عندما فشلت الحرب على إيران حولتها إدارة ترامب للعبة فيديو ومنصات للتربح الإلكتروني


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا كتبته المعلقة نسرين مالك، قالت فيه إن ما كان يفترض أن يكون نصرا سريعا تحول إلى مستنقع، ولذا بات يختزل إلى مجرد جرعة دوبامين.

وتقول إن الحرب على إيران، حتى مع اتساع نطاقها وزعزعتها لاستقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، تبدو غير حقيقية، أو هكذا تصورها إدارة ترامب. فقد تحولت إلى لعبة فيديو، ورياضة جماهيرية، ومهرجان على وسائل التواصل الاجتماعي.

وحول مهندسو هذه الحرب الغباء إلى فضيلة، وتلقوا الدعم في ذلك من منظومة معلوماتية مذهلة. ويبدو الصراع الذي تشنه الولايات المتحدة وكأنه الأول من نوعه في العصر الحديث: بعيد كل البعد عن الواقع، وغبي إلى أبعد الحدود.

بعد أسبوع من اندلاع الحرب، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، يضم لقطات من أفلام “توب غان” و”بريفهارت” ومسلسل “بريكينغ باد”، مع تعليق “العدالة على الطريقة الأمريكية”

وتضيف أنه بعد أسبوع من اندلاع الحرب، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، يضم لقطات من أفلام “توب غان” و”بريفهارت” ومسلسل “بريكينغ باد”، مع تعليق “العدالة على الطريقة الأمريكية”، وهو في حد ذاته إعادة استخدام لشعار سوبرمان.

وفي مقطع آخر بعنوان “تاتش داون”، يظهر لاعبو دوري كرة القدم الأمريكية وهم يتصارعون، وعند الاصطدام، دوى انفجار مدو، مصنف على أنه “غير سري”. كما يظهر سبونج بوب سكوير بانتس [شخصية كرتونية]، سائلا: “هل تريدون رؤيتي أفعلها مرة أخرى؟”، ثم يحدث انفجارا. وفي مقطع آخر، تم تصوير عملية “إبيك فيوري” على شكل لعبة “نينتندو وي”.

وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض لموقع “بوليتيكو”: “نحن هنا نصنع ميمات رائعة، يا رجل. هناك جانب ترفيهي لما نقوم به”.

وتعلق الكاتبة أن دونالد ترامب وقاعدته الشعبية لا يعتبرون كل شيء مجرد لعبة فحسب، بل منافسة، حيث تتمحور السياسة في الداخل والخارج حول تسجيل النقاط والفوز وإذلال الطرف الآخر.

ولكي تكون تلك المنافسة ممتعة، يجب تصويرها بأقل قدر ممكن من المخاطر. وهكذا، لا تدور الحرب حول الموت والدمار والتداعيات الكارثية اقتصاديا وجيوسياسيا، بل حول الازدهار والانتصار والفرحة.

ولكن بصرف النظر عن القلق الذكوري المكبوت، فتصوير آلة ترامب لهذه الحرب يخدم غرضا سياسيا، إذ يغني عن الحاجة إلى أي سرديات أو مبررات معقدة. فترامب ونظامه عاجزان عن تقديم أي منطق متطور للحرب، وهما عاجزان عن الارتقاء فكريا إلى مستوى الحدث، لأن الحرب تعثرت منذ البداية.

فلم يتحقق الهدف الأصلي المتمثل في تهيئة الظروف لتغيير النظام. وقد قصفت إيران دول الخليج وإسرائيل بطائرات مسيرة وصواريخ، وأغلقت مضيق هرمز، ما أدى إلى قطع إمدادات النفط والغاز والسلع وارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد.

فما كان يفترض أن يكون نصرا سريعا تحول إلى مستنقع، ولذا يجب تبسيط كل شيء والتخدير على نطاق واسع وتصويره على أنه انتصار.

ما كان يفترض أن يكون نصرا سريعا تحول إلى مستنقع، ولذا يجب تبسيط كل شيء والتخدير على نطاق واسع وتصويره على أنه انتصار

وتضيف الكاتبة أن ما يزيد من حالة عدم الواقعية هو انفصال الصراع عن الواقع، فلم يسبق أن دارت حرب بمثل هذه العواقب المدمرة والواسعة النطاق وعلى هذه المسافة الجغرافية.

وقد تم استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق غير مسبوق. ففي مقطع فيديو نشره قائد القيادة المركزية الأمريكية لعملية “الغضب الملحمي” في منتصف آذار/مارس، لخص الأدميرال براد كوبر أن الذكاء الاصطناعي لعب دورا حاسما في أكثر من 5,500 ضربة على إيران.

وبهذا المعنى، تشبه الحرب لعبة فيديو حقيقية، حيث أزيلت طبقة أخرى من التفاعل البشري المباشر مع تفاصيل العمليات على أرض الواقع، وأسندت إلى برنامج حاسوبي. لا وجود لقوات على الأرض، ولا أحد يرى عيون القتلى، ولا إحساس بالتوغل الهائل في حياة وأراضي من هم على الجانب الآخر من القنابل والصواريخ.

والخسائر في صفوف الأمريكيين والإسرائيليين قليلة مقارنة بحجم الهجوم، وتغيب المخاطر التي كانت واضحة عند غزو العراق، من قتل المدنيين وجها لوجه، وتعذيبهم في أماكن مثل أبو غريب، وعدد القتلى بين الجنود الأمريكيين والأوروبيين أنفسهم، وكل ما هو موجود هو عدو مجهول، ومقياس للنجاح أو الهزيمة لا يقاس إلا من حيث تعزيز أو إلحاق الضرر بكبرياء الولايات المتحدة.

وتأتي الحرب أيضا في بيئة معلوماتية مهيأة أصلا للانفصال التام. فقد ولى زمن متابعة الحرب حصريا عبر التغطية المتواصلة على قنوات مثل سي إن إن وبي بي سي، مع وجود عدد قليل من المراسلين والمصورين على الأرض ينقلون الأحداث للمشاهدين، أو مراسلي الصحف الذين يجرون تحقيقاتهم. وتختزل جميع الأحداث، من العادية إلى المثيرة، في موجز الأخبار.

عندما تتصارع الحقيقة والزيف باستمرار في خضم المحتوى المتداول، لا يبدو أي شيء حقيقيا

وعلى إنستغرام وتيك توك وغيرها، يمكنك التنقل بين الموائد والمؤثرين وفيديوهات البيت الأبيض ومشاهد الدخان المتصاعد من طهران والدوحة ودبي. وبسبب التصفح التلقائي والمشاهدة دون استيعاب، أصبح لدى الكثير منا فائضا من المعلومات. هذا فضلا عن سيل الآراء، والمنشورات السطحية، والمقاطع المصورة المفبركة، وملايين المحللين والمذيعين على يوتيوب ومواقع البث.

وهناك عدد كبير جدا من المنشورات وفيديوهات “الأخبار العاجلة” عن الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يتبين بعد التدقيق أنها مختلقة بالكامل من حسابات تبدو موثوقة، تسعى لجذب التفاعل.

وعليه، فعندما تتصارع الحقيقة والزيف باستمرار في خضم المحتوى المتداول، لا يبدو أي شيء حقيقيا. وقد أنشئت شركات بأكملها للاستفادة من هذا الوضع. وأصبحت المخاطر على منصة “بولي ماركت”، وهي منصة تنبؤات إلكترونية تتيح للمستخدمين المراهنة على نتائج أي شيء، بما في ذلك الصراعات، بالغة التعقيد والضخامة، لدرجة أن صحافيا تلقى في وقت سابق من هذا الشهر تهديدات بالقتل من مستخدمين خسروا رهانا نتيجة لتقاريره.

ومن الصعب للغاية، وسط هذه القوى المتلاطمة، التمسك بالتعاطف، واتباع البوصلة الأخلاقية، وإدراك أن آلاف الأبرياء يموتون، ومنازلهم تدمر، ودولهم يزعزع استقرارها لجيل كامل.

وتقول الكاتبة إن ما هو مفروض علينا تجاه هذه الحرب المدمرة هو الضغط على من تسببوا في معاناة الناس.

وهذا هو تحدي هذه الحرب، بل وتحدي عصرنا برمته: الحفاظ على الإنسانية والإصرار عليها في مواجهة أولئك القادة السياسيين الذين يستفيدون من طمسها، ومن يمتلكون منصات إلكترونية تتربح من ذلك.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *