حديث الإدارة الأمريكية منذ أيام عن احتمال أن يكون رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف طرفا مقبولا أو موثوقا في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب ما هو بالحديث الجديد. فقد كان قاليباف ورئيس مجلس الأمن القومي السابق علي لاريجاني على رأس قائمة الساسة الإيرانيين الذين «تخيل» مسؤولو البيت الأبيض، منذ بدء الحرب، بأنه ربما أمكن فتح قنوات اتصال معهم لأنهم يُنعتون بالبراغماتية، ولهذا لا يستبعد إمكان التوصل مع أحدهم إلى «صفقة»، حسب التعبير المحبب لدى ترامب.
وكان علي لاريجاني، الذي تركز عليه اهتمام الإعلام الغربي في الفترة التي سبقت اغتياله، قد نفى أول هذا الشهر مزاعم الإدارة الأمريكية بأنه سعى إلى التفاوض معها. أما اللافت فهو أن أحد وجوه هذا الاهتمام الإعلامي إنما كان متعلقا بجانب متميز في شخصية لاريجاني، ونادر بين ساسة العالم المعاصر شرقا وغربا، وهو أنه عارف بالفكر الأوروبي، وخصوصا بفلسفة إيمانويل كانط. ويبدو أن التعجب من المفارقات في سيرة لاريجاني هو أهم دوافع هذا الاهتمام: إذ كيف يمكن لمن أمضى سنوات من عمره في دراسة أفكار فيلسوف التنوير والرشد والاستقلالية، وفي عِشرة جنتلمان الدقة والاستقامة ومشّاء النزهة اليومية في الميقات المعلوم الذي يضبط عليه سكان مدينة كونيغسبرغ ساعاتهم، أن يكون أحد قادة نظام موغل في القمع، بل وأن تتجه إليه أصابع الاتهام بالمسؤولية عن تقتيل آلاف المدنيين أثناء الانتفاضة الشعبية في يناير الماضي؟
جواب الباحث السويسري رومان سيدل، الذي نشر عدة دراسات عن الفلسفة في الثقافة الإيرانية كانت أُولاها دراسة بعنوان «كانط في طهران»، هو أن كتابات لاريجاني حول كانط قد تركزت على فلسفته النظرية حصرا: حيث نشر كتابا عن فسلفة الرياضيات عند كانط، وكتابا عن كانط والعلوم الطبيعية، وآخر عن الأحكام التأليفية القبْلية عند كانط. أما فلسفة كانط العملية، وخصوصا فلسفة الأخلاق، فإنه لم يكتب عنها شيئا، ولو أن من شبه الأكيد أنه كان عارفا بمؤلفاته الأخلاقية الشهيرة «أسس ميتافيزيقا الأخلاق»، و»الأمر الواجب» (أو الواجب الأخلاقي المطلق)، و»رسالة عن السلام الدائم». واستنتاج الباحث السويسري أن من الواضح أنه لم يكن لهذه النصوص الكانطية أي دور توجيهي في حياة لاريجاني السياسية أو في آرائه عن الحكم الرشيد.
أحد وجوه هذا الاهتمام الإعلامي إنما كان متعلقا بجانب متميز في شخصية لاريجاني، ونادر بين ساسة العالم المعاصر شرقا وغربا
ويؤكد سيدل أن لاريجاني ليس بدعا من المثقفين الإيرانيين في مجال المعرفة بالفلسفة الغربية. ذلك أن عالم الدين الفيلسوف مرتضى مطهّري قد نجح، منذ ما قبل ثورة 1979، في إشاعة الاهتمام بالفلسفة الأوروبية في إيران، بالاقتران مع تجديد البحث في تاريخ الفلسفة الإسلامية. ولكن بينما كان بعض المثقفين الإيرانيين يرون، رغم شدة انتقاداتهم للاستعمار الغربي، في الفلسفة الأوروبية وسيلة لتسييس الإسلام الشيعي، فإن مطهري قد بلور أطروحات فلسفية ناقدة وناقضة لمجمل الفكر الغربي. وقد كان لاريجاني ينتمي إلى دائرة الطلاب المقربين من مطهري، مَثَلُه مثَلُ أستاذه غلام علي حداد عادل الذي أشرف على أطروحته عن كانط في جامعة طهران والذي أنجز ترجمة لكتاب كانط «مقدمات لكل ميتافيزيقا مستقبلية».
ومن اللافت أن الاهتمام الأصيل بكانط، بناء على الدراسة التفصيلية لنصوصه، لم يبدأ إلا بعد ثورة 1979 وشمل ترجمة جميع أعماله، بدءا بالترجمة المميزة التي أنجزها أديب سلطاني لكتاب «نقد العقل الخالص». ذلك أن الموقف الفكري والسياسي الذي ساد في إيران منذ الثورة هو القول بوجوب تكوين نخب فكرية قادرة على دحض أسس الفلسفة الغربية. وتعود الريادة في هذا المجال لمطهّري ولأستاذه العلامة محمد حسين طبطبائي اللذين تعاونا في تأليف كتاب ضخم وضعا فيه أهم أعلام الفكر الأوروبي، من ديكارت حتى هيغل وماركس، على محك النقد الفكري. ويتمثل رد طبطبائي ومطهري على الماركسية وعلى المثالية الكانطية في بلورة تيار فلسفي واقعي مستمد من تاريخ الفكر الإسلامي، وفي إثبات عُلوية الفلسفة الإسلامية، خصوصا في تجلياتها الأخاذة عند فيلسوف القرن 11 الهجري صدر الدين الشيرازي.
هذا ولست أعلم، غير لاريجاني، مسلما مختصا في الفلسفة تولى أحد أعلى المناصب السياسة في بلاده إلا الوزير الأول التونسي الأستاذ محمد مزالي رحمه الله. ولو كان الأمر يتعلق بالعرب تحديدا، لَثَنَّيْتُ بذكر تلميذ ألفرد نورث وايتهيد ومارتن هيدغر الفيلسوف شارل مالك الذي تولى وزارتي التربية والخارجية في لبنان، وأسهم عام 1948، لما كان سفيرا لبلاده لدى الأمم المتحدة، في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
كاتب تونسي