نواكشوط ـ «القدس العربي»: يشهد قطاع «اشتر الآن وادفع لاحقًا»، توسعًا متسارعًا في أفريقيا، مدفوعًا بالانتشار الواسع للتجارة الإلكترونية وخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، في وقت تتجه فيه السلطات التنظيمية إلى تشديد الرقابة على هذا النوع من الائتمان الرقمي.
ويُتوقع أن يتحول هذا النمو السريع خلال السنوات المقبلة إلى سوق بمليارات الدولارات، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى إعادة تشكيل المشهد التنافسي بين شركات التكنولوجيا المالية.
ووفق تقرير صادر عن شركة الأبحاث التجارية «ف Research and Markets « فإن حجم سوق الدفع المؤجل في أفريقيا مرشح للارتفاع من نحو 5.2 مليارات دولار في عام 2025 إلى 16.8 مليار دولار بحلول عام 2031، مدفوعًا بمعدلات نمو مرتفعة في قطاع الائتمان الرقمي الموجه للمستهلكين.
ويشير التقرير إلى «أن هذا القطاع حقق معدل نمو سنوي مركب بلغ 30.5 في المئة بين عامي 2022 و2025، في حين يتوقع أن يستمر في التوسع بمعدل يقارب 20.7 في المئة سنويًا بين 2026 و2031، ما يعكس تحولًا متزايدًا في سلوك المستهلكين الأفارقة نحو حلول الدفع المرنة التي تسمح بتقسيط المشتريات دون اللجوء إلى القروض التقليدية».
سوق تقودها التجارة الإلكترونية
في مختلف مناطق القارة، يتخذ نموذج BNPL شكل سوق ائتمان مجزأة، لكنها تزداد تنظيمًا وتداخلًا مع منظومات الدفع الرقمي والتجارة الإلكترونية. وتبرز عدة دول كمراكز رئيسية لهذا النشاط، على رأسها جنوب أفريقيا وكينيا ونيجريا ومصر.
وتختلف أنماط انتشار هذه الخدمة بين هذه الأسواق. ففي جنوب أفريقيا يرتبط الدفع المؤجل بشكل وثيق بمنصات التجارة الإلكترونية ومتاجر التجزئة التقليدية، بينما يعتمد انتشاره في كينيا ونيجيريا بدرجة أكبر على خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول والتطبيقات الرقمية متعددة الخدمات.
وتلعب شركات التكنولوجيا المالية دورًا محوريًا في هذا التوسع، حيث تقود شركات مثل Payflex في جنوب أفريقيا، و Lipa Later في كينيا، وvalU في مصر، و CredPal في نيجيريا عملية تطوير هذا القطاع.
كما بدأت منصات التجارة الإلكترونية في دمج هذا النوع من الخدمات ضمن خيارات الدفع؛ فقد عقدت منصة Jumia مثلًا شراكات مع شركات تمويل استهلاكي لتوفير الدفع بالتقسيط مباشرة عند إتمام عمليات الشراء، ما يسمح للمستهلكين بتوزيع مدفوعاتهم على عدة دفعات، مع ضمان حصول التجار على مستحقاتهم فورًا.
دور الهاتف المحمول
إلى جانب التجارة الإلكترونية، تسهم منظومات الدفع عبر الهاتف المحمول في توسيع نطاق استخدام الدفع المؤجل ليشمل متاجر البيع التقليدية والنفقات اليومية. وتتيح خدمات مرتبطة بمنصة M-PESA مثل خدمة Faraja للمستخدمين شراء السلع أو الخدمات ودفع ثمنها لاحقًا.
كما دخلت شركات الاتصالات على خط المنافسة، مستفيدة من قواعد بياناتها الواسعة من العملاء لتقديم منتجات تمويل صغيرة تتجاوز التجارة الإلكترونية إلى مجالات مثل شراء الهواتف الذكية وخدمات الاتصالات وحتى أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية.
غير أن النمو السريع لهذا القطاع دفع الجهات التنظيمية في عدة دول أفريقية إلى توسيع الأطر القانونية التي تحكم القروض الرقمية، بحيث تشمل منتجات الدفع المؤجل.
وتشمل هذه الإجراءات متطلبات الترخيص، وفرض معايير شفافية أكبر، إضافة إلى إلزام الشركات بتقييم قدرة العملاء على السداد.
وقد بدأت هذه السياسات بالفعل في رفع حواجز الدخول إلى السوق في دول مثل كينيا ونيجريا ومصر، حيث أصبح مقدمو القروض الرقمية مطالبين بالحصول على تراخيص رسمية والامتثال لقواعد حماية المستهلك.
وحسبما ورد في التقرير فإن هذه التطورات ستؤدي على الأرجح إلى زيادة تكاليف الامتثال والمتطلبات الرأسمالية، وهو ما قد يصب في مصلحة الشركات الكبرى المدعومة من البنوك أو المستثمرين، في حين قد تجد الشركات الناشئة الصغيرة نفسها مضطرة إلى الاندماج أو الانسحاب من السوق أو الاكتفاء بتقديم حلول تكنولوجية.
نحو سوق أكثر تنظيمًا
ومع استمرار هذا الاتجاه، يتوقع أن يتجه سوق الدفع المؤجل في أفريقيا نحو عدد أقل من الشركات المرخصة لكن أكثر قدرة على إدارة المخاطر، مع توسع الشراكات بين شركات التكنولوجيا المالية والبنوك وشركات التأمين ومكاتب المعلومات الائتمانية.
وبينما يفتح هذا النمو آفاقًا واسعة لتعزيز الشمول المالي في القارة، فإنه في الوقت ذاته يضع قطاع التكنولوجيا المالية أمام مرحلة جديدة تتسم بالمنافسة العالية والرقابة التنظيمية الصارمة، ما قد يعيد تشكيل خريطة التمويل الرقمي في أفريقيا خلال السنوات المقبلة.