أديبة إسرائيلية في لحظة قراءة وتأمل للواقع النازف الحالي إسرائيل دولة عنيفة محاطة بأعداء… تغّذي الكراهية وسفك الدمّ


الناصرة ـ «القدس العربي»: انتقدت أديبة إسرائيلية بارزة تجليّات التوحش ودعم القوة المفرطة في إسرائيل، وحملت على وسائل الإعلامية العبرية المتجندة لها والمتطابقة مع سياسات وتجوهات حكومة الاحتلال التي تنتقل من حرب لأخرى في السنوات الثلاث الأخيرة. في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» تقول الشاعرة وكاتبة النصوص التلفزيونية اليهودية حملت نيلي أوشروف على تصريحات الساسة والمسؤولين الإسرائيليين في الإئتلاف والمعارضة آخرها السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانوني الذي قال للإذاعة العبرية الرسمية الجمعة إن وقف الحرب الآن سيخدم إيران. ودعا دانوني لمواصلة استخدام القوة مع إيران ومع كل من تسوّل له نفسه بتهديد إسرائيل معتبرا إياها السبيل الوحيد للبقاء والتطور متماثلا مع ذلك مع رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو الذي فاضل بين جنكيز خان وبين السيد المسيح. ودعا دانوني الإسرائيليين للصبر ومواصلة دعم قرار الحرب وقال إن دولا في الخليج تتصل بحكومة إسرائيل وتطالبها بالاستمرار بالحرب على إيران وعدم وقفها. في هذا المضمار يؤكد المحلل لشؤون الطاقة طارق عواد من مدينة الناصرة داخل أراضي 48 ضمن حديث لراديو الناس الذي يبث من المدينة ذاتها أن إسرائيل تدخل أرباحا كبيرة بسبب ارتفاع أسعار الغاز نتيجة تعطل صناعات الطاقة تقريبا في دول الخليج، وقال إن هذه المداخيل تتصاعد مع استمرار الحرب وتعوضّ إسرائيل خسائر المادية. كما انتقدت نيلي أوشروف برامج الأخبار والترفيه التلفزيونية العبرية وقالت إن برنامج افتتاح الموسم من «الأخ الكبير» في القناة 12 العبرية حقق نسبة مشاهدة تراكمية بلغت 77 في المئة في مساء إطلاق الموسم الجديد، بالتزامن مع برنامج «السباق إلى المليون» ودوري أبطال أوروبا، وسط تجاهل للدم المسفوح والدمار الهائل في كل المنطقة. وتتابع في توجيه سهامها لبلادة إحساس الإسرائيليين: «تمت تصفية أربعة مسلحين، أعلنت مراسلة القناة 14 العبرية بفخر، وفي الاستوديو فُتحت شمبانيا مجازية. قلب كل إنسانٍ سويّ ينكسر عند سماع نبأ مقتل أفراد عائلة بني عودة بشكلٍ مروّع على يد قواتنا المتخفية الشجاعة، لكن لا مجال للمقارنة مع حجم الصدمة التي أثارها الخبر الصاعق عن إلغاء عطلات الفصح في الخارج. هذا حقًا ما قتلنا، نحن الإسرائيليون. فصح بلا سفر إلى الخارج؟ من المفارقة أن التجربة المثلى للإسرائيليين في عيدٍ يرمز إلى عودتهم إلى أرض الآباء هي الهروب إلى الخارج، لكن الواقع الإسرائيلي زاخر بالمفارقات. مثل بكائنا على ما يفعله بنا الإيرانيون في حربٍ نحن من بدأها».

فنّ الهرب

وتقول إن الإسرائيليين لا يكتفون برثاء الذات على طريقة «القوزاق المظلوم» بل يطوّرون فن الهروب من الواقع إلى مستويات متقدمة والإجازة في الخارج هي، بطبيعة الحال، قمة هذا الهروب – فرار جسدي، جغرافي، ثقافي ونفسي من كل هذا العبء الإسرائيلي – لكن للهروب وجوهًا كثيرة: «في الأسبوع الثاني من الحرب الإيرانية الثانية سُجّلت نسب مشاهدة قياسية للقنوات التلفزيونية 77 في المئة إجمالًا في مساء عُرض فيه افتتاح الأخ الكبير، حلقة جديدة من السباق إلى المليون ومباريات دوري أبطال أوروبا. وذلك بعد أسبوع فقط من حدث تلفزيوني ضُخّ له بحملة مكثفة في هيئة البث – الكشف عن أغنيتنا لليوروفيجن- والذي أتاح لملايين الإسرائيليين أن يطلقوا أخيرًا أنفاسهم المكبوتة، هذه المرة من دون إرشادات ناطقٍ أشيب مهيب من قيادة الجبهة الداخلية التابعة للجيش. أضيفوا إلى ذلك نشرات أخبار تتجنب الحقيقة كما لو كانت صاروخًا إيرانيًا متشظيًا، وستحصلون على ملاذٍ محصّن من الواقع. وبالتوازي، سُجّل خلال الحرب ارتفاع في مبيعات المثلجات. مزيج الأريكة، جهاز التحكّم والمثلجات هو خلطة رابحة. يا لها من حربٍ حلوة رتّبوها لنا».

الهروب امتياز الضحية فقط

وهنا برأيها تكمن المفارقة: «بينما نغدق على أنفسنا بسخاء كل أشكال الهروب من الواقع، ننسى أن هذا الهروب هو، في الأصل، امتياز الضحية وحدها. وحده يملك الحق الكامل في البحث عن أي ملاذ يخفف عنه ألمه. أما إسرائيل، فرغم الألم الفادح الذي عاشته في السابع من أكتوبر، فهي ليست ضحية فحسب. عليها أيضًا مسؤولية كاملة عن المعاناة التي لحقت بمواطنيها الأبرياء، وبالطبع عن المعاناة الهائلة التي تسببت بها، والتي ستواصل التسبب بها، لأبرياء آخرين». وتقول إن إسرائيل ليست دولة ضعيفة بل إنها دولة قوية،عنيفة، وتمارس القمع منذ عقود. وتمضي في قول حقيقة يهرب ويتهرب منها الإسرائيليون بشكل عام: «صحيح أنها محاطة بأعداء، لكنها تفعل كل ما في وسعها لتغذية الكراهية وسفك الدماء. الحرب الأخيرة التي بادرت إليها تُرسّخ أكثر صورتها كفتوة الحي، إسرائيل المُصفّية، التي لا ترى أحدًا سوى نفسها، بينما ينشغل أبناؤها، بالمناسبة، بقتل الفلسطينيين في الضفة».
وتؤكد نيلي أوشروف أن الإسرائيليين فقدوا تمامًا القدرة على تمييز المفارقة، والأسوأ من ذلك أنهم فقدوا إنسانيتهم منوهة أن الصحافية الإسرائيلية مراسلة صحيفة «هآرتس» العبرية في رام الله عميرة هاس، هي صحافية بارزة حافظت على شرف المهنة طوال سنوات الاحتلال والحروب. وتقول هاس روت في حديثٍ معها في تل أبيب أن أصعب ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة هو فقدان إنسانية الإسرائيليين: «كنا نعرف أن فيكم شيئًا من الصواب. أنه إذا اعتُقل طفل، سينتهي الأمر بخير. أن فيكم بشرًا. اليوم، هذا اختفى». على خلفية هذا ترى نيلي أوشروف أيضا أن الهروب من الواقع الذي يمنحه الإسرائيليون لأنفسهم هو تعبير عن عملية نزع الإنسانية التي مرّوا بها. «كثير يغرق في البحر حولنا ونحن ننشد نشيدًا، ونحن ننشد، نسافر، ونأكل المثلجات. وربما يكون الهروب هو أصل الداء. فهو يُضعف ويُبلّد ويُغيب. يمنعنا من الفعل، من النظر إلى الواقع بعيون مفتوحة، من مواجهة الحقيقة، ومن البحث عن القدرة على التغيير».
وتخلص نيلي أوشروف للقول عن توحّش الإسرائيليين وهروبهم من أنفسهم ومن الحقيقة: «نشيد الهروب هو تلك الأغنية التي نحبها كثيرًا، والتي هي، في الوقت نفسه، زائفة: ودائمًا سيكون لي فقط خير، خير أكثر، وأكثر. من المحزن أن نتذكر أن النشيد الذي كان يُفترض أن يليق بإسرائيل هو: لأنني ما زلت أؤمن بالإنسان، وبروحه – روحٍ جسورة».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *