مثل صدمة، مثل حقيقة انكشفت فجأة ، ظهر جورج س. سكوت في مطلع الفيلم، مؤدّيا دور الجنرال الأمريكي جورج باتون. أول ما قاله سْكوت عن لسان الجنرال محقّق الانتصارات في الحرب العالمية الثانية إن: الجندي الشجاع ليس هو الذي يموت في سبيل وطنه، بل الذي يدع الجندي الشجاع الآخر، الذي هو عدوّه، أن يموت في سبيل وطنه. بدا ذلك لنا، نحن الحاضرين في سينما الكابيتول، مضادّا لكل الأدبيّات التي تلقيناها عن الحرب، حيث تُمجَّد الشهادة ويُعلى شأن جنديّها المقتول.
وقد تجاوز تأثير تلك الصدمة فترة مشاهدتي الفيلم، لتظلّ سنوات مصحّحةً أخطاء طغت على فهمي، مشيرة إلى عمق المسافة الفاصلة بين ما ندعو له، وما نريد حصوله بالفعل (طالما أننا، في الحقيقة، نريد ان يرجع المقاتل إلينا حيّا لا شهيدا).
وها هوالصيني سون تزو، بعد ما يزيد على 2500 سنة على نشر كتابه، يفاجئنا من جديد. ذاك أنه، كمحارب هو أيضا، أحبّ ان تخلّد أفكاره عن القيادة في القتال. فبدل ما عرفناه عما انتهت إليه الحروب من مجازر وإبادات وجعْل «أعاليها أسافلها»، نقرأ تزو يقول، إن فنّ الحرب يتمثّل «في تجنّب الحرب من الأساس، والوصول إلى التسويات، من دون أن يُسبَق ذلك بمواجهات دامية، وإخضاع العدوّ بلا قتال». كما أنه، وهو ، كمحارب، غالبا ما يتكلّم من موقع المنتصر في أغلب المعارك التي خاضها، يقول إن استلام البلاد المهزومة سالمة أفضل من تدميرها، وأسر جيش العدو أفضل من تركه ميّتا في أرض المعركة. وهو دعا إلى أن يُمنح الجيش المنكسر منفذا للخروج، أو الهرب، حيث حفظ ماء وجهه أفضل من تحطيمه كاملا».
حسب عنوان الكتاب، «الحرب هي فنّ وليست مجرّد قتال وسفك دماء»، وهو لذلك لم يهمل جانبا واحدا مما تتطلّبه الحرب، ابتداء من تحلّي قائدها بالتسامع والصرامة في الوقت نفسه. كما أنه أضاف إلى صفات القائد إدراكه لما يبقي جنوده متراصّين متآلفين، مدركا أن إطالة وقت الانتظار لبدء المعركة قد يشتّتهم ويعيل صبرهم.
في كل جانب من المواجهة القتالية وضع سون تزو ما يشبه الوصايا المفنّدة، ذاهبا دوما إلى تعيين كل بند منها بترقيمه، على نحو ما يجري في تعداد بنود القوانين والدساتير. كان هذا مقصده على كل حال: أن يكون كتابه دستورا للحرب تأخذ به قادة الجيوش مع توالي الأزمنة، وصولا إلى زمننا هذا. أقصد هنا تقسيمه كتابه فصولا يبدأ أولها بوضع خطّة المعركة، ثم كيف ينبغي أن يجري الإعلان عن قرار الحرب حيث ينصح، مخاطبا من سيتولى قيادتها: «حاول الابتعاد ما أمكن عن حصار أي مدينة أو موقع للعدوّ، لأن ذلك من شأنه إرهاق قوّاتك، وفقدان روح الحماسة لديهم واسترخاؤهم عن القتال».
نقرأه في فصول أخرى داعيا إلى الإلمام بفنون الخديعة، تلك التي نجدها متضاربة مع كلامه عن الإقدام والشجاعة. فها هو يقول: «إعمل على أسر جنود العدو والمحافظة على حياتهم، وتأمين كل حاجاتهم الإنسانية». ثم، في ما خص النتيجة المتوخّاة من كل حرب، ينصح: السيطرة الكاملة على مناطق العدو، والاحتفاظ بها من دون تخريبها أو تدميرها، لأن ذلك، حسبه «يخرج عن أخلاقيات المقاتل الشجاع وأدبياته».
تلتقي في شخص سون تزو إذن ميزتان هما على الأرجح لا تتعايشان عند سواه من المحاربين. ربما كان ذاك التوافق بين الرحمة والفظاعة سائدا في زمنه، بخلاف ما صار إليه الحال بعد ذلك. في الحروب الممتدة التي شهدناها، ولا نزال، لم تظهر المسامحة عن نفسها في أي من المعارك التي قضى فيها الآلاف، مقاتلين ومدنيين. تلك الحروب، حسب وصايا ذاك الصيني القديم، لا مكان فيها للشجاعة المدّعاة. هي حرب أميّة كما كان يمكن أن يقول عن الحرب، التي نعيشها الآن، على الرغم من التقدّم الهائل في قدرة الأسلحة على التدمير. دراسته عن كيف يجب أن يجري اختيار أرض المعركة، في الأماكن المرتفعة، أو في المنبسطات المحاذية للجبال، أو أن تكون رملية أو صخرية، أو أي الفصول هي الأوفق لبدء القتال، إلخ. لم يعد لكل ذلك من لزوم، إذ يبدو أن الحرب الجديدة تكاد تقضي على أكثر ما تحتويه المدن، من دون أن يخرج قائد أو جنديّ من مكانه.
دستور سون تزو، الذي ظل معمولا به طوال الأزمنة، بات في حاجة إلى تجديد، أو إلى إرفاقه بملاحق تأخذ في الاعتبار كيف أن الأسلحة باتت تحتاج إلى موظّفين وليس إلى جنود.
*كتاب سون تزو «فنّ الحرب» عرّبه ودرسه علي شيريم راجعه وحققه علاء الحلّي صدر عن دار الرافدين في165 صفحة.