القاهرة: فيما تعصف الغارات الدامية بغزة، تُثير نسخة درامية من الحرب عُرضت في وقت الذروة على التلفزيون المصري ويستمر عرضها على منصات أخرى، الجدل بشأن مشروعية تحويل المأساة إلى عمل خيالي.
صُوّر مسلسل “صحاب الأرض” الذي لا يزال متاحا على منصات البث، في استوديو صُمم الديكور فيه ليحاكي الوضع في القطاع الفلسطيني المدمر: مبانٍ مُحترقة، وخيام متهالكة، ومستشفيات مكتظة، وسط دويّ الطائرات المسيَّرة الذي لا ينقطع.
تفيد المعلومات أن المسلسل الذي عُرض خلال شهر رمضان، لم تتابعه سوى نسبة ضئيلة من الفلسطينيين المقيمين في مصر.
أما أولئك الذين يعيشون بين الأنقاض داخل القطاع المحاصر، على الجانب الآخر من الحدود، فيرون أن تجسيد المأساة التي يعيشونها على الشاشة له وقع قاسٍ عليهم.
يقول ياسر النجار النازح في مدينة رفح الحدودية إن “مشاهدة ممثل يبكي على جثة بلاستيكية غير حقيقية وأنا دفنتُ أختي قبل فترة (غير بعيدة) أمرٌ لا يُطاق”.
شاهد هذا الشاب الفلسطيني وهو في العشرينات من عمره، حلقة واحدة فقط من أصل خمس عشرة حلقة من المسلسل الذي تدور أحداثه حول طبيبة مصرية تُدعى سارة تؤدي دورها منة شلبي، وأب فلسطيني انفصل عن عائلته يُدعى ناصر يؤدي دوره إياد نصار.
تقول بيسان سيف، البالغة 30 عاما، وهي أمٌّ نزحت أكثر من عشر مرات داخل القطاع الذي مزقته الحرب لأكثر من عامين، “عندما تعيشين تجربة مرعبة كهذه، لن ترغبي في مشاهدتها على التلفزيون حتى لو كان الأمر مجرد تمثيل. مضت سنتان ونحن ما زلنا نحاول أن نلملم ما بقي لنا ونستعيد حياتنا كما كانت من قبل”.
أما حاتم أبو عرمانة، عضو اللجنة الوطنية الفلسطينية لكرة القدم للمصابين ببتر الأطراف، والذي شاهد عدة حلقات مع عائلته، فيقول “هذا المسلسل ليس لنا… صوت الانفجارات ورائحة الحرب محفورةٌ في صدورنا. لكن العالم بحاجةٍ إلى أن يرى ما حل بنا وما مررنا به”.
في غزة، حيث استشهد أكثر من 72 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وثّق الصحافيون والسكان الحرب مباشرة.
ويقول الممثل الأردني إياد نصار إن المسلسل يهدف إلى إظهار البُعد الإنساني وراء عناوين الأخبار، في حديثه خلال برنامج “إنترتينمنت تونايت” الأمريكي.
“قبل أن تجف الدماء”
المسلسل من إنتاج شركة يونايتد ميديا سيرفيس، وهي مجموعة شركات على صلة بالأمن المصري، ومن إخراج المصري بيتر ميمي مُخرج المواسم الثلاثة من مسلسل “الاختيار” الذي مجّد دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في الإطاحة بالنظام الإسلامي عام 2013.
ويبدو أن عمله الأخير مُصمّم لخدمة الأجندة السياسية الرسمية.
وُجهت انتقادات لمصر، أول دولة عربية وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979، لتقاعسها عن اتخاذ أي إجراء حيال منع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة والذي أشعل شرارة احتجاجات عالمية.
لكن مسلسل “صحاب الأرض” يُلقي باللوم كاملا على إسرائيل في إغلاق معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة.
وانتقدت إيلا واوية، المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي باللغة العربية، المسلسل الذي قالت إنه “غسيل عقول” و”تزييف للحقائق”.
أما مشهد سائق شاحنة المساعدات المصرية في المسلسل وهو يُوجه إهانات مبطنة للإسرائيليين عبر الضغط على منبه سيارته، فقد فُسِّر على مواقع التواصل الاجتماعي على أنه رمز لعجز التضامن العربي.
يُبث المسلسل على التلفزيون وعبر منصات البث، وسط شعور متزايد بالإحباط في العالم العربي حيث لم يعد التضامن سوى مجرد لفتة رمزية عاجزة عن وقف القتل، على الرغم من عقود من دعم القضية الفلسطينية.
كما أثار الإعلان الترويجي للمسلسل جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتقد أحد المستخدمين على منصة إكس “تحويل إبادة جماعية مستمرة إلى مادة ترفيهية قبل أن تجفّ الدماء”.
وكتب آخر “المعاناة تُعرض على التلفزيون على مدار الساعة، فلا حاجة لمسلسل”.
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2025، استشهد ما لا يقل عن 677 فلسطينيا جراء القصف والغارات الجوية الإسرائيلية، وفق وزارة الصحة في غزة التي تديرها “حماس”، وتعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.
(أ ف ب)