إذا أردنا الحديث عن أن الراوي هو قناع الكاتب، فإن التنويع في اختيار الرواة داخل النص السردي الواحد يمكن رده إلى أن الكاتب قرر تبديل هذه الأقنعة، حسب الحاجة، الفنية أو السردية، أو حسب بنية العلاقات بين مكونات نصه، أو يمكن أن تكون من أجل غايات رمزية فكرية ما، وهنا لن نخوض في بوليفونية، أو غيرها من النظريات فالحديث معها يطول، فما الغاية من هذه الانتقالات وهذا التنويع في رواية «منام القيلولة» (دار العين 2025) لأمين الزاوي!
هي رواية جزائرية، تبدأ مع الثورة وتنتهي مع سيطرة الإسلاميين، بل هي تبدأ مع مشهدٍ من بدء مرحلة سيطرتهم، وتعود بالزمن لتخبرنا القصة من أولها، وهي قصة عائلة عادية، من قرية عادية، كأعنان وينبو، ومدينة معروفة هي وهران، تبدأ الرواية مع خبر مقتل عبد القادر المخ، والتوعد بالأخذ بالثأر، ولكننا نعود مباشرةً إلى البدايات…
لالة مسعودة، وزوجها حميد النوري المحب للحياة والبهجة، الذي ينضم إلى الثوار، ويتهمه سليمان الأعوج بأنه من الخونة، لأنه كان يحب مسعودة وأراد الثأر لعواطفه، إشكالية تبدو بسيطة وعادية، ولكنها بالفعل الأساس في كل ما سيحصل، فسليمان يلقى مصيرا غير متوقع، على يد مسعودة، ولأن الأولاد رأوا ما فعلت، إدريس وعبد القادر وحليمة، نعرف في ما بعد أن ما حل بهم ليس مصادفة. فإدريس الذكي يفقد عقله وذاكرته، وتصبح السيطرة عليه مستحيلة، وحليمة تهرب إلى وهران وتتزوج، أما عبد القادر «المخ» فالقصة كانت دائما تعود إليه، وهو الذي كان يريد أن يصبح رئيسا للجمهورية.
قصص الشخصيات جميعها عادية، لأناس عاديين، إدريس الذي حمل السكين وأراد الاعتداء على أخته، والذي يعتدي ولا يتوقف حتى مع وجوده في المصحة، وحليمة التي تتزوج من رجل نعرف أنه اعتدى على أطفال وقرر الانضمام إلى «الجماعة» وأصبح واحدا منهم أو أكثر من ذلك، وظهور شخصيات مثل زبيدة، أو مليكة فرحاني (وزوجها…) وبنعلال الرومي وعلاقته بسيمون بلانش، وعبد القادر الذي يُطرد من مدرسة تكوين المعلمين، وعودته إلى ينبو ليصبح رئيسا لبلديتها… وصديقيه اللذين نعرف عنهما سريعا في مشهد الرواية الأخير… أقول إنها قصص متوقعة، لأن الرواية في زمانها وأمكنتها قررت أن تخوض في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد، فالقتل والأمراض النفسية والخيانة، حتى الحب والوفاء، والهروب والخوف… كلها حضرت مع كل شخصية وكل علاقة.
تنقل السرد بين الراوي، وحليمة وعبد القادر، وغيرهما، ولكن معهما بشكل كبير، في البداية يبدو الأمر خللًا، ولكن يظهر في ما بعد أنه مقصود، ولأنه لم يشكل عائقا أمام الفهم وأمام ملاحقة الأحداث، فإن التفكير بأمر قرار الكاتب الإبقاء عليه، أو لماذا قصده بالفعل، يضع المتلقي أمام سؤال مشروع، وهنا أعود إلى فكرة الأقنعة، خصوصا أن الشخصيات جميعها، اشتركت في حالات نفسية، أو أمراض، أدت بها إلى خيارات في الحياة أوصلتها إلى مصائر جديدة، ولا يقل شأنا من هذه التنويعات، تصوير بعض التفاصيل بشكل غير طبيعي، كالتين المربع، والأرانب الحمر الوحشية المخططة، والحسن والحسين… هذه حالات ظهرت سريعا، ولكنها كانت مقصودة، لأن منام القيلولة يشوه لأنه يتأثر بالضوء، أو هكذا قالت الرواية.
طرحت الرواية مسائل أو قضايا كثيرة، كالثورة ولمن الحق بتقرير مصير الخائن، والتشدد الإسلامي والمصائب التي تترتب عليه اجتماعيا وسياسيا، وطرحت مسائل الحالات النفسية وكيفية التعامل معها في بلادنا، كما طرحت مسألة تحول المدن والبلاد، لأن المصادفات ليست هي التي تحول المدن من جنات إلى بؤَر فساد وعشوائيات، وليس أوضح من مسألة المخبزة ورحيل سيمون بلانش ومن بعدها بنعلال، ومعه إغلاق الحديقة التي جعلتها الرواية تعبر عن حرية ما، وتوافد أبناء الأرياف وانتشارهم فيها وحولها، من أجل نشر الوعي والدين! أما مسائل مثل الميول الجنسية التي ظهرت عند زبيدة، فأجد أنها أقحِمت على النص، ولو رد الأمر إلى حال نفسية ما لدى حليمة، لكان مقبولا أكثر.
رواية «منام القيلولة» تحمل هاجس المثقف الذي لا يتوانى عن مساءلة التاريخ بشتى الوسائل، وهنا يحاول أمين الزاوي الخوض في الحالات النفسية التي غيرت حياة إدريس العائد في نهاية الرواية لينتقم، وغيرت حياة حليمة بعدما هربت منه، وحياة عبد القادر التي توهمنا الرواية بأنه قد يكون إدريس نفسه، وأسباب وصولهم إلى تلك المشكلات، وهي «القتل»، فمسعودة كانت مبتسمة عندما قتلت سليمان، ولعل ملامح وجهها هي الأقسى والأكثر تأثيرا على حياة أبنائها، وليس هؤلاء إلا صورة مصغرة عن مجتمع حلم بالحرية والاستقلال، ولكن جاءته تلك الحرية بعد موت كثير، وبعد خطط جعلت «الصهر» والصديقين، يقتلان كما قتلت الأم، وهذا الخلل هو الأساس الذي أرادت الرواية التركيز عليه، للعودة إلى أساس المشكلة، فالمجتمع بعد التحرير بُنيَ على هذا!
تنوعت الأصوات وتداخلت داخل فصول الرواية، القصيرة نسبيا، وإن طال بعضها قليلا، وغير الزاوي أقنعة كثيرة كي يعبر عن كل الأفكار والقضايا التي تزاحمت في عقله، نجح في تنقل الأصوات ولم يظهر ذلك خللا، بل مقصدا بسبب الحال المسيطرة عليه، ولكن كثرة التفاصيل والعلاقات وتشعبها، هو ما أثقل النص فنيا، وجعل من بعضها يبدو متوقعا وعاديا.
كاتب لبناني