بغداد ـ «القدس العربي»: نفت الولايات المتحدة، الخميس، استهداف الجيش العراقي، معتبرة ذلك «ادعاءات كاذبة وتتعارض مع الشراكة الأمريكية العراقية»، وذلك في وقتٍ تعرض فيه مقر أمني تابع لـ «الحشد الشعبي» في صلاح الدين ومطار عسكري مهجور في الأنبار، إلى قصف جوي، من دون تسجيل خسائر بشرية.
يأتي ذلك بعد يومٍ واحد من تعرض قوات الجيش العراقي لهجوم جوي استهدف قاعدة الحبانية المشتركة مع قوات «الحشد»، راح ضحيته 7 قتلى وعشرات المصابين.
«بشكل قاطع»
وأكّد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، لوكالة «فرانس برس» أن «أي ادعاءات» بأن واشنطن استهدفت قوات الأمن العراقية «كاذبة بشكل قاطع»، وذلك غداة غارة على مستوصف عسكري في غرب العراق خلّفت سبعة قتلى.
وقال المتحدث إن «أي ادعاءات بأن الولايات المتحدة استهدفت قوات الأمن العراقية هي ادعاءات كاذبة بشكل قاطع، وتتعارض مع الشراكة الأمريكية العراقية، وتسيء إلى سنوات طويلة من الصداقة والتعاون بين القوات الأمريكية والعراقية».
ولم تتهم الحكومة العراقية الولايات المتحدة بشكل مباشر بشنّ الغارة على المستوصف العسكري، غير أنها اعتبرت الاستهداف «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي في كل توصيفاته ومحدداته ضمن العلاقات بين الدول وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة الأمريكية».
كما وجه رئيس الحكومة، محمد شياع السوداني، وزارة الخارجية باستدعاء القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة وتسليمه «مذكرة احتجاج رسمية شديدة اللهجة تتضمن موقفنا الثابت والصلب في حفظ السيادة العراقية، وما يدين التصرفات غير المسؤولة التي بلغت مبلغ الجريمة».
والخميس، أفاد مصدر أمني في صلاح الدين، بأن طائرات حربية استهدفت مقر الفوج الأول في اللواء 63 التابع «للحشد» في قضاء آمرلي شرقي المحافظة.
ووفق المصدر فإن «الهجوم وقع في مناطق محددة ضمن الفوج الأول في اللواء 63، وتقوم فرق الأمن العسكري برصد الأضرار وتأمين المنطقة لمنع أي تصعيد محتمل».
وأشار إلى أن «القصف لم يخلف خسائر بشرية أو أضراراً مادية حسب المعلومات الأولية»، مؤكداً أن «الجهات المختصة باشرت متابعة الحادث والتحقق من أسبابه».
في حين ذكر مصدر أمني آخر بأن منشأة عسكرية مهجورة في عمق صحراء الأنبار تعرضت إلى قصف جوي مجهول المصدر، دون وقوع خسائر بشرية.
وطبقاً للمصدر ذاته فإن «مطاراً عسكرياً كان مخصصاً سابقاً لتصنيع الطائرات المسيرة، ويقع خلف مقر اللواء الـ 79 على بعد نحو 90 كيلومتراً شرق قضاء الرطبة، تعرض لضربة جوية غامضة».
وأوضح أن «المطار المستهدف متروك منذ فترة طويلة ولا يشهد أي نشاط بشري أو عسكري حالياً»، مؤكداً أن الاستهداف لم يسفر عن أي إصابات أو أضرار مادية تُذكر جراء خلو الموقع من المعدات والأشخاص». وفتحت حادثة الحبانية الباب واسعاً أمام المطالب البرلمانية بتنويع مصادر تسليح قوات الأمن العراقية، إذ كشفت النائبة علا عودة، عن تحرك نيابي سابق يعود إلى عام 2024، تم خلاله جمع أكثر من 100 توقيع لإلزام الحكومة بالتعاقد على منظومات دفاع جوي متطورة، من بينها منظومة (أس 400) الروسية، مبينة أن «ما يحدث اليوم يؤكد صحة تلك المطالبات».
خسائر متكررة
وأفادت في تصريح للصحيفة الحكومية بأن «تجاهل هذا الملف في وقت سابق أسهم في استمرار الانتهاكات، ما يتطلب اليوم الإسراع باتخاذ قرارات حاسمة لتسليح الجيش والقوات الأمنية بأحدث الأنظمة الدفاعية».
وأضافت أن «تكرار استهداف القوات الأمنية والحشد الشعبي، في ظل غياب منظومات دفاع جوي متكاملة، أدى إلى خسائر متكررة»، مؤكدة أن «المرحلة الحالية لا تحتمل التأجيل، بل تستوجب تحركاً فورياً لحماية الأجواء العراقية ومنع تكرار هذه الاعتداءات».
قصف مقر أمني ومنشأة عسكرية مهجورة في صلاح الدين والأنبار
وعلى الصعيد ذاته، حذر النائب عزيز ناصر، من خطورة استمرار هذه الضربات، معتبراً أنها تأتي ضمن سياق «تصعيد إقليمي أوسع» قد يجر العراق إلى دائرة صراع مفتوح، مشيراً إلى أن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافياً.
ودعا الحكومة إلى «اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية القوات الأمنية ومنع استهدافها داخل مواقعها».
وأضاف أن «العراق حاول مراراً النأي بنفسه عن الصراعات، وعدم تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات، إلا أن تكرار الضربات الجوية يفرض واقعاً جديداً يتطلب تحركاً عملياً يحفظ السيادة ويمنع استهداف المقاتلين داخل مواقعهم». وبين أن «ضربة الحبانية تمثل نقطة تحول في التعاطي مع ملف الأمن الجوي، وسط تصاعد المطالبات البرلمانية بتسريع التعاقد على منظومات دفاع متطورة، وفرض إجراءات صارمة تضع حداً نهائياً لانتهاك الأجواء العراقية، بما يعزز قدرة الدولة على حماية أراضيها ومؤسساتها الأمنية».
وقفة احتجاجية
ولا تزال حملة الإدانات السياسية والشعبية على الحادثة متواصلة، إذ شهدت محافظة البصرة وقفة احتجاجية نظمها تجمع علماء البصرة بالتعاون مع عدد من أعضاء مجلس النواب للتنديد بـ«الاعتداءات المتكررة» على قوات الجيش و«الحشد الشعبي»، والمطالبة بإخراج القوات الأمريكية من العراق وتفعيل قرار البرلمان بهذا الشأن.
وأكد المشاركون في الوقفة ضرورة تعزيز قدرات الجيش العراقي و«الحشد الشعبي»، مشددين على أهمية «حماية السيادة الوطنية ومنع تكرار استهداف القوات الأمنية».
وقال الأستاذ في الحوزة العلمية عبد المنعم المشكور، إن «الوقفة جاءت انطلاقاً من المسؤولية الشرعية والوطنية»، معتبراً أن «العراق يواجه تحديات تهدد وجوده»، داعياً إلى «عدم الوقوف موقف المتفرج إزاء ما يجري في المنطقة».
وأضاف أن «البيان الصادر عن الوقفة طالب بتسليح حقيقي لقوات الجيش والحشد واتخاذ إجراءات رادعة بحق المدانين بقضايا الإرهاب، فضلاً عن المطالبة بإخراج القوات الأجنبية والسفير الأمريكي من البلاد».
في السياق، أدان النائب عن البصرة عباس حيال، العدوان على الجيش و«الحشد الشعبي»، مؤكداً أن «المرحلة الحالية تتطلب إعادة النظر في تسليح قوات الجيش والحشد والاستعداد لمواجهة تحديات محتملة في ظل استمرار التوترات الإقليمية».
وأشار إلى أن «نسخة من بيان الوقفة تم تسليمها إلى أعضاء مجلس النواب تمهيداً لرفعها إلى رئاسة البرلمان والحكومة الاتحادية».
واعتبر الباحث الإسلامي علاء البصري أن «وجود القوات الأمريكية في المنطقة يمثل مصدر توتر»، مطالباً الحكومة بـ«تفعيل النصوص الدستورية التي تنظم وجود القوات الأجنبية والعمل على دعم القوات الأمنية العراقية وتعزيز قدراتها إلى جانب الدعوة لإخراج السفارة الأمريكية من بغداد».
يحدث ذلك فيما زار وفد عسكري من وزارة الدفاع، الخميس، مصابي حادثة مستوصف الحبانية، بتوجيه من السوداني، مؤكداً اتخاذ الإجراءات القانونية بشأن الحادث.
وقال مدير الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة، اللواء الطيار تحسين الخفاجي، للوكالة الحكومية، إن «وفداً ممثلاً عن القائد العام للقوات المسلحة، وصل إلى مستشفى الرمادي للاطلاع على حالة المصابين وتقديم تحيات القائد العام إلى المصابين، مع مكافأة مالية والاطمئنان على صحتهم وعودتهم سريعاً إلى العمل»، مستدركاً: «إننا توجهنا إلى مقر الحادث وشاهدنا حجم الدمار الكبير الذي لحق بمستوصف طبي تابعٍ للجيش العراقي، وهو ضمن موقع آمرية الحبانية التابعة لقيادة طيران الجيش ووزارة الدفاع».
وأشار إلى أن «الاستهداف أسفر عن إصابة 30 شخصاً، بينهم حالات حرجة، و5 شهداء من مديرية الأشغال العسكرية، وهم مهندسون وفنيون يقومون بتقديم الخدمات الفنية إلى وحداتنا الموجودة في الحبانية».
إجراءات مناسبة
وأوضح أن «العدد الرسمي من المصابين جراء حادث القصف هو 23 مصاباً من القوات الأمنية، لكن ارتفع العدد نتيجة إصابة عدد من منتسبي الدفاع المدني والشرطة بحالات اختناق وإصابات أثناء قيامهم بعمليات الإنقاذ».
ولفت إلى أن «الوفد سيزور عوائل الشهداء بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة»، متقدماً بالشكر إلى «الكادر الطبي الموجود في مستشفى الرمادي ومستشفى الفلوجة بعد إنقاذ أرواح كثيرة من المصابين».
وأكد الخفاجي قائلاً: «سنتخذ الإجراءات المناسبة التي تتفق مع القوانين والأعراف الدولية بعد استهداف هذه الوحدات، وهناك عمل كبير في مجال متابعة هذه الحالة».
وبشكلٍ يومي، تواصل الفصائل العراقية المنضوية في ائتلاف «المقاومة الإسلامية» تنفيذ عشرات الهجمات التي تستهدف «مواقع العدو» في داخل وخارج العراق.
وأعلنت «المقاومة الإسلامية في العراق»، الخميس، تنفيذ 23 عملية استهدفت قواعد أمريكية في العراق والمنطقة خلال 24 ساعة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقالت الفصائل في بيان إن «العمليات نُفذت عبر عشرات المسيّرات والصواريخ، دون الكشف عن طبيعة الأهداف أو نتائج الاستهداف».