الخرطوم ـ «القدس العربي»: أعلنت قوات «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية ـ شمال»، الثلاثاء، تحقيق تقدم ميداني في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرق السودان، مؤكدة سيطرتها على مدينة الكرمك الاستراتيجية إلى جانب منطقتي البركة والكيلي، على حدود إثيوبيا، عقب معارك وصفتها بـ«الشرسة» مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، استمرت لأيام.
تصعيد عسكري
وكانت الحكومة قد حذرت منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي من تحركات لقوات «الدعم» من داخل الأراضي الإثيوبية في اتجاه النيل الأزرق، الأمر الذي دفع الجيش إلى تعزيز انتشاره في الإقليم الذي يشهد تصعيدا عسكريا عنيفا وسط موجات نزوح واسعة.
وتبرز أهمية مدينة الكرمك باعتبارها بوابة حدودية رئيسية، حيث يؤثر التحكم فيها بشكل مباشر على خطوط الإمداد ومسارات التحركات العسكرية داخل إقليم النيل الأزرق. ويأتي ذلك في ظل اتهامات حكومية، لإثيوبيا، بالسماح باستخدام أراضيها لشن هجمات تنفذها قوات «الدعم» على مناطق في جنوب شرق السودان.
وقالت قوات «الدعم» إن قواتها تمكنت من بسط سيطرتها على محافظة الكرمك ومناطق البركة وكيلي. فيما تداولت عناصرها مقاطع مصورة تظهر انتشارها داخل الكرمك.
يأتي ذلك بعد أن صد الجيش هجوما نفذته قوات «الدعم»، الإثنين على المحافظة التي تعرضت لهجوم ثان في اليوم التالي.
فيما قالت مصادر عسكرية إن قوات الجيش انسحبت وأعادت تموضعها خارج المحافظة ضمن ترتيبات عسكرية.
وتكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية، إذ تُعد نقطة ربط حيوية بين السودان وإثيوبيا، كما تمثل خط الدفاع الأول عن إقليم النيل الأزرق، ما يجعلها محوراً رئيسياً في العمليات العسكرية الدائرة في المنطقة.
في السياق ذاته، أعرب مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان عن «قلق بالغ» إزاء التصعيد العسكري المتواصل في الولاية، مشيراً إلى تقارير عن سيطرة قوات الدعم السريع على قرى في محيط الكرمك والتوغل في المدينة.
وحذر من تداعيات القتال على المدنيين، داعياً الأطراف المتقاتلة إلى تجنيبهم ويلات الحرب والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. كما أشار إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان نحو مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، هرباً من العمليات العسكرية.
ووفقاً للمرصد، بلغ عدد النازحين الوافدين إلى الدمازين منذ تصاعد القتال نحو 73,406 أشخاص، معظمهم من النساء والأطفال، بينهم مصابون بجروح وحروق وفاقدو أطراف نتيجة القصف. وأضاف أن هؤلاء النازحين تم توزيعهم على أكثر من عشرة مراكز إيواء ومعسكرات.
ودعا المرصد المنظمات الدولية والإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير المساعدات الضرورية، مطالباً بفتح ممرات آمنة للمدنيين وضمان حماية المرافق الحيوية والبنية التحتية من الاستهداف.
في السياق، أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفّذت بمسيّرات في السودان بين كانون الثاني/يناير ومنتصف آذار/مارس، قضى معظمهم في منطقة كردفان الاستراتيجية.
الأمم المتحدة تؤكد مقتل أكثر من 500 مدني بمسيّرات في شهرين ونصف
وأفادت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مارتا هورتادو للصحافيين في جنيف بأن «الزيادة الحادة في استخدام الطائرات المسيّرة لتنفيذ غارات جوية في السودان هذا العام تسلّط الضوء على الأثر المدمّر للأسلحة عالية التقنية والمنخفضة الكلفة نسبيا عند استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان».
وأضافت «وفقا للمعلومات الواردة، قُتل أكثر من 500 مدني في مثل هذه الضربات خلال الفترة من 1 كانون الثاني/يناير إلى 15 آذار/مارس»، مع الإشارة إلى أنه «جرى توثيق الغالبية العظمى من هذه الوفيات في صفوف المدنيين في ثلاث ولايات في إقليم كردفان».
ويشهد إقليم كردفان الجنوبي أعتى المعارك راهنا. وتربط هذه المنطقة المترامية الأطراف معاقل «الدعم» في إقليم دارفور في الغرب بالشرق الخاضع لسيطرة الجيش.
وقد أسفرت الضربات شبه اليومية بالمسيّرات عن مقتل العشرات دفعة واحدة في الإقليم حيث ينكبّ الجيش على وقف تقدّم قوّات «الدعم» ودحرها إلى دارفور بعيدا من العاصمة الخرطوم.
وقالت هورتادو «في أوّل أسبوعين من آذار/مارس لا غير، أظهرت معلومات وردتنا مقتل أكثر من 277 مدنيا، أكثر من ثلاثة أرباعهم قضوا بمسيّرات».
ولفتت إلى تواصل الهجمات الدامية مع انتهاء شهر رمضان.
وأشارت خصوصا إلى «الهجوم الأكثر دموية» الذي وقع «في 20 آذار/مارس، وهو أول أيام عيد الفطر، عندما أصابت غارات جوية وضربات بطائرات مسيّرة مستشفى الضعين التعليمي في ولاية شرق دارفور، ما أسفر عن مقتل 64 شخصا على الأقل، بينهم سبع نساء و13 طفلا».
وصرّحت بأن «المستشفى، بما في ذلك أقسام الطوارئ والولادة والأطفال، خرج عن الخدمة بالكامل، ما فاقم القيود على حصول كثيرين في المنطقة على حقهم في الرعاية الصحية التي هم في أمسّ الحاجة إليها».
وحذّرت هورتادو من أن «اتساع نطاق الهجمات بالطائرات المسيّرة بات يتجاوز حدود السودان، بما ينطوي عليه ذلك من خطر جسيم يتمثل في مزيد من التصعيد وما قد يترتب عليه من عواقب إقليمية»، ذاكرة «ضربات بطائرات مسيّرة على بلدة تينه على الحدود السودانية التشادية، وذلك في أعقاب هجمات برية سابقة شنتها قوّات الدعم السريع».
وحسب الأمم المتحدة «أصابت ضربة بطائرة مسيّرة بلدة تينه في تشاد في 18 آذار/مارس، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 24 مدنيا وإصابة نحو 70 آخرين».
وأشارت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن «استمرار نمط هذه الهجمات التي تصيب المدنيين وتُدمّر البنية التحتية المدنية يثير مخاوف جدية بشأن الامتثال للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وهي التمييز والتناسب والاحتياطات، وقد يرقى إلى جرائم حرب».
وحثّت «جميع الدول، ولا سيما تلك التي لها نفوذ، على بذل كل ما في وسعها لوقف عمليات نقل الأسلحة التي تؤجّج النزاع وتُستخدم في تجاهل واضح لواجب حماية المدنيين في النزاعات».
وشدّدت على «الحاجة إلى تجديد الجهود الدبلوماسية للتوصّل بصورة عاجلة إلى وقف لإطلاق النار، تمهيدا لوضع حد لهذا النزاع»، مذكّرة الأطراف «بالتزاماتها الملزمة بحماية المدنيين».
إضراب مرتقب
وفي سياق بعيد عن الحرب، أعلنت لجنة أساتذة الجامعات السودانيين شروعها في تنفيذ إضراب شامل ومفتوح ابتداء من الأحد المقبل الموافق 29 مارس/ آذار، دون استثناء، وذلك حتى إجازة الهيكل الراتبي الجديد ولائحة شروط الخدمة الخاصة بأعضاء هيئة التدريس.
ويأتي القرار في ظل مطالب متصاعدة بتحسين أوضاع الأساتذة، حيث أكدت اللجنة أن الإضراب يمثل خطوة تصعيدية بعد محاولات متكررة لمعالجة القضايا المهنية دون استجابة كافية من الجهات المختصة.
وقال الأستاذ الجامعي الدكتور محيي الدين موسى محمد إن قرار الإضراب لم يكن سهلاً، بل جاء بعد تقييم دقيق للأوضاع التي تحيط بالعملية التعليمية، مشيراً إلى أن الأساتذة يدركون تماماً تأثير توقف الدراسة على الطلاب، إلا أنهم اضطروا لاتخاذ هذه الخطوة باعتبارها «وسيلة مشروعة» للدفاع عن حقوقهم.
وأوضح أن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس لا يقتصر على كونه مطلباً فئوياً، بل يمثل مدخلاً أساسياً لاستقرار التعليم العالي، لافتاً إلى أن توفير بيئة عمل مستقرة ومحفزة ينعكس بشكل مباشر على جودة التدريس والبحث العلمي.
ووجه رسالة إلى الطلاب وأولياء الأمور، دعا فيها إلى تفهم دوافع الإضراب، مؤكداً أن آثاره السلبية على المدى القصير تقابلها مكاسب متوقعة على المدى البعيد، تتمثل في تحسين جودة التعليم واستقرار العملية الأكاديمية.
وشددت اللجنة على أن الهدف من الإضراب ليس تعطيل الدراسة، بل الدفع نحو إصلاحات شاملة تضمن كرامة الأستاذ الجامعي وتدعم تطوير مؤسسات التعليم العالي في البلاد.