رون بن يشاي
مما قاله وكتبه ترامب أمس ومن رد النظام الإيراني عليه، يفهم أن الرئيس الأمريكي تراجع عن الإنذار الأخير الذي وجهه لنظام إيران الذي طالب فيه بفتح مضيق هرمز. هدد ترامب الإيرانيين بأنهم إذا لم يستجيبوا لطلبه حتى ليل أمس فسيأمر جيشه بقصف محطات إنتاج الكهرباء في إيران وعلى رأسها منشأة إنتاج الكهرباء الكبرى في الدولة (منشأة دماوند). بكلمات بسيطة: دول الخليج العربية التي فزعت من تهديدات الحرس الثوري المضادة بشأن “إغراق الخليج وإسرائيل في الظلام”؛ والرغبة في منع أزمة طاقة عالمية قاسية لاحت في الأفق، خصوصاً ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة؛ وكذا خشية معارضين إيرانيين منفيين من المعاناة للسكان… كل هذا دفع ترامب ألا ينفذ تهديده، وها هو ينزل عن الشجرة.
التطور الثاني الذي يفهم من أقوال ترامب وجود محادثات عملية بين مندوبين أمريكيين ومحافل ذات مكانة ووزن جماهيري داخل إيران حول شروط إنهاء الحرب، بشكل يلبي مطالب الولايات المتحدة. قال ترامب إن مندوبيه هما مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وربما يدور الحديث أيضاً عن رجال الـ سي.اي.ايه وربما وسطاء في المنطقة (تركيا مثلاً).
وتتضمن المنشور الذي كتبه ترامب على شبكته الاجتماعية “تروث سوشيال” أكثر من تلميح بهذين التطورين.
ينبغي الانتباه إلى المعاني: ففي تطرقه إلى إيران يستخدم تعبير “country” أي بلاد إيران؛ هو لا يتحدث عن “حكومة إيران” ولا يقول “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”- الاسم الرسمي لإيران، ولا يستخدم باقي التعابير التي تصف كياناً سياسياً، بل يتناول محفلاً غامضاً لا يشير بالضرورة للحكم أو النظام الحالي في إيران. نرى هنا وثيقة مثيرة للاهتمام.
قاليباف أم بزشكيان أم روحاني؟
يشير ترامب في بوسته إلى أن المحادثات مع “بلاد إيران” تجري منذ يومين وأنها “جيدة ومثمرة”. إذا كان كذلك، فلماذا يعرض إنذاراً نهائياً استفزازياً في ذروتها، قد يعطلها ويعطل نتائجها؟ (فقد عرض الإنذار فجر الأحد). إضافة إلى ذلك، استخدم ترامب تعبير “محادثات وليس مفاوضات” بل إنه لم يستخدم تعبير محادثات جدية، “فالمحادثات” هي الشكل الأقل إلزاما في اللغة الإنجليزية عن مفاوضات دبلوماسية أو سياسية.
وثمة مؤشر آخر على أن الحديث يدور عن شيء ما شاذ، وهو المكالمة التي أجراها الرئيس ترامب أمس بعد وقت قصير من منشوره، مع المذيع جو كرنان من شبكة سي.ان.بي.سي” الأمريكية، الشخصية الأهم في الصحافة الاقتصادية. قال ترامب لكرنان في إطار البث، إن رجاله يجرون محادثات مكثفة جداً وجيدة جداً “مع مندوبين إيرانيين”. “من؟”، سأل كرنان. “ثمة مندوبون لهم”، تملص الرئيس وألمح صراحة بأن الحديث يدور عن “تغيير النظام”.
بمعنى أن ترامب بين أنه يؤجل إنذاره للنظام الحالي خمسة أيام كونه يجري “محادثات جيدة ومثمرة على إنهاء الحرب مع محافل في المؤسسة الإيرانية. لكن ليس بالضرورة مع من يمثلون أصحاب القرار المسيطرين الآن في إيران.
قد يكون كل هذا مجرد هذر يستهدف تغطية تراجع ترامب مرة أخرى في اللحظة الأخيرة عن تنفيذ تهديداته (ولهذا نال لقب Taco الذي يعني “ترامب يجبن دوماً”. لكن قد يدور الحديث عن حوار جدي يجري مع أناس ذوي مكانة في مؤسسة آية الله الإيرانية أو في الحكم الإيراني الحالي، لكنهم ليسوا من يحكمون إيران الآن. وربما يدور الحديث عن قيادة عليا في الحرس الثوري، آية الله والسياسيين المنفذين لأمره، مثل مجتبى خامنئي وغيرهم.
قدر الإسرائيليون عصر أمس بأن المحادثات تجري مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بشكل غير مباشر. ومع أن قاليباف يعتبر شخصية مهمة في النظام، لكنه ليس صاحب القرار الأساس. وثمة محافل أخرى كفيلة بأن تكون الرئيس مسعود بزشكيان أو آية الله والرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي كان شخصية هامة في النظام. إيران نفت وجود أي محادثات بشكل جارف في البداية، لكن لاحقاً قال مصدر في الحكم الإيراني لوكالة “رويترز” إن الولايات المتحدة “طلبت” الحديث مع رئيس البرلمان قاليباف، وادعى هذا المحفل بأن إيران لم ترد بعد على الطلب. أما قاليباف نفسه فادعى بالتوازي، أنه لم يجرِ اتصالات مع الولايات المتحدة.
ربما ينثر ترامب تلميحات ليس من خلفها أي مسيرة ذات مغزى؛ وهدفه خلق غموض استراتيجي تحت رعايته يمكّنه من النزول عن شجرة الإنذار النهائي الذي أثار فزع الخليج. مع ذلك، واضح بأن ترامب يسعى لتحقيق أهداف الحرب التي حددها لنفسه ولجيشه، وقد يفعل ذلك من خلال مفاوضات مع محافل داخل مؤسسة آية الله، وأن تغييراً ما سيحدث في النظام الإيراني. ليس بالضرورة انهيار النظام القائم، بل على ما يبدو حدوث تغييرات شخصية وتغيير في المواقف في المؤسسة الحالية، بشكل يسمح بتسوية تلبي مطالب ترامب لإنهاء الحرب.
أربعة أسئلة صعبة
إذا كانت هناك مفاوضات تجري حقاً مع محفل ذي مكانة داخل هذا النظام، فثمة أسئلة: أولاً، هل هذا المحفل (على ما يبدو قاليباف) ومن يمكنهم معه أن يفرضوا إرادتهم على قيادة الحرس الثوري العليا، وعلى مجتبى، وعلى مراكز قوة أخرى داخل النظام ينتمون إلى الجناح المتطرف ويرفضون كل حل وسط وكل حوار مع الولايات المتحدة؟
سؤال ثانٍ: ألا يجري ترامب مفاوضات مع هذه المحافل كي ينال قطعة ورق هي زعماً اتفاق، لكن بلا معنى عملي، يستخدمها ترامب ليعلن عن النصر وينهي المعركة؟
سؤال ثالث: إذا كان هذا ما سيحصل، فماذا ستفعل إسرائيل؟ هل تواصل حسب الخطة، أم تكتفي بما تحقق، وأنها فتحة لتغيير أساسي مستقبلي للنظام الإيراني؟
سؤال رابع: كيف سيؤثر هذا على المعركة في لبنان التي قال رئيس الأركان هذا الأسبوع إنها ليست إلا في بدايتها؟
نستنتج من كل ما قيل، أنه لا يمكن القول إننا في بداية مرحلة نهاية الحرب وأنها خطوة أخرى غير ناضجة من جانب الرئيس الأمريكي. لكن ثمة مجال للأمل، وهذا جيد بحد ذاته.
يديعوت أحرونوت 24/3/2026