في جلسة مجلس الأمن الشهرية حول القضية الفلسطينية.. تحذيرات قوية من أخطار المستوطنين


“القدس العربي”: كشف تقرير أممي حديث عن استمرار الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، مع المضي قدما في بناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، رغم الدعوات الدولية لوقفها.

وخلال جلسة مجلس الأمن الدولي الشهرية، مساء الثلاثاء، تحت بند “الحالة في الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية”، قدّم رامز الأكبروف، نائب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، إحاطة استعرض فيها التقرير السابع والثلاثين للأمين العام بشأن تنفيذ القرار 2334 (2016)، والذي يغطي الفترة من 3 ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى 13 مارس/آذار 2026.

وأوضح الأكبروف أن القرار يدعو إسرائيل إلى “الوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”، والامتثال لالتزاماتها القانونية، إلا أن المعطيات تشير إلى استمرار هذه الأنشطة بمعدلات مرتفعة. وبيّن أن السلطات الإسرائيلية دفعت قدما أو صادقت على أكثر من ستة آلاف وحدة سكنية في الضفة الغربية، بما يشمل آلاف الوحدات في المنطقة (ج) والقدس الشرقية، إلى جانب طرح مناقصات إضافية لآلاف الوحدات، جزء كبير منها في منطقة (E1).

وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية أقرت، في 8 فبراير/شباط، سلسلة إجراءات لتوسيع الصلاحيات المدنية وتعزيز السيطرة الإدارية والتنظيمية في الضفة الغربية، بما في ذلك نقل بعض الصلاحيات من السلطة الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، وإزالة قيود تنظيمية تتعلق بملكية الأراضي والبناء. كما أشار إلى الموافقة على استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، مع تخصيص موارد مالية كبيرة لهذا الغرض.

وتناول العرض كذلك تسارع عمليات هدم ومصادرة الممتلكات الفلسطينية، حيث تم هدم أو الاستيلاء على مئات المنشآت أو إجبار أصحابها على هدمها، ما أدى إلى تهجير مئات الأشخاص، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، في ظل الإشارة إلى أن الحصول على تصاريح البناء للفلسطينيين يكاد يكون متعذراً. كما استمرت عمليات الإخلاء القسري في القدس الشرقية، حيث أُجبرت عائلات فلسطينية على مغادرة منازلها، أعقبها استيلاء مستوطنين على تلك العقارات، إلى جانب إصدار أوامر إخلاء جديدة طالت عشرات السكان.

الأكبروف: وقف إطلاق النار في غزة “هش للغاية”، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف وإطلاق النار

وفيما يتعلق بالوضع الأمني، أشار الأكبروف إلى أن قرار مجلس الأمن يدعو إلى اتخاذ “خطوات فورية لمنع جميع أعمال العنف ضد المدنيين”، إلا أن هذه الأعمال استمرت خلال الفترة المشمولة. ووصف وقف إطلاق النار في غزة بأنه “هش للغاية”، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف وإطلاق النار، بالتوازي مع اشتباكات مسلحة مع فصائل فلسطينية. ووفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة، قُتل مئات الفلسطينيين وأصيب الآلاف خلال هذه الفترة، مع الإشارة إلى حوادث محددة أسفرت عن سقوط قتلى من المدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال. كما تم العثور على جثة آخر رهينة إسرائيلي في غزة وإعادتها إلى عائلته، في حين أُفيد بقيام القوات الإسرائيلية بنبش ونقل جثامين فلسطينيين من مواقع دفن داخل القطاع.

وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، استمر العنف بمستويات مرتفعة، حيث قُتل وأصيب عدد كبير من الفلسطينيين في سياق عمليات عسكرية واشتباكات وهجمات مختلفة، بما في ذلك اعتداءات نفذها مستوطنون، والتي وقعت في كثير من الأحيان “بحضور القوات الإسرائيلية”، وفق ما ورد في الإحاطة. وفي المقابل، أشارت مصادر إسرائيلية إلى سقوط قتلى وجرحى إسرائيليين جراء هجمات نفذها فلسطينيون. كما نُفذت حملات اعتقال واسعة طالت أكثر من 1600 فلسطيني، مع استمرار احتجاز آلاف آخرين، بينهم عدد كبير في إطار الاعتقال الإداري.

الأكبروف: شهدت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تصاعدا في العنف، وتنفيذ حملات اعتقال واسعة طالت أكثر من 1600 فلسطيني

وتطرّق الأكبروف إلى القيود المفروضة على الحركة والوصول، بما في ذلك إعلان مناطق في شمال الضفة الغربية “مناطق عسكرية مغلقة”، ما أدى إلى استمرار نزوح عشرات الآلاف من السكان، إضافة إلى القيود المفروضة خلال شهر رمضان على وصول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، حيث تم تحديد أعداد المصلين المسموح لهم بالدخول وفق معايير محددة، مع تشديد الإجراءات الأمنية في البلدة القديمة.

كما أشار إلى استمرار الخطاب التحريضي من مختلف الأطراف، حيث واصلت بعض الفصائل الفلسطينية الإشادة بهجمات ضد الإسرائيليين والدعوة إلى مزيد من العنف، في حين صدرت عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات تدعو إلى ضم الضفة الغربية أو إعادة إقامة مستوطنات، أو التشكيك في مستقبل الدولة الفلسطينية، إضافة إلى تصريحات استهدفت وكالة الأونروا ومقارها.

وفي الشق السياسي والاقتصادي، عرض المسؤول الأممي جملة من التطورات داخل الساحة الفلسطينية، من بينها إصدار مراسيم تتعلق بالإصلاحات السياسية والتحضير لانتخابات المجلس الوطني، ونشر مسودة دستور مؤقت للنقاش العام، فضلاً عن نشر بعثة أممية لتقييم الاحتياجات الانتخابية. في المقابل، أشار إلى استمرار احتجاز إسرائيل لعائدات مالية فلسطينية، وهو ما ساهم في تعميق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، إلى جانب استمرار حالة عدم الاستقرار في الترتيبات المصرفية الضرورية للاقتصاد الفلسطيني.

أما على الصعيد الإنساني في غزة، فقد وصف الأكبروف الوضع بأنه بالغ الصعوبة، مع استمرار نزوح نحو 1.4 مليون شخص يعيشون في ظروف مكتظة وغير آمنة، رغم تحسن نسبي في توفر الغذاء. وأوضح أن دخول الوقود والمساعدات الإنسانية ظل محدوداً، في حين واجهت المنظمات الدولية قيوداً إضافية، بما في ذلك تهديدات بإنهاء تسجيل عدد منها، قبل أن تصدر المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً مؤقتاً بوقف هذه الإجراءات.

كما تناولت الإحاطة الجهود الدولية الجارية، حيث أُعلن عن إطلاق المرحلة الثانية من خطة شاملة لإنهاء النزاع في غزة، تتضمن تشكيل هيئة انتقالية لإدارة القطاع، وعقد اجتماعات دولية تعهدت خلالها الدول بتقديم تمويل لإعادة الإعمار. كذلك أُعيد فتح معبر رفح بشكل جزئي قبل أن يُغلق مجدداً نتيجة التطورات الأمنية، ثم أُعيد تشغيله لاحقاً.

وفي ختام الإحاطة، نقل الأكبروف ملاحظات الأمين العام، التي تضمنت تأكيداً على أن التوسع الاستيطاني المستمر “ينتهك القانون الدولي” ويقوض إمكانية تحقيق حل الدولتين، مع الإعراب عن القلق من الإجراءات الأحادية التي تغير الواقع على الأرض وتزيد من حدة التوتر. كما شدد على خطورة أوضاع العنف المتصاعد، وضرورة حماية المدنيين، والدعوة إلى وقف جميع الانتهاكات من مختلف الأطراف، مؤكداً أن “حماية المدنيين تبقى أولوية قصوى في أي نزاع مسلح”.

وأشار كذلك إلى القلق من أوضاع المعتقلين الفلسطينيين، بما في ذلك حالات الاحتجاز الإداري، والدعوة إلى ضمان المعاملة الإنسانية لهم، إضافة إلى التحذير من التدهور الإنساني في غزة والحاجة إلى تسهيل وصول المساعدات دون عوائق. كما أعرب عن إدانته للإجراءات المتخذة ضد وكالة الأونروا، داعياً إلى إعادة ممتلكاتها واحترام الالتزامات الدولية ذات الصلة.

واختتم بالتأكيد على التزام الأمم المتحدة بدعم مسار يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين، تقوم على تعايش دولتين – إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة – جنباً إلى جنب في سلام وأمن، استناداً إلى خطوط ما قبل عام 1967، مع اعتبار القدس عاصمة لكلا الدولتين.

نيكولاي ملادينوف: الممثل السامي لمجلس السلام في غزة

قدّم نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة والمدير العام لما يُعرف بـ“مجلس السلام” المسؤول عن الإشراف على إدارة غزة بعد الحرب وإعادة إعمارها، إحاطة أمام مجلس الأمن في 24 آذار/مارس 2026، وذلك في أول ظهور له بهذه الصفة الجديدة. واستهل كلمته بالإشارة إلى أهمية القرار 2803 (2025)، الذي صادق على الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، مؤكداً أن هذا القرار وفّر الإطار المؤسسي الذي أتاح إطلاق البنية الانتقالية لإدارة القطاع، بما في ذلك إنشاء لجنة فلسطينية ذات طابع تكنوقراطي لتولي الإدارة المدنية.

وشدّد ملادينوف على أن مصداقية أي مسؤول أمام مجلس الأمن تقوم على “قول الحقيقة، بما في ذلك عندما تكون غير مريحة”، معتبراً أن ما يجري اليوم هو نتيجة مباشرة “لكارثة لا ينبغي لهذا المجلس أن يسمح بتحويلها إلى أمر طبيعي”. وفي هذا السياق، استعرض أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، واصفاً إياها بأنها هجوم مُدبَّر أدى إلى مقتل أكثر من 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة، مؤكداً إدانته لهذه الهجمات بشكل قاطع، ومضيفاً أنه “لا توجد قضية أو هدف سياسي يبرر الاستهداف المتعمد للمدنيين”.

ملادينوف: هول ما حدث في 7 أكتوبر لا يقلل من معاناة الفلسطينيين، كما أن معاناة الفلسطينيين لا تقلل من هول ذلك اليوم

وفي المقابل، أشار إلى أن العمليات العسكرية التي تلت ذلك في قطاع غزة أدت إلى دمار واسع ومعاناة إنسانية عميقة، حيث تأثر أكثر من مليوني فلسطيني خلال أشهر طويلة من الحرب، مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وتدمير ما بين 60 إلى 70 في المائة من البنية التحتية، وانهيار النظام الصحي، إلى جانب آثار نفسية طويلة الأمد، خاصة لدى الأطفال. وأوضح أن عرض هذه المعطيات لا يهدف إلى تحقيق توازن بين المأساتين، بل إلى التأكيد على ضرورة النظر إليهما معاً، قائلاً إن “هول ما حدث في 7 أكتوبر لا يقلل من معاناة الفلسطينيين، كما أن معاناة الفلسطينيين لا تقلل من هول ذلك اليوم”.

وبيّن أن الإطار الذي أقره مجلس الأمن، بما في ذلك الخطة متعددة النقاط، يهدف أساساً إلى منع تكرار هذه المآسي، مشيراً إلى أن جذور الأزمة في غزة لا تقتصر على غياب تسوية سياسية، بل تشمل أيضاً تراكمات من “التراخي تجاه التطرف”، وهو ما أسهم، بحسب تعبيره، في تعميق التكلفة الإنسانية على مختلف الأطراف. وأكد أن إعادة الإعمار ونزع السلاح، رغم أهميتهما، لن يكونا كافيين دون معالجة “الأفكار التي تغذي العنف” وبناء مسار قائم على العدالة والاعتراف المتبادل بالحقوق.

وفيما يتعلق بالتطورات الميدانية، أوضح ملادينوف أن المرحلة الأولى من الخطة قد أُنجزت إلى حد كبير، حيث صمد وقف إطلاق النار، وتم الإفراج عن جميع الرهائن وإعادتهم إلى عائلاتهم، كما جرى استئناف إدخال المساعدات الإنسانية وتوسيع نطاقها، إلى جانب عودة تدريجية للسلع التجارية، معتبراً أن هذه الخطوات تشكل “القاعدة التي يقوم عليها التقدم اللاحق”.

ملادينوف: لجنة غزة تستعد للدخول إلى القطاع لتولي مهامها كسلطة مدنية مؤقتة، على أن يظل دورها انتقالياً إلى حين تمكين سلطة فلسطينية مُعاد إصلاحها من إدارة كل من غزة والضفة الغربية

كما أشار إلى الدور الذي اضطلعت به الدول الضامنة، وهي مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، في دعم تثبيت التهدئة، مؤكداً أن جهودها كانت أساسية في الوصول إلى المرحلة الحالية. وفي الإطار المؤسسي، أعلن أن “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” قد تم تشكيلها، وتتألف من خمسة عشر خبيراً فلسطينياً تم التوافق عليهم بين الفصائل، ليتولوا مهام الإدارة المدنية الانتقالية في مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم، والبنية التحتية والحماية الاجتماعية والأمن.

وأوضح أن هذه اللجنة تستعد للدخول إلى قطاع غزة، بدعم من مكتبه، لتولي مهامها كسلطة مدنية مؤقتة، على أن يظل دورها انتقالياً إلى حين تمكين سلطة فلسطينية مُعاد إصلاحها من إدارة كل من غزة والضفة الغربية. واعتبر أن الهدف النهائي يتمثل في تمهيد الطريق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة دولة، في إطار تسوية سياسية أوسع.

واختتم ملادينوف إحاطته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تمثل فرصة حاسمة، لكنها في الوقت ذاته محفوفة بالتحديات، مشدداً على أن نجاح العملية الانتقالية يتطلب التزاماً كاملاً من جميع الأطراف، ليس فقط بتنفيذ الترتيبات الأمنية والمؤسسية، بل أيضاً بمعالجة الجذور السياسية والفكرية للصراع، بما يضمن عدم تكرار دوامات العنف مستقبلاً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *