واشنطن: منذ حملته الانتخابية الأخيرة وخلال العام الأول من فترته الرئاسية الثانية، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريق إدارته إلى تصوير سياسته الخارجية على أنها براغماتية ومنضبطة واستراتيجية. ويتحدث ترامب وفريقه عن “الواقعية المرنة” لسياسته الخارجية ردا على الاتهامات الموجهة إليه بأن نهجه الخارجي متهور ومندفع.
ويشير مفهوم “الواقعية المرنة”، إلى تقليد فكري ينسب غالبا إلى المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس، صاحب المقولة الشهيرة: “الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله”. وقد دفع استخدام ترامب للقوة في التعامل مع كل ما يواجه السياسة الخارجية الأمريكية من قضايا محللين بارزين إلى اعتبار الواقعية إطارا موحدا لنهج الرئيس غير التقليدي. من ناحيتها وصفت صحيفة نيويورك تايمز الواقعية بأنها “النظرية التي تمنح ترامب شيكا على بياض للعدوان”.
وفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قالت ربيكا ليسنر الباحث الزميل في السياسة الخارجية الأمريكية بمجلس العلاقات الخارجية، وميرا راب هوبر الزميل الزائر في معهد بروكينغز للأبحاث إن الحرب الأمريكية مع إيران تظهر بوضوح أن ترامب ليس واقعيا. بل إن الواقعية، عند فهمها فهما صحيحا تكشف عن المخاطر الجسيمة لنهج إدارة ترامب المنحرف في السياسة الخارجية. إن إشعال حرب إقليمية في الشرق الأوسط دون مبرر مقنع أو نظرية حول أفضل السبل لتعزيز مصالح الولايات المتحدة يتعارض تماما مع المبادئ الأساسية للواقعية. معنى ذلك أن ترامب بحربه مع إيران، تنازل نهائيا عن ادعائه بتمثيل نهج عملي وواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية، مما يفسح المجال أمام قادة سياسيين آخرين لتولي هذا الدور.
إشعال حرب إقليمية في الشرق الأوسط دون مبرر مقنع أو نظرية حول أفضل السبل لتعزيز مصالح الولايات المتحدة يتعارض تماما مع المبادئ الأساسية للواقعية
المفارقة أن المحللين وصفوا ترامب على مدار فترتي رئاسته، بالواقعي لأسباب مختلفة وفي أوقات متباينة. وقد رسخت موجة من التعليقات، خلال فترته الأولى، مكانة ترامب كواقعي تحديدا بسبب ضبط النفس الذي بدا عليه. وعلى هذا الأساس توقع الباحث البارز راندال شوانزر في تحليله المشترك مع أندرو بايرز، أن تؤدي نزعات ترامب الواقعية إلى “أكثر سياسة خارجية أمريكية ضبطا للنفس في التاريخ الحديث” خلال ولايته الثانية. وقد افترضت هذه التأكيدات المبكرة أن واقعية وحكمة ترامب ستجعله أكثر تركيزا على سياسات القوى العظمى، وهو ما اعتقد العديد من الباحثين والمحللين أنه كان غائبا عن السياسة الخارجية الأمريكية لبعض الوقت.
لكن سرعان ما خالفت السياسة الخارجية لترامب في ولايته الثانية هذه التوقعات. فمع تخليها عن كل من ضبط النفس العسكري واستراتيجية التنافس بين القوى العظمى، تحولت إدارة ترامب الحالية إلى ما تسميه “الواقعية المرنة”. ويبدو أن هذا النهج الجديد، المتجذر في مبدأ أن القوة هي الحق، مصمم لتبرير استخدام الرئيس المفرط للإكراه. فبعد أن طرحت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 الواقعية المرنة كمبدأ أساسي، وصف ترامب اعتقاله المفاجئ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني بأنه تعبير عن “القوانين الحديدية التي لطالما حددت موازين القوى العالمية”. وفي الأيام الأولى للحرب مع إيران، حاول وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث تبريرها بعبارات واقعية: “طموحاتنا ليست مثالية؛ إنها واقعية، ومحددة لمصالحنا وللدفاع عن شعبنا وحلفائنا”.
وتقول ريبيكا ليسنر التي عملت كنائب مساعد للرئيس ونائب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي في ولاية جو بايدن، وشريكتها في التحليل ميرا راب هوبر التي عملت كمساعد خاص للرئيس الأمريكي إن حرب ترامب الاختيارية ضد إيران تدحض تماما فكرة أنه الوريث الطبيعي لتقاليد السياسة الخارجية الواقعية. فبينما تدعو الواقعية إلى الانضباط، تمثل حرب إيران نقيض ذلك. فهذه الحرب تكلف دافعي الضرائب الأمريكيين ما لا يقل عن 20 مليار دولار بحلول أواخر مارس/آذار، على الرغم من صعوبة إشارة إدارة ترامب إلى أي خطر وشيك كانت تمثله إيران بالنسبة للولايات المتحدة.
كما أن هذه العملية تزيد من تورط الولايات المتحدة في منطقة صنفها ترامب نفسه كأولوية استراتيجية أقل، لا سيما بالمقارنة مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ ونصف الكرة الغربي. ويمكن أن تؤدي الضربات الأمريكية المستمرة لإيران إلى تعريض جاهزية الجيش الأمريكي على المدى القريب والمتوسط للخطر من خلال استنزاف الذخائر الحيوية ونقل الأصول الاستراتيجية الرئيسية مثل أنظمة الدفاع الصاروخي والرادارات، مما يضعف استعداد الولايات المتحدة للصراعات المحتملة مع الصين أو روسيا، بل ويؤدي إلى تآكل قدرة واشنطن على الردع.
هذه الحرب تكلف دافعي الضرائب الأمريكيين ما لا يقل عن 20 مليار دولار بحلول أواخر مارس/آذار، على الرغم من صعوبة إشارة إدارة ترامب إلى أي خطر وشيك كانت تمثله إيران بالنسبة للولايات المتحدة
كما يتناقض الصراع مع إيران مع بعض المبادئ الأساسية للواقعية. فالمفكرون الواقعيون يرفضون تغيير النظام كهدف جدير بالاهتمام. ولسنوات عديدة، بدا أن ترامب نفسه يتبنى هذا الرأي، إذ صرح خلال زيارة السعودية العام الماضي بأن “المتدخلين الغربيين” و”بناة الدول دمروا دولا أكثر بكثير مما بنوها”. ومع ذلك، كان تغيير النظام محورا أساسيا في الحجة التي ساقها ترامب لشن الحرب على إيران، داعيا الإيرانيين إلى “السيطرة” على حكومتهم عقب الهجوم الأمريكي.
علاوة على ذلك، تشير المؤشرات الأولية إلى أن الإدارة الأمريكية اندفعت إلى الصراع دون مراعاة ديناميكيات التصعيد المحتملة. كان من المتوقع أن توسع طهران نطاق الصراع بضرب جيرانها في الخليج، ومع ذلك انتظرت الإدارة أربعة أيام بعد بدء الأعمال العدائية قبل أن تأمر الدبلوماسيين الأمريكيين في المنطقة بالإخلاء. وعندما سئل ترامب عن سبب عدم إخلاء السفارات قبل بدء الضربات، أوضح أن “كل شيء حدث بسرعة كبيرة”، مما يوحي بأنه على الرغم من أسابيع من التحضير، لم تتوقع الإدارة هذه الديناميكيات. كان من الواضح أيضا أن طهران ستزيد التكاليف العالمية باستهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز وخلق أزمة طاقة، ومع ذلك بدا ترامب متفاجئا عندما ارتفعت أسعار النفط.
إن الحرب في إيران ليست الدليل الوحيد على أن ترامب ليس واقعيا. فبينما تحث الواقعية على الاستخدام الحكيم للقوة في سبيل المصلحة الوطنية، فإن سياسة ترامب الخارجية في ولايته الثانية تفعل عكس ذلك تماما. فقد نأى بنفسه عن التنافس مع الصين، ويبدو أنه يسعى بدلا من ذلك إلى سلام تجاري مع بكين. وفي الوقت نفسه، تضاءلت قدرته على الحفاظ على الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بسبب حرب إيران وما ترتب عليها من استنزاف للعتاد العسكري والجاهزية.
قد يعتقد ترامب أن القوة هي الحق، ولكن بقدر ما تتوافق إدارته مع أي نظرية واقعية، فإن ذلك يكمن في تجاهلها الصارخ للتحذير الدائم للواقعية بأن على القوى المهيمنة تجنب التوسع المفرط المكلف.
هنا تكمن الفرصة لأولئك الذين يعارضون حرب ترامب، وكذلك للسياسيين وصناع القرار الذين سيأتون بعده. هناك رغبة شعبية حقيقية في تبني نهج أكثر انضباطا وعملية في السياسة الخارجية الأمريكية. فحرب ترامب ليست متهورة لمجرد تجاهلها لصلاحيات الكونغرس، أو القانون الدولي، أو قيمة التعاون مع الحلفاء، لكنها عمل متهور لأنها تجسد الانفلاتات العسكرية التي يعارضها الأمريكيون باستمرار بسبب آثارها المدمرة على القوة الأمريكية.
(د ب أ )