في خطوة بحثية في مجال الدراسات العربية، يقدم الباحث والأكاديمي السوري لؤي خليل، كتابه الجديد «مدن الخيال»، ليكون أول معجم عربي يُعنى برصد المدن والأماكن المتخيلة في أدب الرحلة العربي. ولا يقتصر هذا المعجم على التوثيق فحسب، بل يفتح آفاقا جديدة لفهم طبيعة المكان المتخيل في السرد العربي من منظور ثقافي، ويشكل مرجعا نوعيا للباحثين والمهتمين في مجالات السرد التخييلي والأدب العربي القديم والمعاصر.
ويمثل الكتاب الصادر حديثا عن «دار كنوز المعرفة» مساهمة مهمة في رسم خريطة معرفية توثق لحضور الخيال المكاني في المتن السردي العربي، واضعا بين يدي القراء مدونة غنية تعزز أدواته في قراءة النصوص بروح نقدية وثقافية. لاسيما لمن تستهويه منهم الفضاءات التخييلية العجيبة، لأن سرد المكان المتخيل في متون الرحلة العربية غالبا ما يأخذ شكلا حكائيا. حول فكرة هذا الكتاب المعجمي وظروف إنجازه وأهميته في المشهد الثقافي العربي امتدت جسور هذا اللقاء مع لؤي علي خليل المقيم في الدوحة.
*عرف القارئ العربي معاجم تتناول قضايا عدة في بطون الكتب ورحلات الرحالة والمؤلفين، لكنها المرة الأولى التي نقرأ فيها معجما عن الأماكن المتخيلة، كيف بدأت فكرة هذا الكتاب وما دوافعك لتأليفه؟
ـ بدأت التفكير في ضرورة وجود مثل هذا المعجم منذ ثلاث سنوات، عندما كنت أبحث عن مصادر تتعلق بمدينة النحاس الخيالية، التي وردت في عدد من المصادر العربية القديمة، وأدركت حينها أننا بحاجة لمعجم يضبط مثل هذا النوع من الأماكن.
وما أكد أهمية مشروع معجم الأماكن المتخيلة عندي، أنه أول معجم في الدراسات العربية يهتم برصد المدن والأماكن المتخيلة في أدب الرحلة العربي، فلا يوجد، في حدود علمي، على المستوى العربي ولا على المستوى العالمي كتاب يرصد المكان المتخيل في السرد العربي؛ فمعظم الكتب التي تشتغل على مجالات تخييلية حافة وشبيهة بهذا المعجم تهتم بسردها الخاص: (أساطيرها أو رواياتها المعاصرة)، ومن أهمها: كتاب «معجم الأمكنة المتخيلة»: لألبرتو مانغويل صدر عام (1980) الذي يعنى بالأماكن الخيالية والواقعية التي وردت في الروايات العالمية، من غير أي مقاربة للرواية العربية، أو السرد العربي القديم. وكتاب (موسوعة الأماكن الأسطورية): لآرثر كوتريل، الذي صدر عام 1996 ورصد الأماكن التي وردت في الأساطير القديمة فحسب، ولاسيما الأساطير اليونانية، ولا صلة له بالسرد العربي. وكتاب بعنوان: «أطلس الأماكن الخيالية» لميا كاساني صدر في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عام 2017، وهو كتاب مصوَّر خاص بالأطفال.
ويمكن أن نضيف لهذه الدراسات دراسة عربية أنجزها سعيد يقطين، عام 1994، أولت عنايتها للعجيب في نصٍّ سردي ثري من نصوص السرد القديم، هو سيرة (سيف بن ذي يزن)، واهتمت بصناعة مدوَّنةٍ لكل ما هو عجيب في تلك السيرة؛ لكنها لم تولِ المكان جلَّ اهتمامها؛ لأنها اعتنت بالعجيب في الفعل الحكائي أكثر من عنايتها بالعجيب الخاص بالمكان نفسه.
استقراء كتب الرحلات

* هل ثمة صعوبات اعترضتك في انجاز المعجم؟
ـ استغرق العمل على المعجم ثلاث سنوات تقريبا، شملت استقراء كتب الرحلات في السرد العربي، وتوزيعها على جداول تاريخية لضبط ترتيبها وتصنيفها، ثم العمل على قراءة المتون كاملة، ونقل الأماكن المتخيلة منها، ووضع عناوين لكل مكان؛ من أجل تعيينه وتسهيل تصنيفه، ثم البحث عن التقاطعات بين الأمكنة؛ لوضع الأماكن المتشابهة معا؛ ليسهل على الباحث أو الدارس أو القارئ العادي مقارنتها في موضعها، ثم النظر في الترتيب التاريخي للأماكن حتى تعرض، حسب التصنيف الزمني؛ لتعين على إدراك التطورات التي طرأت على الأماكن، إما بالحذف أو بالإضافة. ولم يصادف العمل على المعجم عقباتٍ حقيقية أو مصاعبَ صلبة تحول دون إنجازه، فمعظم المصاعب كانت تتلخص في صعوبة الوصول إلى بعض الكتب، وصعوبة نقل المواد من المتون؛ بسبب ساعات العمل المملة في النقل والمقارنة والتثبّت من الصحة، غير أن هذا كله من صميم العمل البحثي، ومطلب أساسي لإنجازه، ولذلك لا يمكن القول بوجود عقبات حقيقية، أو مصاعب غير ما يقتضيه العمل نفسه من جهد.
غرائب الأمصار وعجائب الأسفار
*كيف اختيرت النصوص التي اعتمدها المعجم؟ وهل اقتصرت على فترات زمنية محددة؟
ـ اكتفى المعجم في تصنيفه للمكان المتخيل بكتب الرحلة، التي ظهرت في الحضارة العربية الإسلامية وأُلّفت بين القرنين الأول ونهاية القرن السابع؛ وذلك بسبب انتشار التكرار في كتب أدب الرحلة ما بعد القرن السابع، وخلو كثير منها من البعد التخييلي للمكان؛ ومع ذلك اختار المعجم من القرون التالية للقرن السابع بعضَ الكتب المهمة التي عرفت بخصوصيتها، وكثرة المكان المتخيل فيها، ولجمعها لكثير مما تناثر من الأماكن في بقية الكتب، فأضاف إلى مدوَّنته من القرن الثامن كتابين مهمين هما: «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» لابن بطوطة، وكتاب «الروض المعطار في خبر الأقطار» للحميري، وأضاف من القرن التاسع كتاب «خريدة العجائب وفريدة الغرائب» لابن الوردي. وأضاف المعجم أيضا إلى مدوّنته الخاصة بأدب الرحلة تلك الكتب التي صنّفها النقاد والدارسون ضمن أدب الرحلة، على الرغم من أنها لا تقوم على رحلات حقيقية حسية، إذ تعتمد في مجملها على رحلات تخييلية غير حقيقية، مثل رسالة المعري «رسالة الغفران» ورسالة ابن شهيد «التوابع والزوابع» ونصوص أدب المعراج (المعراج المنسوب إلى ابن عباس)، ورحلات ابن عربي التخييلية «أرض السمسمة» ضمن كتاب «الفتوحات المكية». وقام اختيار النصوص في هذه الكتب عبر عدة مراحل للاستقراء والقراء قام بها فريق مؤلف من ثلاثة باحثين يعملون بإشرافي للوصول إلى أماكن تلبي حاجة المعجم والهدف منه. والمعيار الذي قيست به الأماكن هو التخييل، ولاسيما التخييل المفارق للألفة، وعلى هذا الأساس استبعدت مجموعة من الأماكن بسبب ارتباطها (بالغريب) الذي لا يتعارض وجوده مع قوانين الواقع المألوف، وإن بدا نادرا، واقتصر المعجم على الأماكن التي لا تقبل قوانين الواقع المألوف وجودها وتتعارض مع منظومته.
إكراهات نسقية
* تحدثت عن مسألة التكرار في كتب التخيل في التراث العربي الإسلامي بين أكثر من مؤلف ونص، وهذا يحيلنا إلى السؤال عن دلالات هذا التكرار وإلامَ يشير من وجهة نظرك؟
ـ يشيع التكرار على نحو ملحوظ في كتب الرحلات، فالأماكن ذاتها تتكرر مع كل رحّالة يطرق بابها، ومع ذلك لا يمكن القول إن هذا الضرب من التكرار يقع في باب الزيادات التي يمكن حذفها والاستغناء عنها؛ فتكرار التفاصيل الخاصة ببعض الأماكن منحَها الثقة والمصداقية، ولو لم تتكرر تلك التفاصيل لبقيت حقيقة خاصة، مرتبطة بسياقات محددة تتعلق بالرحالة السارد.
ومن جهة أخرى تمثّل الروايات المتكررة، في تراكمها بعضها فوق بعض، طبقاتٍ تروي وجها من وجوه الحقيقة التي لن تكتمل إلا باجتماع وجوهها كاملة؛ فكل رحلة تضيف بعدا أو تفصيلا لم يكن في الرحلة التي سبقتها، فالرحالة، لا ينقل كل ما تقع عليه عيناه من تفاصيل، وكل ما تسمعه أذناه من حكايات وأخبار، بل يقوم بعملية (انتخاب)، فينقل في رحلته، ما يثير اهتمامه ويتوافق مع توجهاته وفهمه للكون ورؤيته له، محكوما بإكراهات نسقية تتعلق بالجماعة الثقافية التي ينتمي إليها، ثم يأتي من بعده رحّالة آخر له توجهات مختلفة، فيجتمع من رأييهما وجهان للمكان يساعدان على تصوّره على نحو أفضل.
وثمة أمر آخر يتعلق بطبيعة الذاكرة الشعبية التي تتعرض لعمليتي (حذف وإضافة) تبعا للتغيرات الزمنية والسياقية، وهذا ما يفسر امتلاك بعض الأماكن رواياتٍ متعددة تفسر سبب نشوئها ووجودها؛ فإذا كان بين رحّالتين فارق زمني يفصل بين زيارة كل منهما لمكان واحد بعينه، فإنه قد ينشأ عن ذلك لدى الجماعة التي يزورانها فوارق تتعلق بالحكايات والأخبار المرتبطة بالمكان نفسه.
والتي تقود عمليتي الحذف والإضافة في الذاكرة الشعبية، هي آلية (التحيين) التي تمارسها الذاكرة على ما بين يديها من عناصر ثقافية تتعلق بالمخيال الخاص بها؛ لأن من طبيعة الذاكرة الشعبية أنها تميل في كثير من الأحيان إلى إعادة صياغة جزء من تاريخها على نحو يتلاءم مع مقتضيات المرحلة التي تعيشها.