الاغتيالات المستهدفة.. سياسة أمريكية مكشوفة في مواجهة إيران


واشنطن – القدس العربي: حذرت الناشطة الأمريكية ميديا بنجامين والكاتب نيكولاس ديفيز من أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة “خطيرة وغير مسبوقة” في اعتماد سياسة الاغتيالات المستهدفة، لا سيما في ظل تصاعد التوترات مع إيران، بعد أن كانت هذه العمليات تُنفذ سرًا وأصبحت اليوم علنية ومبرَّرة سياسيًا.

وأشار الكاتبان في مقال منشور على منصة كومن دريمز إلى أن الضربات الجوية التي نفذت يومي 17 و18 مارس/آذار الجاري وأسفرت عن مقتل مسؤولين إيرانيين بارزين تمثل ذروة هذا التحول في العقيدة الأمريكية تجاه استخدام الاغتيالات كأداة رسمية للسياسة الخارجية.

وشملت تلك العمليات اغتيال كل من علي لاريجاني، واللواء غلام رضا سليماني، إضافة إلى وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، في ضربات وُصفت بأنها “دقيقة”، لكنها أودت بحياة مدنيين في الأبنية المحيطة.

وأشار المقال إلى أن الصاروخ الذي استهدف لاريجاني دمّر مبنى سكنيًا بالكامل، ما أدى إلى مقتل أكثر من مئة مدني، في وقت أعلن فيه وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس توسيع صلاحيات الجيش لتشمل اغتيال أي مسؤول إيراني رفيع متى ما سنحت الفرصة.

ضربة لفرص السلام

يرى الكاتبان أن اغتيال لاريجاني، الذي عُرف بدوره في المفاوضات الدولية منذ عام 2005، يُضعف بشدة فرص التوصل إلى تسوية سياسية بين طهران وواشنطن وتل أبيب، بل وقد يعكس غياب أي نية حقيقية للدخول في مفاوضات.

كما طرح المقال احتمالًا آخر أكثر خطورة، يتمثل في أن تكون إسرائيل قد استهدفت شخصيات “براغماتية” داخل إيران عمدًا، بهدف إغلاق أي مسار دبلوماسي ودفع الصراع نحو مزيد من التصعيد.

توسيع دائرة الحرب

وتلا هذه الاغتيالات هجوم إسرائيلي واسع على حقل جنوب فارس للغاز، الأكبر عالميًا، ما دفع إيران إلى الرد بضربات صاروخية طالت منشآت طاقة في إسرائيل ومنطقة الخليج، بما في ذلك أضرار جسيمة في منشآت الغاز في قطر.

ونقل المقال عن مصادر أمريكية، بينها صحيفة وول ستريت جورنال، تأكيدها أن الهجوم على الحقل تم بالتنسيق مع واشنطن، رغم نفي الرئيس دونالد ترامب.

نمط متكرر وتصعيد متعمد

بحسب محللين، فإن إسرائيل تتبع نمطًا واضحًا يقوم على تصفية الشخصيات المعتدلة داخل إيران واستهداف البنية التحتية الحيوية، بهدف جرّ المنطقة إلى حرب أوسع يصعب احتواؤها.

ورغم الجدل حول مدى توافق واشنطن مع هذا النهج، يؤكد المقال أن الولايات المتحدة لا يمكنها التنصل من المسؤولية، باعتبارها شريكًا رئيسيًا في هذا التصعيد.

جذور السياسة الأمريكية

ويعود المقال إلى جذور هذه السياسة، مشيرًا إلى أن الاغتيالات كانت محظورة رسميًا بموجب الأمر التنفيذي 12333، الذي يمنع أي جهة حكومية أمريكية من تنفيذ أو التخطيط لعمليات اغتيال.

وقد جاء هذا الحظر بعد تحقيقات لجنة “تشيرش” في سبعينيات القرن الماضي، التي كشفت عن محاولات اغتيال استهدفت قادة دوليين مثل فيدل كاسترو وباتريس لومومبا.

لكن بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، بدأت واشنطن تدريجيًا في تجاوز هذه القيود، خاصة خلال حربي أفغانستان والعراق، حيث توسعت عمليات “القتل أو الاعتقال” التي قادها وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد.

عصر الطائرات المسيّرة

ومع إدارة باراك أوباما، شهدت هذه العمليات توسعًا كبيرًا عبر استخدام الطائرات المسيّرة، ما جعل “القتل المستهدف” ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية، رغم سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

ويشير المقال إلى أن هذه العمليات، التي غالبًا ما استهدفت أشخاصًا أو مواقع خاطئة، ساهمت في تأجيج العداء الشعبي، خاصة في أفغانستان، ومهدت لعودة حركة طالبان إلى السلطة.

واقع جديد أكثر خطورة

اليوم، يرى الكاتبان أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمضيان نحو مرحلة أكثر خطورة، حيث لم تعد هناك محاولات لإخفاء هذه العمليات، بل يجري الترويج لها علنًا تحت شعارات “الردع” و”الفتك العسكري”.

ويحذّر المقال من أن هذا النهج يقوّض النظام القانوني الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، ويحوّل الاغتيال خارج إطار القانون إلى أداة اعتيادية في السياسة الخارجية.

خيار حاسم

ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة تقف أمام خيار مصيري: إما الاستمرار في نهج “العنف غير المقيد”، أو العودة إلى الدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي.

وفي ظل عالم يتجه نحو تعددية قطبية، يحذر المقال من أن الإصرار على استخدام القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية للحفاظ على الهيمنة قد يقود إلى مزيد من الفوضى.

ويختم بالتحذير من أن هذا المسار لا يهدد فقط الاستقرار الدولي، بل قد يصبح مسألة بقاء بالنسبة للعالم بأسره.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *