القاهرة- “القدس العربي”:
واصل الجنيه المصري خسائره أمام الدولار، بسبب تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أثرت على حصيلة مصر من العملة الصعبة، مع انخفاض معدل المرور في قناة السويس، والخسائر التي مني بها القطاع السياحي، اللذين يمثلان مصدران رئيسيان لتوفير العملة الصعبة.
وارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري بنسبة 1.5% خلال تعاملات اليوم الاثنين، لتتجاوز العملة الأمريكية حاجز 53.63 جنيها في البنوك المصرية للمرة الأولى على الإطلاق.
وشهد الدولار موجة من الارتفاع مقابل الجنيه منذ بداية الحرب في إيران وزيادة وتيرة تخارج الأموال الساخنة من السوق الثانوية للدين الحكومي المصري، وبلغ خسارة الجنيه المصري منذ بدء الحرب، حوالي 15 بالمئة من قيمته.
مستقبل العملة المحلية
توقعت مؤسسة ستاندرد آند بورز غلوبال إنتيليجنس التابعة لوكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز، أن يواصل الدولار الصعود أمام الجنيه المصري ليصل إلى 61.8 جنيه في يونيو/حزيران 2028.
وخفضت المؤسسة توقعاتها لنمو اقتصاد مصر خلال العام المالي الحالي 0.1% ليسجل 4.7%، كما خفضتها أيضًا للعام المالي المقبل 0.5% ليصل إلى 4.2%، إلا أنها توقعت معاودة النمو بمعدل 5% في العام المالي 2027-2028.
وقالت إن مصر بصفتها من كبار مستوردي النفط في الأسواق الناشئة، تعد من بين أكبر المتأثرين بالحرب الإيرانية.
ورجحت أن يسجل التضخم 13.7% في المتوسط خلال العام المالي الحالي على أن يرتفع إلى 15.8% في العام التالي، ثم يتراجع إلى 10.5% في العام المالي 2028 و8.8% بالعام 2029.
3 خسائر
أعباء جسيمة يتحملها الاقتصاد المصري بحسب تقرير حديث للبنك الدولي حول حصيلة الخسائر المباشرة والأعباء غير المسبوقة التي تتحملها مصر جراء هذه الحرب.
وقال البنك إن الأعباء التي تتحملها مصر نتيجة الحرب الإيرانية، تتلخص في 3 خسائر رئيسية: خسارة مباشرة في إيرادات قناة السويس، وخسارة في قطاع الطاقة بسبب توقف الغاز الإسرائيلي، وعبء تنموي هائل جراء استضافة اللاجئين.
ولفت التقرير إلى أن قناة السويس، هي الممر المائي الحيوي الذي يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، ومصدرًا بالغ الأهمية للعملة الصعبة في مصر، معتبرا أنها الآن في قلب العاصفة.
ولفت البنك الدولي إلى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال آخر لقاء جمعه ومجموعة البنك عن تكبد بلاده خسائر تراكمية، تقدر بنحو 10 مليارات دولار من عائدات القناة، بسبب الحرب في غزة وتداعياتها على الملاحة في البحر الأحمر.
وذكر البنك أن هذه الخسارة الفادحة لم تأتِ من فراغ، مشددا على أن الهجمات التي شنتها جماعة الحوثي على السفن التجارية في البحر الأحمر، دفعت كبريات خطوط الملاحة العالمية إلى إعادة توجيه سفنها بعيدًا عن القناة، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما زاد في تكاليف الشحن، وأطال أمد الرحلات، وحرم مصر من مصدر حيوي للدولار.
وأضاف أنه مع اندلاع الحرب الجديدة بين إسرائيل وإيران، تتفاقم المخاوف من استمرار تعطيل حركة الملاحة، واتساع رقعة عدم الاستقرار، ما يهدد بتعميق هذه الخسائر.
الغاز الإسرائيلي
وتابع أنه بالتزامن مع أزمة القناة، تعرضت مصر لصدمة طاغية عنيفة، تمثلت في وقف إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر بشكل غير محدد اعتبارًا من 28 فبراير/ شباط الماضي، ما أدى إلى توقف تدفق ما يقرب من 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الآتي من حقلى “تمار” و”ليفياثان” الإسرائيليين.
وأكمل أنه بالنسبة لمصر التي تحولت إلى مستورد للغاز، كانت هذه الضربة قاسية، فبالإضافة إلى تأثر خططها لإعادة تصدير الغاز المسال إلى أوروبا التي كانت تدر عوائد كبيرة، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات طارئة لضمان أمن الطاقة المحلي، تمثلت في تعليق صادرات الغاز عبر محطة إدكو للإسالة، التي كانت تصدر يوميًا حوالى 350 مليون قدم مكعب لشركات عالمية مثل شل وبتروناس.
وحسب التقرير، فإنه تم توجيه هذه الكميات بالكامل للسوق المحلية لمواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة مع حلول فصل الصيف، وهذا القرار على الرغم من كونه حتميًا في ظل ظروف الحرب، فإنه كبد مصر خسائر إضافية في الإيرادات التصديرية، وأظهر هشاشة الاعتماد على مصادر الطاقة الإقليمية في أوقات الصراع.
وتناول التقرير، كيف تعقدت الأزمة بسبب العبء الذى تتحمله مصر جراء استضافة ملايين اللاجئين والنازحين من دول الجوار، لافتا إلى أن السيسي خلال لقائه مع مجموعة البنك الدولي كشف عن رقم صادم، تمثل في استضافة مصر حاليًا حوالي 10.5 مليون أجنبي فروا من نزاعات في بلادهم.
وشدد على أن هذا العدد الضخم، الذي يقترب من 10% من سكان مصر، يشكل ضغطًا هائلًا على البنية التحتية والخدمات الأساسية، لأن اللاجئين ومعظمهم من السودان “4 ملايين”، وسوريا “1.5 مليون”، واليمن وليبيا “مليون لكل منهما”، يتلقون خدمات الصحة والتعليم والإسكان على قدم المساواة مع المواطنين المصريين، دون أن تتلقى مصر دعمًا كافيًا من المجتمع الدولي، بما يعنى أن عبء استضافتهم البالع 10 مليارات دولار سنويًا سيتضاعف بسبب نقص الإمدادات الرئيسية على مصر.
السيولة النقدية
وبدت مصر على مشارف أزمة اقتصادية بسبب تداعيات الحرب، ما ظهر في المباحثات الهاتفية، التي جرت بين وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي ونظيره الأمريكي ماركو روبيو، لبحث سبل دعم وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة.
وبحسب بيان الخارجية المصرية تناول الاتصال، تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد العالمي وآثاره على الاقتصاد المصري، إذ أكد عبد العاطي، على أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر، خصوصًا في ظل تأثر أسعار الطاقة والغذاء وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس.
وقال الإعلامى عمرو أديب، إن مصر تعاني من أزمة اقتصادية حقيقة، لافتا إلى أن الدولة تواجه تحديًا اقتصاديًا كبيرًا، وليس أمامها خيارات كثيرة في التعامل مع تداعيات الأزمة الدولية الحالية.
وأضاف أديب خلال تقديمه برنامج “الحكاية” عبر قناة “إم بي سي مصر”، إن الخسائر المصرية جراء تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كبيرة، مشيرًا إلى زيادة سعر الدولار ليصل لنحو 53 جنيها، إضافة رفع أسعار المحروقات والمواد البترولية، ما تبعه من زيادة في أسعار تذاكر المترو والقطارات، وما تبعه من زيادة في أسعار جميع السلع.
برنامج الخصخصة
إلى ذلك، جدد صندوق النقد الدولي في تقرير المراجعة الخامسة والسادسة لاتفاق تسهيل الصندوق الممدد الحالي مع مصر انتقاده لتعطل مسار الخصخصة، واستمرار التوسع في النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة، فيما تعهدت الحكومة بإعادة تنشيط هذا البرنامج عبر أربع صفقات كأولوية قبل نهاية البرنامج، بالإضافة إلى 23 صفقة من ضمنها خمس شركات تابعة للقوات المسلحة.
وذكر التقرير الذي نشر الخميس الماضي، أن تخارج الدولة من الاقتصاد، والذي يرتكز على ما جاء في وثيقة سياسة ملكية الدولة التي أقرتها الحكومة المصرية، كان ينظر إليه باعتباره الوسيلة الرئيسية لانسحاب الدولة من القطاعات غير الاستراتيجية، بما يتيح مشاركة أكبر للقطاع الخاص دون وجود عوائق صريحة أو ضمنية أمام المنافسة العادلة، بما في ذلك تلك الناجمة عن تدخل الجهات العسكرية.
وانتقد التقرير عدم تحقق تقدم المستهدف في برنامج التخارج، لافتا إلى أن توسع دور الجهات العسكرية في أنشطة اقتصادية مختلفة لا يزال مستمرًا، ومشددا على أن عدم تنفيذ برنامج الخصخصة أدى لعجز الحكومة عن الوصول لمستهدفاتها بشأن الفائض الأولى والدين في يونيو/ حزيران الماضي، ما اضطرها إلى استخدام كل عوائد صفقة علم الروم مع قطر، التي بلغت 3.5 مليار دولار، لخفض دين الموازنة العامة.
وربط صندوق النقد الدولي في تقريره الجديد، بين الخصخصة وبيع أصول الدولة وسياسة الحكومة لخفض الدين ضمن برنامج الاتفاق الحالي، قائلًا إن استراتيجية خفض الدين في البرنامج تستند إلى ثلاث ركائز تتمثل في تحقيق فوائض أولية مستدامة، واستخدام عائدات بيع أصول الدولة لخفض الدين، وإطالة آجال استحقاق الدين للتخفيف من مخاطر إعادة التمويل.
ونقل التقرير عن السلطات المصرية، تعهدها بالالتزام بمسار الخصخصة، وإعادة تنشيط خطة التخارج خلال المدة المتبقية من البرنامج وما بعدها للوفاء بسياسة ملكية الدولة، وأنها حددت أربع صفقات للخصخصة، حتى نهاية البرنامج، وتوقع أن تبلغ العائدات منها نحو 1.5 مليار دولار، على أن يُخصص حوالي نصف هذا المبلغ للموازنة من أجل خفض الدين وتقليل الاحتياجات التمويلية الإجمالية.
وبحسب التقرير، تتضمن القائمة نحو 11 صفقة تخارج إضافية في قطاعات ذات أولوية، إلى جانب خمس شركات مملوكة للجهات التابعة للقوات المسلحة، وسبع شركات ضمن برنامج الطرح العام الأولي في البورصة، إضافة إلى إعداد ترتيبات امتياز إداري لـ11 مطارًا مصريًا، بدءًا بمطار واحد كنموذج تجريبي، مبينة أن ذلك يتيح فرصًا لإدارة أصول الدولة من قبل القطاع الخاص، ولكن دون تدفقات مالية مقدمة تُستخدم في خفض الدين.
وفي سياق أوسع فيما يتعلق بتخفيض دور الدولة في الاقتصاد، نقل التقرير عن الحكومة التزامها بشكل عام بسقف الاستثمارات العامة حتى نهاية يونيو/ حزيران الماضي، ليبلغ 924 مليار جنيه، من ضمنها نسبة 41.9% وجهت للجهات التي تشملها الموازنة العامة، فيما شكلت الهيئات الاقتصادية نسبة 32.8%، وبلغت حصة الشركات العامة 25.3%.
وكان تقرير المراجعة الرابعة الذي نشر في يوليو/ تموز الماضي، أفاد أن المؤسسة العسكرية تمتلك 97 شركة، بينها 73 تعمل في القطاع الصناعي وحده، في حين تبلغ الحصة السوقية للشركات المملوكة للقوات المسلحة في بعض القطاعات المدنية نحو 36%، مع تسجيل أعلى نسب في قطاعات الرخام والغرانيت والإسمنت والصلب.