دخلت الكاتبة المغربية ليلى سليماني الحائزة جائزة فونكور الفرنسية لسنة 2016 برواية «أغنية ناعمة» الفضاء الأدبي والثقافي الفرنسي من بابه الكبير، حينما صوّرت هشاشة العلاقات الاجتماعية ومأساة الأسرة البورجوازية المفككة، وسط متطلبات واقع معاصر متشعب تنحصر أساسا بين حاجات العائلة كعنصر قيد وعزلة، وضرورات العمل كعنصر تحرر وانفلات، حتى تجاوزت مبيعات العمل 500 ألف نسخة في فرنسا وحدها. غير أنّ عملها السيري الفرنسي التالي «عطر الأزهار في الليل» (2021)، تخلّى عن النقلة المزعزعة التي عوّلت عليها في البداية، واستند إلى التأمل بدل العقدة، والعزلة بدل المواجهة، والتعويل على الفن بدل الأدب، والوصف بدل السرد، والشخص (الكاتب) بدل الشخصية (الدور). بدأت ترتيبات الأوصاف والمعطيات بخطة سلمية متآلفة (من دون صراع) بينت مقدار فهم الحياة والمتطلبات الفرنسية، ووضحت اندماج الكاتبة بإدماجها لمفاهيم عربية مغاربية بلغة فرنسية مستساغة، حيث تعمدت التورط النسبي في ضرورات فرانكوفونية، ثم الخروج من المحيط الفرنسي – في نهاية المطاف -إلى معانقة مذكرات البندقية، وأمجادها التاريخية المشتركة مع عودة دورية إلى الذكريات المغربية العالقة في الشخصية الداخلية، وهو ما يزيد في حضور الهويات المتعددة التي نستخلص منها مبحث ازدواجية المغرب (الشرق المغاربي) وفرنسا (الغرب الأوروبي). ورد كل هذا التصنيف والتصفيف في ليلة تأمل واحدة داخل متحف «بونتا ديلا دوفانا» (نقطة الجمارك) في البندقية، كانت كفيلة بترميم وترتيب جانب مهم من سيرتها وإتمام المقاييس الأدبية الأسلوبية والبنائية، معتمدة في ذلك على الخيار التأملي في النصوص. مثّل أسلوب الكتابة نموذجا لتطواف مشوق جمع المغرب بالغرب، من دون ملامح وملاحم درامية تذكر. فأعلن تناولها واستلهامها الهادئ للأطوار المقترحة في البداية عن ميلاد لحظة لمراجعة الذات في علاقتها بالآخر ليتضح مفهوم صراع الهوية الحاضر بقوة في هذه السيرة.
تجربة سفر الذات بين الأدب والفن:
حصرت الكاتبة سليماني مسيرة سيرة كاملة من خلال قضاء ليلة واحدة في متحف. ضمت التجربة تصافح الفن التشكيلي الحديث والمعاصر (التجربة) مع الخطاب الأدبي في السيرة (التقنية) عند نقطة حدودية تطمح لتجاوز مجال الفضاء الأوروبي المهيمن. شكل حضور اللوحات الفنية المتعددة والمتراوحة بين الحديث والمعاصر إشارات واضحة لمغامرة غير مرتبة، كان الغرض منها على الأرجح إيجاد موطئ قدم للأثر في الساحة، حتى لا تكون «أغنية ناعمة» أعلى قمة الصعود والباقي تدحرجا وتدرجا للنزول. إن اختيار فضاء تشكيلي لكاتبة لا تتقن لغة الفن – كما تقول، يعد في حد ذاته مغامرة كان وراءها، من دون شك، من جهة أولى إظهار العمق الحضاري الأوروبي كرمز لإرث إنساني شاركت فيه كل الأطراف والأقاليم والثقافات وأهمها العربية والأندلسية المغربية، لاسيما في البندقية، التي كانت تعد مفترقا لتلاقي الشرق بالغرب وبوابة بحرية للمنتجات والصناعات الشرقية في القرون الوسطى، وهو خير ممثل لعصر النهضة العربية، فالإخفاق لدى الآخر يعني النجاح لدى الطرف المقابل، كما أن الاختيار المتميز لاحتضان الفن والأدب في آن يأتي لرغبة في التقديم بلسان كوني احتوى على تعدد القراءات من التقني عبر إيراد أسماء اللوحات والتقنيات و تاريخ الفنون والمراجع مرورا بالملحمي عبر تذكير الوقائع التاريخية والدور العربي المنحصر في الجانب المغربي في نحت الذات والتأثير والتأثر وصولا إلى الباب الجمالي الذي يقرن اللون والظل والبعد والشكل في اللوحة بالخط والبلاغة والمجاز في اللغة وهو، تفنن في طرح المتن وتصعيد للصراعات النفسية وتوظيف للمشاعر والأفكار الداخلية، أما الفلسفي فحاز بمفرده جانب التأمل والتأويل، سبيلا لإعادة صياغة الذات. ويمكننا القول بعد إعادة القراءة والنظر في عموم النص إن المواقع قد تتبدل بين الجانبين الفني والأدبي، أليس الفن شكل من أشكال التعبير الصُّوَري الوفي وغير الوفي؟ وهو أدب المنظر والمظهر بينما يمثل الأدب جمالية الكتابة وسحر اللسان والبيان بتنوع الأجناس وثراء المؤثرات والدلالات. لذلك يبقى جوهر الرمزية في تمسك الكاتبة بمحورها الثقافي الأصلي، كجذع صامد لا تهزه الرياح، حتى إن تقديم المتن الوارد بكتابة لاتينية ولسان أعجمي، جاء بمثابة ترجمة لإرهاصات وتعبيرات نفسية داخلية لعلمنا بالقدر السيكولوجي الحاضر في الكتابة السيرية والذاتية. وهو ما نجده في الهوية السردية عند بول ريكور ومفهوم التفريغ النفسي والاعتراف عند فرويد.، حيث تقول الكاتبة:» ينسى الكاتب الأعراض الثانوية وحالات الغثيان وأزمة الفقدان والوحدة ولا يتذكر إلا النشوة. يكون مستعدا لكل شيء من أجل معايشة الذروة. هذه اللحظة المنعشة تتحقق عندما تتحدث الشخصيات من خلال الكاتب، حيث تخفق الحياة».
مأزق اجتياز الزمن وتحدياته في السيرة

لعل رغبة الحضور في الزمن الحالي وما يحمله من دلالات الشهرة والنجاح على الصعيد الذاتي والذوق الرفيع والاستلهام الراقي بالمكوث وسط جوهر الازدهار اللاتيني من خلال الفن المعاصر، وصنوفه المتجاوزة لعصرها على الصعيد الموضوعي وكل ذلك، حصرا التناول في ضبط حدود الهوية بين زمن ماض يرسخ القيمة ويزيد في تعميق السؤال عن ميزان الثقل الإنساني العادل، وزمن حاضر يرسم المسار التالي ويهيئ الحضور الفرنكوفوني. فكان توجه الكاتبة ميالا للتطرق إلى العديد من العناصر، تتمثل الزمنية منها بالخصوص في طور الماضي الذي أردات من خلاله استحضار السلطة الأبوية السائدة، مع التأكيد قطعا على السمات الوجدانية والسحرية (العطر، الأزهار، الليل،) لتمر الكاتبة على مقربة من البعد الفريد في ألف ليلة وليلة، ومنه عنوان العمل، إلى جانب استذكار المشاعر والذكريات في بلاد المغرب. وهذا تأكيد للانخراط في الفضاء الثقافي والأدبي الأوروبي لمزيد ترسيخ القدم والذات والقلم، وتأكيد الحضور الفرنكوفوني بلغة معاصرة سلسة وسهلة لا تقارن بالقلم الفرنسي المعتاد، من ذلك؛ الابتعاد عن التراكيب المعقدة وتوفير نص يتيسر فهمه من طرف الكاتب والقارئ والأكاديمي والبسيط، سواء الفرنسي بالطبع أو العربي والأجنبي المتمكن من أبجديات اللغة. كما أشارت غزارة الاستدلال بالشخصيات الكتابية والنقدية المرجعية الغربية، إلى نية واضحة في رفع سقف العمل من جهة، وإعلاء الشأن الأدبي الروائي للكاتبة من جهة أخرى، وهي بذلك تضرب عصفورين بحجر واحد. إن المرور عبر استحضار أسماء وعلامات أدبية وفنية لامعة، يحدد بشكل وحيد لا محالة مكانتها ويصنف حضورها في جوهر الديناميكية الفكرية والحضارية الفرنسية والعالمية. ورد ذلك عبر تعداد عديد الأسماء أكثر من مرة، في جميع فصول المُؤَلَّف تقريبا، بداية بالتعلق الأوروبي الغربي مثل، (ألبرت كاميس، تولستوي، فلوبارت، كافكا، بول موران، فرجينيا وولف، ستيفان تسفايف، سارتر، توماس مان، فيليب سولاري، إزرا باوند، بودلير، مونتانيي، فيرجيني ديسبونت، بوب ويلسون إلى الانفتاح باستحضار شكسبير وسلمان رشدي (صديقها، الذي كرّمته بتصديرة) وإثيوبيات السنغالي سدار سنغور دالي المتصالحة في آخر العمل، لتنهي القائمة بالفنان العالمي ورائد الفكر الإنساني زوربا، وهو تحول ورغبة في الانعتاق من التفكير الشوفيني الضيق، الذي يفرضه الواقع الفرنسي عبر أدوات فرانكوفونية وثقافية بورجوازية مختلفة، جعلها تعطي أهمية للتحليق والانعتاق ومعانقة الإنسانية والبعد الكوني المتجول عبر القارات. وردت هذه الإشارات البنيوية والأسلوبية برصانة، لكن من دون إهمال الرصيد العربي المغاربي الذي تلقته وتلقفته في الطفولة والصبا عبر تكرار حضور العنصر الأبوي ومدلولاته ومؤثراته.
عوّلت سليماني في هذا العمل بالخصوص على آليات تعبيرية نقلت بموجبها الحقيقة، كما لا تنقلها القنوات التعبيرية الكتابية العربية، متسلحة في ذلك بجرأة لا توصف تضع من خلالها الأفكار تواجه بعضها والحقائق تتصارع لإثبات الذات والديمومة والشخصية الأدبية. ولدت هذه المميزات والخيارات تعاظما لشخصيتها ككاتبة وحضورا بارزا في القنوات الإعلامية والدوائر الرسمية، ما جعلها مستشارة الفرنكوفونية للرئيس الفرنسي ماكرون. كما أن ما وفرته من تفصيل لخاصياتها منها حب الكأس، وإدمان التدخين وغواية والانغماس في المتعة، عكس صورة المرأة الشرقية المغربية المختلفة المتأقلمة مع الراهن المفروض، والمنفتحة على ثقافة مغايرة، فجلب القبول والتأييد، فها هي تعرض تكوينا عاكسا صورة المرأة في داخلها منذ بداية العمل، كتقديم صادم للبعض تجاوز توقعات عديدة، فيما يظل متحضرا لدى البعض الآخر، نظرا لتوفر الجرأة وتوافر حضور العلامات الثقافية الطاغية «أمام المقهى حيث أنتظر وأنا أدخّن سيجارة.. طلبت كأس خمرة آملة أن تُذهب عني الكآبة»، مرورا إلى النقد الذاتي خصوصا، والنقد الموضوعي عموما عبر إظهار الصراع الداخلي وانعكاساته النفسية.
متاهات العزلة والاغتراب أو التأمل والتألم
وهي مقاربة وإن لم تفصح عنها السيرة بجلاء، نظرا للميلان الفرنكوفوني السطحي المغلف باللغة والمحيط والمكانة، والحضور والمسيرة والمصير في الدوائر الغربية، إلا أن العمق مختلف تماما لما يفرضه من تعدد الأصوات في ذات واحدة تعبر عن الطرف ونقيضه وتتخبط بين علامات مضيئة دنيوية طاغية (العلاقات، التحرر، الانفتاح، المعاصرة، المظهر..) مع إشارات ميلنخولية متكررة، ومعطيات قيمية دينية وثقافية لهوية عميقة تصارع الرداءة وتبرز من خلال شخصية الأدب الحاضرة داخل الكاتبة، والأب هو أحد الأصوات التي تصرخ داخلها وتعبر عن الأصالة والعودة إلى الجذور، وهو بطاقة تعريف وطنية من دون وطن بعينه، عدا الانتماء للمرجع الثقافي والديني المغاربي والعربي عموما. تشرح التأرجح بين هذا الوادي وذاك – بالضرورة- للكاتبة الإحساس بعدم الانتماء الكامل لمكان محدد، فهي ليست غربية ولا مغربية بالكامل، وهو صلب الازدواجية التي يطرحها مشروع الهوية الثقافية في السيرة. هذه الثنائيات نجدها حاضرة بقوة في النصوص العربية، رغم اختلاف أجناسها وتعدد مراميها من خلال تجربة طه حسين في صراع التقليد بالعلمنة، وإبراهيم الكوني في البدوي بالحديث وجبران خليل جبران في تمزق الهوية بين الشرق والغرب، ونجيب محفوظ من خلال تداخل القيم في ثلاثيته.
كاتب تونسي