حروب أمريكا ومبدأ النفخ في قربة مثقوبة


عن سابق إدراك بسيط لمقادير الضلال والتضليل و»الزعبرة»، كما كان يحلو للراحل الكبير رياض الترك أن يردد عند توصيف سياقات مماثلة، في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصدد تافه الأمور مثل عظائمها؛ ضئيلة، جدّ محدودة ومنتقصة وأقرب إلى اللغو الممسرح، أقواله التي تشرح أهداف الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران.
وليست الحال، غنيّ عن القول، أفضل من حيث الوضوح أو التماسك أو التجانس، لدى كبار معاونيه في الإدارة، سواء على أصعدة دبلوماسية في الخارجية، أو حربية/ عسكرية في البنتاغون، أو اقتصادية تخصّ توريدات الطاقة وأكلافها. لا جديد، كذلك لدى تابعه في العدوان، وإمّعته، مجرم الحرب بنيامين نتنياهو؛ الذي اعتاد على خلائط شتى من «زعبرة» الخطاب وتوحش الحقد وعربدة التكاذب…
العناوين العريضة لتلك الأغراض، كما صدحت بها حناجر ترامب ورجاله، وردد أصداءها نتنياهو ومجرمو الحرب في دولة الاحتلال الإسرائيلي، سردت سلسلة أغراض: كسر برنامج إيران النووي، وإضعاف قدراتها العسكرية عموماً والصاروخية خصوصاً، والحدّ من نفوذها الإقليمي، وتأديب أذرعها في المنطقة. وطبقاً لصياغات مختلفة، ركيكة غائمة تارة وأكثر ركاكة وجلافة طوراً، ألمح ترامب وأوضح نتنياهو أنّ ذروة هذه الأهداف سوف تكون تشجيع الشعب الإيراني على الانتفاض وإسقاط نظام الحكم.
ومنذ 28 شباط (فبراير) الماضي، تاريخ ابتداء العدوان المشترك على إيران، ولا تستنكف هذه السطور عن توصيفها بحرب تستهدف الشعب والمنشآت العلمية والصناعية والثروات الوطنية والبنى التحتية والمدارس والصروح الثقافية والتاريخية، قبل آيات الله والملالي ورموز السلطة؛ تقلبت هذه الأغراض من حيث المنطوق، وتذبذبت من حيث ارتباطها بوقائع ما يتحقق بصدد «بنك الأهداف» على الأرض سواء ضدّ إيران أو دولة الاحتلال أو بلدان الجوار، أو اتساع نطاقها ليشمل لبنان بأسره ومناطق في العراق وفي جنوب سوريا، فضلاً عن ألفاظ ترامب المقذعة بحقّ الشركاء «الجبناء» في أوروبا والحلف الأطلسي.
وكان في وسع البشرية أن تصغي إلى ترامب وهو يستغفل العقول علانية، ومن دون أدنى إحساس بحجم الوقاحة، في تصريح من هذا الطراز، مثلاً، حول أنّ برنامج إيران للصواريخ بعيدة المدى «يمكن أن يهدد أفضل أصدقائنا وحلفائنا أنفسهم في أوروبا، وقوّاتنا المتمركزة عبر البحار، ويمكن سريعاً أن يصل إلى الوطن الأمريكي». ذلك أنّ ثلاثة أسابيع انقضت على تلك الكذبة، فلم يتضح أن صواريخ طهران بلغت أوروبا بالفعل، فكيف بيابسة أمريكا ما وراء المحيط؛ وبالتالي لم يتهدد أصدقاء واشنطن وحلفاءها إلا على صعيد انفلات أسعار الطاقة من عقالها، واستقبال شتائم ترامب ووعيده وتهديده.
وبعد أقلّ من أسبوع على شنّ الحرب، أعلن ترامب أنها قد تدوم ثلاثة أسابيع أو أربعة؛ ثم عدّل المدّة إلى «ما يستغرقه الزمن، لا بأس لدينا، ما تتطلبه» العمليات، لأنّ الذخيرة الأمريكية «لا حدود لها فعلياً»، ويمكن للحرب «أن تدوم إلى الأبد»؛ وفي غضون هذا التخبط، كان قد وعد صحيفة «ديلي ميل» البريطانية بتوقيت، ومنح «نيويورك تايمز» الأمريكية توقيتاُ مختلفاً. وإذا لم تكن الحال مفاجئة من هذا الرئيس الأمريكي تحديداً، فإنّ تشدّقه حول إنهاء المهمة يعيد إلى الذاكرة تصريحات الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بعد الحرب على العراق سنة 2003؛ وكلا الرئيسين نافخ في قربة مثقوبة، حتى إذا كان ترامب أَنْفخُ من سلفه.
صحيح، من جانب آخر، أنّ خسائر إيران، البلد والشعب قبل النظام والأجهزة، فادحة وجسيمة وتتجاوز البشر والشجر والحجر، لأنها أيضاً تزرع المزيد من بذور الشقاق بين شعوب المنطقة وتواريخها الماضية والحاضرة والمستقبلية؛ ولكن ليس أقلّ صحّة أنّ هذه الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية تدوّن فصلاً جديداً في سجلّ إمبريالي حافل، يدمّر ويسحق ويمحق… ولا يتوقف عن النفخ في القربة إياها!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *