السيرة والسخرية وبناء الهوية في «طفولة بلا مطر»


تندرج سيرة إدريس الكريني، الموسومة «بطفولة بلا مطر» (المطبعة والوراقة الوطنية في مراكش.ط1/2023) ضمن الكتابات السيرية العربية المعاصرة التي لم تعد تكتفي بوظيفة التوثيق، بل أصبحت تمارس دوراً تأويلياً ونقدياً للذات والمجتمع على حد سواء. فالسيرة هنا لا تُقرأ باعتبارها مجرد استعادة لمرحلة طفولية، بل بوصفها بناءً سردياً، يعيد تشكيل التجربة في ضوء وعي لاحق، يجعل من الذاكرة أداة للفهم والتحليل. وإذا كان فيليب لوجون يرى أن السيرة الذاتية ليست مجرد توثيق للحياة الشخصية، بل هي عملية تتضمن بناء الهوية الذاتية، وأن كتابة السيرة الذاتية هي وسيلة للكاتب لتأكيد ذاته وتعريفها للعالم، ما يجعله قادرا على تشكيل وتوضيح هويته الشخصية، فإنها على هذا الأساس، تصبح أكثر من مجرد سرد للذكريات؛ بل وسيلة لبناء الذات وإعادة التفكير فيها. («الميثاق السيري» (Le Pacte Autobiographique) الذي نشر عام 1975).
وفي هذا السياق، تنبثق إشكالية هذا المقال من التساؤل التالي: كيف يوظف الكريني السرد والسخرية في بناء هوية ذاتية تتجاوز بعدها الفردي، لتلامس أفقاً جماعياً؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار هذه السيرة خطاباً مزدوجاً يجمع بين الذاتي والاجتماعي؟
أولاً: السيرة بوصفها كتابة للذاكرة
تعتمد سيرة «طفولة بلا مطر» على استعادة زمن الطفولة في قرية بني عمار، حيث يعيد الكاتب تشكيل تفاصيل الحياة القروية المغربية، خلال الثمانينيات التي تميزت بجفاف خطير. غير أن هذه الاستعادة لا تتم بشكل محايد، بل تخضع لإعادة بناء وفهم جديدين. يقول الكاتب عن فراقه لصديق الطفولة عزيز وهو يغادر القرية بسبب الجفاف: «عانقته بقوة وعدت للبيت مدمع العينين، ألعن في نفسي الجفاف وشح المطر» (الكريني، طفولة بلا مطر). يحمل هذا المقطع دلالة رمزية كثيفة، إذ يتحول «المطر» إلى استعارة للحياة الأصيلة المفقودة، سواء في بعدها المادي، أو الرمزي، ويصبح الجفاف عدما لها وإيذانا بطفولة مغتصبة، وهجرة جماعية غير مرغوب فيها. يقول في موضع آخر: «حتى قضاء لحظة استحمام أو استجمام، لا بد أن تمر عبر المعاناة». والحاصل أن الطفولة، بلغة الكريني، ليست فقط زمناً بيولوجياً، بل حالة وجودية موسومة بالمعاناة والحرمان. كما يضيف: «كنت أحلم لو كنت طائرا أحلق حرا في كل مكان». يكشف هذا القول عن التوتر بين الواقع والحلم، حيث يصبح الحرمان دافعاً لتشكّل الطموح.

كما تقوم هذه السيرة على تسلسل زمني خطي واضح (القرية ← الداخلية ← المدينة)، غير أن هذا التسلسل يتخلله خطاب تأملي أحيانا يعيد تفسير الأحداث. يقول الكاتب: «كنت أحب الرسم، وكثيرا ما جلب لي أبي معه ملونات مختلفة من الخارج، رسمت المدرسة، ووضعت لها سورا، ولونت جدرانها، كما وضعت أزهارا في كل جانب، ورسمت مراحيض للذكور وأخرى للإناث، ومكتبة، وسلمت الرسم للسيدة، ثم خرجت مسرعا، متمنيا أمنيتي في بناء مدرسة جميلة، كما تخيلتها في اللوحة». هنا ينتقل النص من الوصف إلى التحليل، ما يمنحه بعداً فكرياً. فإدريس الكريني لا يروي ولا يصف فقط، بل يفكر في ما يرويه، وينتقد ما هو كائن، متطلعا للممكن، حتى لو كان عمره لا يسمح بذلك، فهو يملك من الحلم ما يجعله قادرا على ممارسة النقد، وإن بشكل صبياني، وهو ما ينسجم مع التحولات الحديثة في كتابة السيرة الذاتية. والملاحظ أن قرية بني عمار تشكل فضاءً أولياً لتشكل هوية الكاتب/الطفل، حيث تتقاطع قيم التضامن مع قسوة العيش. مستحضرا مظاهر الحياة الجماعية، من دون أن يغفل عن إبراز هشاشتها.

بهذا المعنى، تتحول الطفولة إلى مختبر أولي لتعلم القيم، حيث يتشكل وعي مبكر بالواقع الكائن والواقع الممكن على حد ما. كما يمثل الانتقال إلى مدينة مولاي إدريس زرهون لحظة انفصال عن الوسط العائلي، ودخول عالم المؤسسة التعليمية. داخل هذا الفضاء، تتجلى قسوة الحياة اليومية، لكن الكاتب يستعيدها ويقدمها بأسلوب ساخر. يحكي عن إحدى طرائفه في مطعم داخلية الإعدادية بزرهون : «عندما يحين وقت تناول وجبة الغذاء، كنت أتوجه مع صديقي إلى قاعة الصلاة الموجودة إلى جانب المطعم، حتى نتمكن من الدخول معا متأخرين إلى المطعم أملا في الالتحاق بطاولة بأقل من ثمانية تلاميذ، لعلنا نظفر بنصيب زائد من قطع الشوكولاتة التي كانت تصاحب الوجبات. وفي إحدى المرات، دخل علينا الحارس العام ونحن ركعا، وحملنا من خلف قمصاننا، صارخا: إنها آخر مرة أراكم هنا خلال فترة الغداء. أصبحت حينها متأكدا أنه سيصنفني ضمن خانة المشاغبين». والحق أن هذا المقطع، وهو غيض من فيض داخل هذه السيرة، يعكس وظيفة السخرية كآلية دفاعية أو إجراء وقائي ضد عنف الحياة، حيث يتم تحويل الألم إلى مادة للضحك، مما يسمح بتجاوزه واستيعابه بسرعة.

في فاس، وبعد انتقاله إليها لإتمام دراسته في هذه المدينة التي كانت مثالية في مخيلته، يدخل الكاتب مرحلة جديدة من التكوين الفكري. مرحلة طوّحت به في أتون مفارقات حادة وضاجة بالألم: «ما زالت آثار الجفاف تلقي ظلالها القاتمة على المدينة، التي أضحت محجا مفضلا للمهاجرين القادمين من القرى المجاورة، حيث تظهر أحياء جديدة وتتكاثر كالفطر في كل جوانب المدينة، فيما كانت البطالة تتفشى بشكل ملحوظ في أوساط الشباب، والشوارع تعج بعدد من المتسولين والمتشردين». يقول أيضا: «جو من الحزن يخيم على المدينة، لا حديث بين تلاميذ الثانوية هذا الصباح، إلا عن انهيار حافة بنزاكور، ما أسفر عن مقتل 52 شخصا وتحطم العشرات من المنازل تحت الركام، تراءت لي منازل أخرى بنيت في أماكن خطرة مهددة بدورها، لعنت في خاطري سنوات الجفاف التي أرغمت الكثير من الناس على مغادرة قراهم، والمغامرة بالاستقرار في هذه البيوت غير الآمنة». هذه الأقوال وغيرها تكشف عن تفكك الصورة المثالية للمدينة، وتحوُّلها إلى موضوع للسخرية والنقد. ثانياً: السخرية كاستراتيجية لتفكيك للواقع وبناء الهوية
تعد السخرية، من أبرز مميزات هذه السيرة، حيث تتحول إلى أداة تحليلية، بها يبرر الكاتب هذا الواقع المرير، من دون خسائر كبرى: «توقفت في حي الطالعة الصغيرة أمام حمام شعبي، أخذت تذكرتي، وولجت للاستحمام، هي فرصة لكسب بعض الوقت في انتظار أذان المغرب.

وضعت ملابسي في الحقيبة وقدمتها لعامل الحمام الذي ألقاها في صندوق خشبي في الأعلى، بينما تركت حذائي الرياضي الجديد تحت كرسي خشبي في بهو الحمَّام. قضيت أكثر من ساعة في الداخل، كان تفكيري مشوشا على المذياع، كنت أخشى أن يفوز به أحد، وهو الأنيس والرفيق الذي لا يفارقني. خرجت للبهو، طلبت الحقيبة، وتأكدت أول الأمر من وجود المذياع، ثم قمت بسرعة بارتداء الملابس، وحين انحنيت لسحب الحذاء من تحت الكرسي الخشبي الطويل، كانت المفاجأة! فقد سرق الحذاء». سيصبح الموقف أكثر تفكها وسخرية حينما يقوم عامل الحمام بإهداء نعل مطاطي قديم ومربوط بسلك صدئ وهو يقول للكاتب «هذا لك مني هدية، ولا تنساني من دعائك في هذا المساء الرمضاني».

إن السخرية، كما تبدو هنا ليست تهكماً سطحياً، أو تفكها من أجل التفكّه، بل استراتيجية لتفكيك الواقع الهش، الذي مضى عليه وقت طويل، بالاعتماد على ملكة الخيال الإبداعي الراهنة، وشكل من أشكال الوعي الراهن الذي يسمح بإعادة تأويل التجربة من أجل بناء هوية ذاتية وسردية، بتعبير بول ريكور، تتأرجح بين القسوة والطموح، تواصلا وتفاصلا، بما يجعل التجسير بين السيرة والرواية أمرا محققا في بعض مقاطع هذا الكتاب، تأكيدا لما قاله فيليب لوجون عن الخيط الرفيع بين السيرة والرواية (الميثاق السيري/ لوجون).
والحاصل إن الهوية في هذه السيرة، تتشكل عبر مسار معقد من التفاعل مع الواقع. فالقسوة لا تؤدي إلى الانكسار، بل إلى بناء ذات قادرة على التكيف والتماهي مع الآخرين. فلنتأمل هذا المشهد الذي دعا فيه المعلم التلاميذ الفقراء الذين يرغبون في الاستفادة من خدمات مطعم المدرسة لرفع أيديهم، إذ سينظم الكاتب إلى باقي زملائه برفع يده، على الرغم من أن وضعه الاجتماعي داخل القرية يوحي بالغنى، لأن أباه يشتغل في فرنسا: «ترددت في الأمر خجلا، ثم رفعت يدي بعد أن قام بذلك عدد من التلاميذ». هذا التحول من «أنا» إلى «نحن» يعكس رغبة هوية الكاتب في الانتقال من البعد الفردي إلى الجماعي، وإن بشيطنة صبيانية بريئة.

بناء على ما سلف، فإن سيرة «طفولة بلا مطر» تكشف عن كتابة مركبة تمزج بين السرد التذكري والتخيل الاسترجاعي والسخرية. وقد نجح إدريس الكريني في تحويل تجربة طفولة قاسية إلى نص غني بالدلالات، يعكس في الآن ذاته مسار فرد وجيل بأكمله. نص يتجاوز حدود السيرة الفردية ليصبح وثيقة اجتماعية، من دون أن يسقط في فخاخ الفجاجة، نص يعكس بفنية عالية تحولات المجتمع المغربي، خاصة في مجالات: التعليم والهجرة القروية والتفاوتات الاجتماعية. إنها سيرة تؤكد أن غياب «المطر» لا يعني غياب المعنى، بل قد يكون مدخلاً لبناء وعي نقدي وهوية صلبة. وبذلك فإن سيرة «طفولة بلا مطر» يمكن قراءتها في ضوء مقاربات تأويلية موسعة تنظر إلى الكتابة، عند إدريس الكريني بوصفها فعل فهم للذات، وبعدّها، عطفا على ذلك، فعل تسريد ذاتي، يسعى جاهدا إلى بناء الماضي الهارب في اشتراطاته تارة، وترميم ثقوب الذاكرة وفق وعي راهن تارة أخرى. كل هذا وذاك، جعل من هذه السيرة عملاً مفتوحاً على قراءات متعددة .. متعددة جدا.

كاتب من المغرب



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *