الرقمية، فضلا عن توفير بنية تحتية تكنولوجية متطورة، واستثمارات مالية قادرة على دعم مشاريع من هذا النوع. كما يتطلب نجاح هذا التحول تعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين، من صناع السينما إلى مطوري الألعاب والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص.
ولم يخل الجدل من توجيه اللوم إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، إذ اعتبر بعض المتابعين أن دعوة “المركز السينمائي المغربي” ليست سوى انعكاس لرؤية رسمية أوسع، أثارت تساؤلات مشروعة حول أولويات الإصلاح، وسبل تحقيق التوازن بين التحديث التكنولوجي والحفاظ على تماسك القطاع الفني وضمان إنصاف مختلف مكوناته.