طرابلس – «القدس العربي»: تتواصل التطورات المرتبطة بالناقلة الروسية المنكوبة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية، وسط تحركات رسمية متسارعة لمتابعة مسارها واتخاذ إجراءات عاجلة لتفادي أي كارثة بيئية أو بحرية محتملة في البحر الأبيض المتوسط. ويأتي ذلك في ظل استمرار انجراف السفينة التي تعرضت لأضرار في وقت سابق، بينما تحذر جهات مختصة من مخاطر كبيرة مرتبطة بحمولتها الضخمة من الغاز الطبيعي المسال والوقود، الأمر الذي دفع السلطات الليبية إلى تكثيف التنسيق مع الجهات المحلية والدولية لمراقبة الوضع والسيطرة عليه.
وأعلنت بلدية زوارة، في أحدث التطورات صباح الإثنين، أن ناقلة الغاز الطبيعي الروسية «أركتيك ميتاغاز» باتت تبعد نحو 65 كيلومتراً عن الساحل الليبي، بعد أن واصلت انجرافها نحو الشمال الغربي بفعل التيارات البحرية والرياح. وأوضحت البلدية أنها تتابع الموقف بشكل لحظي بالتنسيق مع غرفة العمليات والجهات المعنية، مؤكدة استمرار التواصل مع مختلف الأجهزة المختصة لمتابعة مسار الناقلة وتقييم المخاطر المحتملة.
وأشارت البلدية إلى أن معظم القطع البحرية التابعة للحقول والشركات النفطية، إلى جانب قطع مصلحة الموانئ وحرس السواحل ووزارة الدفاع، انطلقت بالفعل نحو موقع الناقلة في محاولة للسيطرة على وضعها واتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة لمنع وصولها إلى الساحل أو حدوث أي تسرب قد يؤدي إلى تلوث بحري واسع. كما طمأنت البلدية السكان بأن الجهات المختصة تبذل أقصى الجهود للتعامل مع الوضع، داعية إلى متابعة المعلومات من المصادر الرسمية فقط.
وقبل ذلك بساعات، كانت سرية إسناد حرس وأمن السواحل قد حذرت من احتمال وقوع كارثة بحرية، بعدما أعلنت أن حطام الناقلة يقع على بعد 48 ميلاً شمال شرق مدينة زوارة. وأوضحت السرية أن السفينة تواصل الانجراف بسرعة تقدر بنحو 1.1 عقدة باتجاه السواحل الليبية، بعد تجاوزها منصة صبراتة ومرورها بالقرب من حفارة «فالي»، ما يزيد المخاوف من اقترابها أكثر من المناطق الساحلية.
ولفت البيان إلى أن حجم الحمولة الموجودة على متن السفينة يجعلها خطراً محتملاً في حال وقوع انفجار أو تسرب، إذ تحمل الناقلة نحو 900 طن من الوقود إضافة إلى كميات ضخمة من غاز الميثان المسال. وأشار مراقبون إلى أن تسييل هذا الغاز يتطلب درجات حرارة منخفضة للغاية تصل إلى نحو 160 درجة تحت الصفر، ما يعني أن تسربه إلى مياه البحر قد يؤدي إلى صدمة حرارية تؤثر في الكائنات البحرية، قبل أن يتبخر الغاز مكوّناً سحابة قد تكون سامة في بعض الظروف.
كما حذرت السرية من أن الظروف الجوية السائدة على الساحل الليبي، التي تتضمن سحباً رعدية وأمطاراً، قد تزيد من تعقيد المشهد في حال حدوث تسرب أو انفجار، ما دفعها إلى التوصية بضرورة الابتعاد عن الناقلة لمسافة لا تقل عن خمسة أميال بحرية حفاظاً على سلامة الملاحة والسفن القريبة.
وفي إطار التعامل مع التطورات المتسارعة، أعلن مركز تنسيق البحث والإنقاذ البحري التابع لجهاز حرس السواحل وأمن الموانئ تفعيل إجراءات الاستجابة العاجلة للتعامل مع الناقلة المتضررة. وأوضح المركز أن دوريات بحرية تتابع تحركات السفينة بعد فقدان السيطرة عليها، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات لتنظيم الملاحة البحرية وإبعاد السفن عن مسارها وتأمين خطوط الإبحار في المنطقة.
وأكد المركز أنه يعمل بالتنسيق مع الجهات الوطنية المختصة لضمان إدارة الموقف بشكل متكامل، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تأتي وفق المعايير الدولية المعتمدة في مجال البحث والإنقاذ البحري، مع التركيز على حماية الأرواح في البحر والحفاظ على البيئة البحرية وتأمين حركة الملاحة في المياه القريبة من موقع الحادث.
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت قبل ذلك تعاقدها عبر شركة «مليتة» وبالتعاون مع شريكها الاستراتيجي «إيني» مع شركة عالمية متخصصة في التعامل مع الحوادث البحرية التي تتعرض لها النواقل والمنصات النفطية، وذلك للتعامل مع الناقلة الروسية المتضررة والحد من مخاطر التلوث البحري.
وأوضحت المؤسسة أن التعاقد جاء بصورة طارئة بعد تعرض الناقلة لأضرار أدت إلى خروجها عن السيطرة وهي تحمل شحنة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وأضافت أن المعطيات المتوافرة أظهرت انجراف السفينة تدريجياً نحو السواحل الليبية بفعل الرياح وحركة الأمواج، الأمر الذي استدعى اتخاذ خطوات عاجلة لتقليل المخاطر البيئية المحتملة.
وأشارت المؤسسة إلى وجود خطة تهدف إلى جر الناقلة إلى أحد الموانئ الليبية بطريقة آمنة بالتنسيق مع الجهات المختصة، وفي مقدمتها مصلحة الموانئ والنقل البحري، مؤكدة في الوقت ذاته أن المنشآت النفطية الليبية من منصات ومرافئ لا تواجه حتى الآن أي مخاطر مباشرة نتيجة الحادث. كما أعلنت تشكيل غرفة طوارئ لمتابعة التطورات وتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة. ويعود أصل الأزمة إلى أوائل شهر آذار/مارس الجاري، عندما تعرضت السفينة لأضرار في حادث يُشتبه في أنه هجوم بطائرة مسيرة قرب المياه المالطية. وتتهم موسكو البحرية الأوكرانية بالوقوف وراء هذا الهجوم، في حين لم تصدر كييف تعليقاً رسمياً على هذه الاتهامات حتى الآن.
وتشير تقارير دولية إلى أن الناقلة «أركتيك ميتاغاز» تعد جزءاً من ما يعرف بـ»الأسطول الشبح» الروسي، وهو مجموعة من السفن التي تُستخدم لنقل النفط والغاز بعيداً عن القيود والعقوبات المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا. ويرى مراقبون أن الحادث يعكس امتداد تداعيات الصراع الروسي الأوكراني إلى مناطق جديدة، بما في ذلك البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عن احتمال تحول المنطقة البحرية الواقعة بين ليبيا ومالطا وصقلية إلى نقطة توتر جيوسياسي، خاصة مع وصول سفن روسية أخرى إلى موقع الناقلة لمراقبة الوضع، في وقت تتابع فيه طائرات استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي التطورات في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الخطر لا يقتصر على الجوانب السياسية، بل يمتد أيضاً إلى المخاطر البيئية المحتملة، إذ إن أي تسرب كبير للغاز أو الوقود قد يهدد النظم البيئية البحرية في سواحل ليبيا وتونس، فضلاً عن إمكانية انتشار التلوث إلى مناطق أوسع من البحر الأبيض المتوسط.
وبينما تواصل الجهات الليبية المختصة مراقبة تحركات الناقلة عن كثب، يبقى التحدي الأكبر هو منع وصولها إلى الساحل أو حدوث تسرب من حمولتها، في ظل استمرار تأثير العوامل الجوية والتيارات البحرية على مسارها. وتشير التقديرات إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار هذه الأزمة البحرية وما إذا كانت الجهود الجارية ستنجح في احتواء المخاطر قبل تحولها إلى كارثة بيئية في المنطقة.