نواكشوط –«القدس العربي»: في تصعيد خطير يعكس هشاشة الأوضاع الأمنية على الشريط الحدودي بين موريتانيا ومالي، هزّت حادثة مقتل مواطنين موريتانيين برصاص الجيش المالي الرأي العام الوطني، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات ملحّة حول سلامة المواطنين الموريتانيين في مناطق التماس، وحدود التنسيق الأمني بين البلدين.
وبين صدمة الشارع وغضب الأهالي، جاء الموقف الرسمي من نواكشوط حازماً، مؤكداً أن أمن المواطنين «خط أحمر»، في رسالة تحمل أكثر من دلالة على أن الصبر بدأ ينفد، وأن ما حدث قد لا يمرّ دون تبعات.
وفي سياق ردود الفعل على هذه الأحداث، أكد الرئيس محمد ولد الغزواني «أن موريتانيا ستحمي حدودها بصرامة، وأن القوات المسلحة تنتشر على طول الحدود، وأنها تؤمن الحدود بشكل تام، مستخدمة كل الوسائل الضرورية».
وأردف ولد الغزواني خلال حديث له أمس أمام عدد من رؤساء وممثلي الأحزاب السياسية الموريتانية «أن موريتانيا لن تقبل الانجرار وراء ما وصفه بـ الاستفزازات»، وذلك تعليقا على الحوادث المتكررة لقتل موريتانيين برصاص الجيش المالي، داخل الأراضي المالية.
وأشار ولد الغزواني إلى «أن الجارة مالي تعيش ظرفية خاصة، ويسود فيها عدم الاستقرار، وتنتشر فيها الحركات المسلحة»، مذكرا «بأن الحكومة سبق وأن حذت المواطنين من الدخول إلى الأراضي المالية، أو الانتشار في الأماكن الخطرة».
وقال ولد الغزواني إنه «إذا كان هناك من يرى أن الدخول في مواجهة مسلحة مع مالي يمكن أن يحل المشكل، فإنه لا يرى ذلك، وإنما يرى أنه سيعقد الأوضاع أكثر».
بيان حازم
ورفعت موريتانيا النبرة عالية في البيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الموريتانية، فلم يكن مجرد رد دبلوماسي تقليدي على حادثة مقتل مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية، بل عكس تحولًا لافتًا في طريقة مقاربة نواكشوط لأزمة حدودية باتت تتكرر في سياق إقليمي شديد التعقيد؛ فبين لغة الإدانة الصريحة، والتشديد على التحقيق والمساءلة، والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، يتشكل خطاب جديد يوازن بين حماية المواطنين وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع الجار الشرقي.
وأكدت «أن موريتانيا تعبر عن بالغ استنكارها وعميق انشغالها» إزاء هذه التطورات، وتدين «بأقصى درجات الحزم هذه الأعمال غير المقبولة»، مشددة على أن حماية المواطنين «خط أحمر».
وأكد البيان مقتل خمسة موريتانيين من بلدة «سرسار» بولاية الحوض الغربي، مقدماً أسماءهم، ومعبّراً عن تعازي الدولة وتضامنها الكامل مع أسرهم.
وطالبت نواكشوط السلطات المالية بـ «وقف الانتهاكات المتكررة، وإجراء تحقيق عاجل وشفاف يكشف المسؤولين ويضمن حماية المدنيين».
كما حذرت من أن «استمرار هذه الأفعال قد يترتب عليه «تحمل المسؤولية الدولية»، مؤكدة في الوقت ذاته «تمسكها بالحوار، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات المناسبة وفق القانون الدولي».
وعاد التوتر ليخيّم بقوة على الحدود الموريتانية المالية بعد مقتل ثلاثة رعاة مدنيين، بينهم موريتانيان ومالي، في 20 آذار/مارس 2026 بمنطقة «ياكنا» داخل الأراضي المالية، على بعد نحو 12 كيلومتراً من الحدود.
وجاءت الواقعة في سياق أمني حساس، حيث كانت نواكشوط وباماكو تحاولان احتواء توترات سابقة مرتبطة بتبادل اتهامات حول نشاط الجماعات المسلحة، ما منح الحادث أبعاداً تتجاوز طبيعته المحلية.
روايات متضاربة
وتشير معطيات موريتانية إلى أن الضحايا أوقفوا من طرف قوة مسلحة قبل العثور عليهم قتلى، بينما تحدثت روايات محلية عن إطلاق نار مباشر، بل وعن حرق الجثامين.
وفي المقابل، لم تؤكد نواكشوط هذه التفاصيل رسمياً، واكتفت بالإشارة إلى «قوة مسلحة»، في حين أعلن الجيش المالي تنفيذ عمليات ضد «إرهابيين» في نفس المنطقة دون الإشارة إلى ضحايا مدنيين، وهو ما عمّق الغموض.
وكان التوتر قد ازداد في 25 آذار/مارس الجاري بعد توغل دورية مالية داخل الأراضي الموريتانية في بلدة «كوكي زمال».
ووصل جنود مالي إلى مدرسة موريتانية محلية، وطالبوا بإنزال العلم الموريتاني، قبل أن يواجهوا رفضاً سلمياً من السكان، لينسحبوا لاحقاً دون استخدام القوة، بعد تسجيل إحداثيات ميدانية.
وتعكس هذه الحوادث هشاشة الوضع في الشريط الحدودي بين موريتانيا ومالي، حيث تتداخل العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة مع حياة السكان المدنيين، خصوصاً الرعاة.
وتحولت المنطقة إلى فضاء عالي المخاطر، يدفع ثمنه المدنيون في كثير من الأحيان.
بين التهدئة والتصعيد
ورغم التصعيد، تواصل موريتانيا اعتماد نهج دبلوماسي حذر، مع تعزيز انتشارها العسكري على الحدود، ودعوة مواطنيها إلى الحذر وتجنب دخول الأراضي المالية.
ويبقى مسار الأزمة مرهوناً بنتائج التحقيقات، ومدى تجاوب باماكو، في منطقة لا تحتمل مزيداً من الانزلاق الأمني.
والحقيقة أن ما يجري على الحدود الموريتانية المالية ليس معزولاً عن التحولات الكبرى في منطقة الساحل، حيث تتراجع أنماط التعاون التقليدية، وتتقدم المقاربات العسكرية الأحادية، وسط تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة.
وفي هذا المشهد، يصبح الرعاة، وهم عماد الحياة في تلك المناطق، الحلقة الأضعف؛ فهم يتحركون بين حدود لم ترسمها حياتهم اليومية، لكن ترسمها خرائط الجيوش، فيدفعون الثمن حين تتقاطع الطرق.
ويظل السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى متى يمكن ضبط هذا التوتر؟
وقد لا تتأخر الإجابة كثيراً، فنتائج التحقيقات، ورد باماكو، وقدرة الطرفين على إعادة ضبط قواعد الاشتباك، ستحدد ما إذا كانت هذه الأزمة ستمر كسابقاتها… أم أنها بداية فصل جديد في توتر حدودي مفتوح على كل السيناريوهات.