رفض الاعتداءات الإيرانية وواجب التضامن العربي مع الخليج


بفعل الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول الخليج، يتشكل واقع سياسي ونفسي جديد في المنطقة يعيد صياغة العلاقة بين إيران ومحيطها العربي على نحو يصعب معه الحديث عن إمكانية التعايش أو بناء الثقة في المستقبل المنظور. فهذه الاعتداءات، سواء جاءت في صورة هجمات مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيرة أو عبر استهداف غير مباشر للبنى التحتية الحيوية وطرق الملاحة، لا تُقرأ خليجيًا باعتبارها أحداثًا معزولة أو ردود فعل ظرفية، بل باعتبارها تعبيرًا عن توجه استراتيجي يعكس رؤية إيرانية للجوار تقوم على فرض النفوذ بالقوة، وتوظيف أدوات الردع العسكري خارج حدودها الوطنية.
هذا الإدراك الخليجي المتراكم لا يقتصر على الحكومات، بل يمتد إلى المجتمعات التي باتت ترى في إيران مصدر تهديد مباشر لأمنها واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي. فحين تُستهدف منشآت الطاقة، أو تُهدد سلامة الملاحة في الخليج العربي، فإن الأثر لا يتوقف عند حدود الخسائر المادية، بل يتجاوزها ليطال الإحساس العام بالأمان، وهو عنصر جوهري في العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع في دول الخليج. ومن هنا، يتعزز الشعور الشعبي بأن إيران لم تعد مجرد جار إقليمي يمكن إدارة الخلاف معه، بل تحولت إلى طرف يهدد أسس الاستقرار ذاته.
وقد ساهمت طبيعة هذه الاعتداءات في تعميق الفجوة النفسية والسياسية. فاستهداف البنية التحتية المدنية، أو توجيه ضربات إلى منشآت ذات طابع اقتصادي حيوي، يخرج عن إطار النزاعات التقليدية بين الدول، ويدخل في نطاق الأفعال التي تُفسَّر على أنها انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي، وخاصة تلك التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية. وهذا ما يجعل من الصعب على الخطاب الرسمي الخليجي، فضلًا عن الرأي العام، أن يتعامل مع إيران بوصفها شريكًا محتملًا في ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذه التطورات تدفع دول الخليج إلى إعادة تموضع استراتيجي قد يتخذ أشكالًا متعددة، من بينها تعزيز التحالفات الأمنية مع قوى دولية، وتكثيف الإنفاق العسكري، والسعي إلى بناء منظومات ردع متقدمة. غير أن هذه الخيارات، على أهميتها، تعكس في جوهرها حالة من فقدان الثقة في إمكانية التوصل إلى تفاهمات مستقرة مع إيران. فحين تصبح التهديدات الأمنية مستمرة وغير قابلة للتنبؤ، يتحول الرد الطبيعي للدول إلى البحث عن ضمانات خارجية، حتى وإن كان ذلك على حساب بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة.
الأخطر من ذلك أن الاعتداءات الإيرانية تساهم في إعادة تشكيل الهوية السياسية للصراع في المنطقة، بحيث لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره صراعًا بين دول، بل بدأ يكتسب أبعادًا تتعلق بالانتماء والهوية. وهذا التطور يحمل في طياته مخاطر كبيرة، لأنه يفتح الباب أمام تصاعد الخطابات الإقصائية، ويعمق الانقسامات، ويجعل من أي محاولة للتهدئة أو المصالحة أكثر تعقيدًا. فحين تتكرس صورة “الجار المعتدي” في الوعي الجمعي، يصبح من الصعب تجاوزها حتى في حال تغيرت السياسات الرسمية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة التضامن العربي مع دول الخليج بوصفها قضية أخلاقية وسياسية في آن واحد. فمن الناحية الأخلاقية، لا يمكن تبرير الاعتداء على سيادة الدول أو استهداف أمنها واستقرارها، بغض النظر عن هوية المعتدي أو مبرراته. ومن الناحية السياسية، فإن التغاضي عن هذه الاعتداءات أو محاولة تبريرها يضعف من الموقف العربي الجماعي، ويبعث برسائل خاطئة مفادها أن الانتهاكات يمكن القبول بها أو التعايش معها إذا كانت تخدم اعتبارات سياسية ضيقة.

 إن التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، بالتوازي مع رفض الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي تنتهك هي الأخرى قواعد القانون الدولي، يمثل خيارًا عقلانيًا

غير أن بعض الخطابات في الفضاء العربي تميل إلى تبرير السلوك الإيراني باعتباره ردًا على الضغوط أو الهجمات التي تتعرض لها طهران من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل. ورغم أن هذه الحجة قد تبدو للوهلة الأولى منطقية في إطار قراءة تفاعلات القوة في المنطقة، إلا أنها تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن انتهاك قواعد القانون الدولي لا يمكن تبريره بانتهاك آخر. فكما أن الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية على إيران تثير إشكاليات قانونية وأخلاقية، فإن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج تقع في الإطار ذاته من حيث مخالفتها للمبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول.
إن تبني موقف مبدئي يرفض جميع أشكال الاعتداء، بغض النظر عن مصدرها، هو السبيل الوحيد للحفاظ على قدر من الاتساق في الخطاب العربي، ولتعزيز مصداقيته على الساحة الدولية. فالتضامن مع دول الخليج لا يعني تبني سياساتها بالكامل أو تجاهل الخلافات القائمة معها، بل يعني الوقوف ضد انتهاك سيادتها وأمنها، تمامًا كما يقتضي الأمر رفض أي انتهاكات أخرى في المنطقة. وهذا التوازن ضروري لتجنب الانزلاق إلى مواقف انتقائية تُفقد الخطاب العربي قوته الأخلاقية.
إلى جانب ذلك، فإن تجاهل الاعتداءات الإيرانية أو التقليل من شأنها يحمل مخاطر استراتيجية على المدى الطويل. فإضعاف الردع الجماعي العربي يشجع على تكرار هذه الأفعال، ويخلق سابقة يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى. كما أن غياب موقف عربي واضح وحازم يترك فراغًا تملؤه القوى الدولية، وهو ما يعزز من اعتماد دول المنطقة على الخارج في إدارة أمنها، ويحد من فرص بناء منظومة إقليمية قادرة على التعامل مع التحديات بشكل مستقل.
من ناحية أخرى، فإن استمرار الاعتداءات الإيرانية يعمق من عزلة طهران الإقليمية، ويقوض أي جهود كانت تهدف إلى تحسين علاقاتها مع دول الجوار. فالثقة، التي تُعد أساس أي علاقة بين الدول، تتآكل بسرعة في ظل هذه الظروف، ويصعب إعادة بنائها حتى مع تقديم مبادرات تهدئة لاحقة. وهذا ما يفسر لماذا يُنظر في الخليج إلى أي تحركات دبلوماسية إيرانية بحذر شديد، بل وبشكوك عميقة حول نواياها الحقيقية.
في المحصلة، تدفع الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج باتجاه مسار تصاعدي من التوتر والقطيعة، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل أيضًا على مستوى الشعوب. وهي تعيد إنتاج بيئة إقليمية يسودها الشك وانعدام الثقة، وتغيب فيها فرص التعاون والتكامل. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تتبنى الشعوب العربية موقفًا واضحًا يقوم على رفض الاعتداءات بجميع أشكالها، وعلى دعم حق دول الخليج في الأمن والاستقرار، دون الوقوع في فخ التبرير أو الانتقائية.
إن بناء موقف عربي متماسك في مواجهة هذه التحديات لا يعني الانحياز إلى طرف ضد آخر بقدر ما يعني الدفاع عن قواعد أساسية تحكم العلاقات بين الدول، وفي مقدمتها احترام السيادة وعدم استخدام القوة. فهذه القواعد، التي تشكل جوهر القانون الدولي، ليست مجرد مبادئ نظرية، بل هي ضمانات أساسية لأمن الدول واستقرارها. ومن دون التمسك بها، يصبح النظام الإقليمي عرضة للفوضى، وتتحول العلاقات بين الدول إلى صراع مفتوح تحكمه موازين القوة وحدها.
وعليه، فإن التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، بالتوازي مع رفض الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي تنتهك هي الأخرى قواعد القانون الدولي، يمثل خيارًا عقلانيًا وأخلاقيًا في آن واحد. فهو يعزز من وحدة الموقف العربي، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال احترام القانون، والابتعاد عن سياسات القوة والهيمنة.

٭ كاتب من مصر



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *