الحرب الإقليمية ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية!


قدّمت “القدس العربي” في افتتاحية سبقت بدء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران بتسعة أيام تصوّرا لمساعي حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية لاستغلال الحرب الإقليمية لـ”دفن فلسطين تحت أنقاض إيران”، وهو ما تزامن مع تقارير للأمم المتحدة عن عمل إسرائيل على “إحداث تغيير ديموغرافي دائم في غزة”، وتصاعد إجراءات ضم الضفة الغربية.
في الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون هذه المخططات الوجودية الخطيرة، ويتراجع الاهتمام العالمي بقضيتهم، تستمر هشاشة وقف إطلاق النار في غزة، وتتواصل الانتهاكات الإسرائيلية مما يؤدي لسقوط شهداء وجرحى بشكل يومي فيما يعيش السكان في ظروف مريعة داخل مخيمات النزوح العشوائية في ظل انهيار هائل للخدمات الأساسية. استغلت إسرائيل الحرب أيضا لإعادة الحصار على القطاع عبر إغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر، الذي كان قد فُتح لفترة قصيرة، كما تراجع دخول المساعدات بما يقارب 80 في المئة.
يشير طرح إسرائيل لمشاريع بناء ما يسمى “مدينة إنسانية” شرق الخط الأصفر، تحت مسمى “رفح الجديدة”، والخطط المتداولة عن فتح مناطق ساحلية أمام استثمارات ومشاريع تنموية، بالإضافة إلى العنف المتطاول، والمنسّق، بين المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية، فسنرى معالم خطط استراتيجية إسرائيلية تتزامن فيها وقائع التطهير العرقي العنيف، مع مشاريع الاستثمار الإسرائيلية – الأمريكية لإعادة رسم الجغرافيا السياسية لفلسطين.
مع الحرب على إيران انشغلت دول عربية عديدة بمعالجة الواقع الخطير لتحول أجوائها وأراضيها وسواحلها لميادين للقصف، فيما تنشغل الدول الأوروبية بخطر وصول النيران إلى أراضيها، وخصوصا بعد وصول الصواريخ إلى قبرص وتركيا، ووصول أحد الصواريخ بعيدة المدى إلى قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي؛ كما أخذت مجمل دول العالم تعاني من تراجع كبير في إمدادات الغاز والنفط من الخليج العربي والعراق مما رفع أسعار الطاقة، كما انعكس على إمدادات خطيرة أخرى تؤثر على الغذاء العالمي، كالأسمدة التي توقّف تصديرها بسبب الأزمة في الخليج والبحر الأحمر.
على المستوى الدبلوماسي، تراجع الزخم الدولي الذي عمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تأطيره في “مجلس السلام” الذي رأسه، وتحوّل الموضوع الفلسطيني إلى جزء من المعادلة الكبرى التي تتخلّق ضمن ديناميات الصراع في الشرق الأوسط.
من الإشارات الواضحة على ذلك، إعادة إندونيسيا – والتي يفترض أن تكون أكبر المساهمين في “قوة حفظ السلام” التي ستنتشر في قطاع غزة – حساباتها على ضوء الحرب، معلنة أنها لن تشارك في القوة إلا إذا ضمنت هذه القوة المصالح الفلسطينية وحققت سلاما دائما. كان ذلك واضحا أيضا في تصريح الناطق باسم الرئاسة الروسية الذي قال، أمس الأحد، إنه “مع استمرار الحرب، فإن مصطلح (مجلس السلام) ربما أصبح أقل راهنية مما كان عليه قبل بدء هذه الحرب”.
في محاولة من نيكولاي ملادينوف، المدير التنفيذي لـ”مجلس السلام”، للقول إن هذه المؤسسة التي يديرها ما زالت على قيد الحياة، قدم خطة لنزع سلاح حركة “حماس” بالتوازي مع مسار تدريجي متعدد المراحل للانسحابات الإسرائيلية من القطاع، غير أن هذه المبادرة لا تغيّر من واقع تفاقم غياب المساءلة الدولية لإسرائيل، وهو أمر لا يؤدي فقط إلى تراجع فرص تقرير المصير الفلسطيني بل إلى تراجع أسس الاستقرار وحقوق الإنسان في مجمل المنطقة العربية.
لقد انطلقت ديناميّات الأحداث الكبرى في “الشرق الأوسط” المتعاظمة مع عملية 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023. تركّز جهد إسرائيل منذ ذلك على دفن القضية الفلسطينية، عبر اجتياز كل المحرمات والعقبات، من الإبادة الجماعية في غزة، إلى الحرب مع “حزب الله” في لبنان، والحوثيين في اليمن، والتوغلات في سوريا، وقصف قادة “حماس” في قطر، إلى الحرب على إيران حاليا أخذت حكومة نتنياهو العالم معها إلى مشهد رعب يكسر نظام العالم السابق، ويحاول تشكيل المنطقة من جديد، لكنّ الهدف الرئيسي من كل ذلك هو إخفاء الجريمة العالمية الكبرى بحق الشعب الفلسطيني.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *