باريس- “القدس العربي”:
أسفرت نتائج الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في فرنسا لعام 2026، التي أقيمت يوم الأحد، عن مشهد سياسي متنوع يعكس توازنات جديدة في عدد من المدن الكبرى والمتوسطة على بعد نحو عام من موعد الانتخابات الرئاسية؛ حيث حُسمت المنافسة في عدد من البلديات التي كانت محل متابعة وطنية مكثفة، سواء بسبب ثقلها السياسي أو لوجود شخصيات بارزة على رأس القوائم المتنافسة.
فقد بقيت باريس ومارسيليا وليون، وهي أكبر ثلاث مدن في فرنسا، تحت إدارة اليسار، رغم أن هذا السيناريو لم يكن محسومًا حتى اللحظات الأخيرة، إذ شهدت هذه المدن منافسات قوية وتوقعات بإمكانية تغيير توجهها السياسي، إلا أن التحالفات داخل معسكر اليسار وقدرته على تعبئة الناخبين مكنته من الحفاظ على مواقعه، ما يشكل إشارة إلى استمرار ثقله في المراكز الحضرية الكبرى.
في العاصمة باريس، حقق إيمانويل غريغوار فوزًا مريحًا متجاوزًا نسبة 50% من الأصوات، في مواجهة مرشحة اليمين رشيدة داتي، في سباق كان من أكثر المعارك الانتخابية ترقبًا، خاصة بعد الجولة الأولى التي أظهرت تقاربًا في النتائج. وقد ساهمت تعددية القوائم واستمرار مرشحة اليسار الراديكالي صوفيا شيكيرو في تعزيز حظوظ مرشح اليسار الموحد الذي تمكن في النهاية من حسم المواجهة لصالحه.
أما في ليون، فقد احتفظ رئيس البلدية المنتهية ولايته غريغوري دوسيه، عن حزب الخضر، بمنصبه بفارق ضئيل للغاية، لم يتجاوز بضعة آلاف من الأصوات أمام منافسه الرئيس السابق لنادي المدينة لكرة القدم، جان ميشال أولاس، الذي أعلن نيته الطعن في النتائج بسبب ما وصفه بمخالفات انتخابية، في حين عكس هذا التقارب في النتيجة النهائية شدة الاستقطاب السياسي في المدينة.
في مارسيليا، تمكن الاشتراكي بنوا بيان من تجديد ولايته بسهولة نسبية بحصوله على أكثر من 54% من الأصوات، متقدمًا بفارق واضح على مرشح اليمين المتطرف، فرانك آليزيو، في معركة ثلاثية كانت تبدو مفتوحة على جميع الاحتمالات، إلا أن انسحاب مرشح اليسار الراديكالي (حزب فرنسا الأبية)، سيبستيان دولوغي، لعب دورًا حاسمًا في ترجيح الكفة.
شهدت مدينة بوردو تحولًا سياسيًا لافتًا، حيث نجح توماس كازنوف في انتزاع رئاسة البلدية من العمدة البيئي بيار هورميك، لتعود المدينة إلى توجه أكثر قربًا من التيار الرئاسي، بعد أن كان اليسار البيئي قد حقق فيها اختراقًا تاريخيًا في انتخابات عام 2020.
وفي مدينة نانت، تمكنت الاشتراكية جوانا رولان من الحفاظ على موقعها، متجاوزة منافسها من اليمين، مستفيدة من تحالفها مع قوى اليسار الأخرى، ما مكنها من تحقيق فوز مريح نسبيًا يكرس استمرار سيطرة الحزب الاشتراكي على المدينة.
أما في مدينة ليل، فقد نجح الاشتراكي أرنو ديلاند في تثبيت موقعه خلفًا لمارتين أوبري، بعد مواجهة قوية مع مرشحة اليسار الراديكالي، حيث ساهم التحالف مع الخضر في تعزيز موقعه خلال الجولة الثانية.
في مدينة لوهافر، أعيد انتخاب رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، زعيم حزب “آفاق” اليميني الوسطي؛ ما يعزز موقعه السياسي الوطني ويفتح أمامه آفاقًا أوسع في سياق الاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد نحو عام.
في المقابل، شكلت نتائج مدينة “بو” مفاجأة مدوية، حيث خسر فرانسوا بايرو، رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب “موديم” اليميني الوسطي معقله التقليدي بفارق ضئيل جدًا لم يتجاوز بضع مئات من الأصوات، أمام الاشتراكي جيروم ماربو، في هزيمة تعد ضربة قوية لمسيرته السياسية بعد سلسلة من التراجعات مؤخراً.
وفي مدينة ميلهاوس، أسفرت المنافسة المفتوحة عن فوز فريديريك ماركيه، وقائمته المستقلة، بعد تحالفات مع قوى من الوسط، في انتخابات تميزت بتعدد غير مسبوق في القوائم.
كما شهدت مدينة نيم تحولًا سياسيًا مهمًا، حيث انتقلت إلى اليسار بعد فوز مرشح الحزب الشيوعي، في حين سجلت مدينة بريست تحولًا معاكسًا بانتقالها إلى اليمين بعد عقود من سيطرة اليسار.
في مدينة تولون، تمكنت العمدة اليمينية جوزيه ماسي من الحفاظ على منصبها، متغلبة على مرشحة اليمين المتطرف، لور لافاليت (حزب التجمع الوطني) رغم تقدم الأخيرة في الجولة الأولى، في نتيجة تعكس ديناميكيات محلية معقدة. كما حافظت ليموج على توجهها اليميني بعد فوز مرشح الجمهوريين رغم تحالف قوى اليسار.
أما في مدينة روبيكس، فقد حقق دافيد غيرو فوزًا واضحًا، مؤكدًا طموحات اليسار الراديكالي (حزب فرنسا الأبية) في توسيع نفوذه داخل المدن الشعبية. وقد أشاد مانويل بومبارد، منسق الحزب بنتائج الجولة الثانية من الانتخابات البلدية، واصفًا إياها بـ“الاختراق” حيث حقق الحزب الفوز في عدد من البلديات الأخرى، لاسيما في منطقة باريس الكبرى، رغم بعض الهزائم في ثلاث مدن تحالف فيها مع الحزب الاشتراكي، كما هو الحال في مدن تولوز، حيث كان الفوز من نصيب مرشحين من اليمين التقليدي المحافظ ووسط اليمين.
أما مدينة نيس فقد شهدت تحولًا سياسيًا مهمًا، بفوز اليميني المتشدد إريك سيؤتي، المتحالف مع حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، على رئيس البلدية المنتهية ولايته كريستيان إستروزي، المدعوم من أحزاب اليمين ويمين الوسط.
كما حقق حزب “التجمع الوطني” فوزًا كبيرًا، في مدينة كاركاسون، التي كانت هدفًا استراتيجيًا خلال الحملة، ما يعكس استمرار تقدم اليمين المتطرف في عدد من البلديات، قبل نحو عام واحد فقط من الانتخابات الرئاسية.
تعكس هذه النتائج النهائية للانتخابات البلدية الفرنسية لعام 2026 خريطة سياسية محلية شديدة التباين، حيث تمكنت قوى اليسار من الحفاظ على مواقعها في عدد من المدن الكبرى، مقابل اختراقات لليمين واليمين المتطرف في مدن أخرى، ما يعزز من تعقيد المشهد السياسي الفرنسي قبل الاستحقاق الرئاسي في أبريل عام 2027.