إننا ننسى، أو حتى لا ندرك، أن دانتي شاعر عامية، ربما لضخامة ومهابة منجزه الأساسي، الذي قُدم للقارئ العربي في لغة عربية فصيحة عالية، وهو «الكوميديا الإلهية». هذا ما يكتبه مينا ناجي في مقدمته للكتاب الذي ترجمه لدانتي أليجييري «عن بلاغة العامية» وفيه يذكر أنه هو الشاعر الإيطالي الأشهر، والكاتب والفيلسوف والمنظر الأدبي والمفكر السياسي الذي ألّف كتابه «عن بلاغة العامية» في السنوات الأولى من القرن الرابع عشر بعد فترة وجيزة من نفيه من مدينة فلورنسا.
وهو، أي الكتاب، التنظير الأدبي الوحيد المعروف في القرون الوسطى الذي أنتجه شاعر ممارس للأدب، مشيراً إلى أن هذا الكتاب يعد تطوراً للنقد الأدبي غير مسبوق في عصره لأنه يتناول موضوعاً شائكاً وحيويّاً هو الكتابة الأدبية والكتابة عموماً بالعامية، الموضوع الذي لم يُطرح للنقاش من قبل بشكل تنظيري ونقدي، رغم وجود شعر عامي سابق عليه.
دانتي تعامل فيه مع اللغة كنظام من العلامات، حيث هناك تواضع على صوت أو رسم يُمثل بناءً عقليّاً معيناً، في استشراف لعلم العلامات «السيميولوجيا» الذي سيظهر في القرن العشرين على يد عالم اللغويات الفرنسي فرديناند دي سوسير، وتعامله مع العاميات بصفتها كائناً عضويّاً ينمو ويتأقلم ويذوي بدلاً من رؤيتها كنظام راسخ غير زمني من القواعد، وهو جانب آخر من رؤية دانتي اللغوية التي ستجد صداها في رؤية القرن العشرين عن اللغة.
ناجي الذي يشير إلى أن هذا الكتاب / العمل الكلاسيكي للأديب والشاعر ذائع الصيت لم يُترجم إلى العربية من قبل، وقد كتبه دانتي باللاتينية التي كانت لغة العلم والدين والأدب وقتها، بجانب كونها اللغة الرسمية للتعاملات. وهي لذلك بمثابة الفصحى في العربية، ذاكراً أن دانتي كتب عملاً آخر بالعامية في الوقت نفسه تقريباً بعنوان «المأدبة» وبرر قيامه بهذا لثلاثة أسباب: قدرة العامية على معالجة موضوعه أفضل من اللاتينية، ورغبته في وصول عمله لأكبر عدد ممكن، وحب الإنسان الفطري للغته الأم، معتقداً أن دانتي شاعر مهووس بتعريف وتحديد وتقييم منجزه الشعري، كما نرى في أعمال أخرى له مثل «الحياة الجديدة» و«المأدبة» و«عن بلاغة العامية».
تطور اللغة التاريخي
في كتابه هذا، يقول المترجم، يناقش دانتي تطور اللغة التاريخي، تاريخ كل اللغات وليس الإيطالية فحسب، التي ظنَ كما هو شائع في القرون الوسطى، أنها كانت لغة واحدة خرجت من جنة عدن، طارحاً سؤالاً مفاده لماذا لم يختر دانتي اللغة العبرية ليكتب بها بديلاً عن اللاتينية بصفتها اللغة الأم والأكمل بين اللغات؟ مشيراً إلى أن دانتي في تحليله للكتاب المقدس يستنتج أن آدم قد تحدث العبرية في عدن، وذريته من بعده، حتى الانهيار والتفكك اللغوي الذي حدث وقت بناء برج بابل نظراً لغرور البشر وكبريائهم، فانحصرت العبرية في قلة بقيت تتحدث بها.
هنا أيضاً يقول ناجي إن شعراء مدرسة صقلية سبقوا دانتي في كتابة الشعر بالعامية، تأثراً بشعراء التروبادور أو الشعراء الرحالة في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا، الذين ربما كانوا أول من كتبوا الشعر بلهجات محلية في القرون الوسطى، وقال عنهم دانتي في هذا العمل إن لغتهم بلاغية وموسيقية وشعرية.
وسبق شعراء صقلية دانتي أيضاً في اختراع عامية أدبية تمزج عناصر من لهجات محلية مختلفة، وكان لهم تأثير شعري كبير عليه كما يتضح من الاقتباس المكثف لأشعارهم وتحليلها هنا، مشيراً إلى أنه بعد مضي ثلاثمئة عام من بلاغة العامية و«الكوميديا الإلهية» تم إصدار أول قاموس للغة اللامعة التي شكلها دانتي، وبعد ثلاثمئة عام أخرى أصبحت اللغة المعيارية الرسمية لدولة إيطاليا الحديثة ويتحدث بها حالياً نحو 79 في المئة من الإيطاليين بصفتها لغتهم الأولى.
كذلك يشير المترجم هنا إلى أن هذا المسار التاريخي لنشأة اللغة القومية الإيطالية وتطورها يطرح سؤالاً حول وضع اللغة العربية الآن، حيث من المعروف أن اللغة العربية تعاني من الازدواجية اللغوية، حيث توجد لغة رسمية مختلفة عن لغة الحياة اليومية، وهي تعد لغة الثقافة والكتابة، وفي مرتبة اجتماعية أعلى من الأخرى، التي تعد بدورها لغة التعاملات اليومية والحديث والتفكير. ويذكر أن هناك تغيراً جذريّاً حدث في العقدين الأخيرين في ما يخص علاقة العامية بالكتابة، جاء مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي يأتي محتواها في جانبه الكتابي على مختلف مستوياته بالعامية بشكل ساحق، ومع إصدار كتب ومقالات وبرامج تثقيفية بالعامية بشكل أكبر من أي وقت سابق، بعد انتشار تدريجي لها على مدار عقود، في رحلة ممتدة تصاعدت وتيرتها مع ظهور الهوية الوطنية ثم الدولة القومية، كلغة تواصل وكتابة بين – شخصية وكلغة للأعمال الفنية، وأيضاً لغة الخطابات الرسمية من السلطات السياسية والدينية والثقافية المختلفة.
أكثر تنوعاً
في الحالة المصرية، يذكر مترجم بلاغة العامية، هناك كتابات نثرية وشعرية ومسرحية مكتوبة بالعامية المصرية على مدار ستمئة عام، أي منذ الحكم المملوكي كما يوضح كتاب «العامية المصرية المكتوبة» لمديحة دوس وهمفري ديفيز. ويمكن أن نرى في استعراضهما لهذا التاريخ كيف أصبحت الكتابة بالعامية أكثر تنوعاً في الفترة الحديثة، حيث أنها لم تعد مقتصرة على مجال التسلية والفكاهة كما يظهر في الجزء الأول من هذا الكتاب، متسائلاً لماذا لم تتحول العامية إلى لغة قومية رسمية للكتابة والحديث مثلما حدث مع الإيطالية مثلاً من ضمن الكثير من اللغات الأخرى؟
أليجييري يرى أن اللغة العامية هي الأكثر نُبلاً لأنها كانت اللغة التي استخدمها الجنس البشري في الأصل، ولأن العالم كله يستخدمها، وإن كان بنطق مختلف واستعمال كلمات مختلفة، ولأنها طبيعية إلينا بينما الأخرى مصطنعة. ما يعلنه أليجييري هنا أن العامية الإيطالية اللامعة يمكن استخدامها بشكل مناسب لكتابة النثر كما لكتابة الشعر، ذاكراً أنه يمكن تعريف العامية اللامعة والحِبرية والبلاطية والعَدلية في إيطاليا بأنها تلك التي تنتمي إلى كل مدينة إيطالية لكنها تبدو غير منتمية إلى أي منها والتي يمكن قياس عاميات كل مدن إيطاليا ووزنها ومقارنتها بها.
في مقدمته لخص مينا ناجي ما حاول دانتي أن يفعله «في بلاغة العامية» بتقعيد عامية جديدة سيستخدمها في ما بعد في عمله الأشهر «الكوميديا الإلهية»، لتصبح بعدها اللغة الإيطالية كما نعرفها الآن، واصفاً كتاب دانتي هذا بأنه إرساء نظري لـ «أجرومية» أو قواعد نحوية للشعر العامي الإيطالي مثلما فعل أرسطو مع الشعر اليوناني في كتابه «فن الشعر» وهوراس مع الشعر اللاتيني في كتاب له بالاسم نفسه.
ويعتقد أنه بغض النظر عن مسألة هل العامية لغة أخرى أو مجرد مستوى لغوي آخر أدنى من نفس اللغة، ففي النهاية هما تجليان لغويان مختلفان، متسائلاً لماذا لم تتحول العامية إلى لغة قومية رسمية للكتابة والحديث، مثلما حدث مع الإيطالية مثلاً من ضمن الكثير من اللغات الأخرى؟ ويبدي تخوفاً ما، مرده هل ستلاقي العربية الفصحى المصير ذاته الذي لاقته اللاتينية باندثارها وتحولها إلى لغة ميتة، حين أصبحت العاميات الأوروبية المختلفة لغات مستقلة للتدوين والحكم؟
دانتي أليجييري: «عن بلاغة العامية»
ترجمة: مينا ناجي
بيت الحكمة، القاهرة 2024
137 صفحة.