الرباط ـ «القدس العربي» : في الحادي والعشرين من آذار/مارس من كل عام، ينبض العالم بقلب شاعر، وتصبح الكلمات أكثر قدرة على ملامسة عمق الإنسان. إنه اليوم العالمي للشعر، المناسبة التي اختارتها الإنسانية للاحتفاء بالكلمة بوصفها ملاذا أولا وأخيرا في وجه القسوة، وصوتا ينجو من ضجيج اليومي، وهدير الحروب، وضغط الآلة.
لكن احتفال هذه السنة لا يأتي في سياق عادي، فالعالم، كما يراه كثير من الشعراء، يعيش على إيقاع أزمات متلاحقة، من حروب مدمرة إلى كوارث إنسانية مؤلمة، ليبقى السؤال الجوهري: هل ما يزال للشعر مكان في زمن يعلو فيه صوت الألم والسلاح؟
وكعادته، نشر «بيت الشعر في المغرب» نص «كلمة الشاعر» بمناسبة هذا الاحتفال، وهي الوثيقة التي أصبحت تقليدا ثقافيا سنويا يعكس رؤية الشعراء لدور القصيدة في عالم متغير. وقد حملت كلمة هذا العام توقيع الشاعر التونسي آدم فتحي، الذي اختار لها عنوانا لافتا: «يمنح الشعراء كلّ شيء صوتا… حتى الصّمت».
منذ السطور الأولى، يرسم فتحي صورة قاتمة، لكنها واعية، لوضع الشاعر المعاصر. فهو يرى أن الاحتفاء بالشعر في زمن «تدوّي فيه طبول الحرب وتتعاقب الكوارث» قد يبدو أحيانا وكأنه مفارقة، أو حتى «خدعة حرب»، في إشارة إلى التوتر القائم بين فعل الكتابة وواقع العنف. ومع ذلك، لا يسقط الشاعر في العدمية، بل يؤكد أن هذه المفارقة بالذات هي ما يمنح الشعر ضرورته.
ومن جهته، يُقرّ مراد القادري، رئيس بيت الشعر في المغرب، بهذه المفارقة، معتبرا أن احتفالات هذه السنة «تمتزج فيها مرارة الحرب، باعتبارها المناقض الموضوعي للشعر»، ما يجعل لحظة الاحتفاء مشوبة بإحساس عميق بالألم واللاجدوى، في عالم «يحترق ويستنزف خيراته البشرية والمادية والرمزية».
وعلى الرغم من هذا التشخيص القاتم، يستدرك القادري، متحدثا لـ»القدس العربي»، بالتأكيد على جانب آخر أكثر إشراقا، يتمثل في الشعور بالإنجاز الثقافي. فالمؤسسة التي يرأسها كانت وراء المبادرة التي أدت إلى إقرار اليوم العالمي للشعر، بعد أن تقدّمت بمقترح إلى منظمة اليونسكو سنة 1998، وهو المقترح الذي جرى اعتماده رسميا في 1999 خلال المؤتمر العام للمنظمة في باريس. ومنذ ذلك الحين، تحوّل 21 مارس إلى موعد سنوي يحتفي فيه العالم بالشعر كقيمة إنسانية مشتركة. واستحضار هذه اللحظة التاريخية ليس من باب التوثيق فقط، بل للتأكيد على أن الفكرة لم تكن مجرد احتفال رمزي، بل رؤية ثقافية عميقة، هدفت إلى إعادة الاعتبار للكلمة في زمن العولمة المتسارعة. ومنذ ذلك «السبق»، ظلّ «بيت الشعر في المغرب» يعمل على جعل هذه المناسبة فضاءً لطرح أسئلة الحرية والمعنى والوجود.
ويذهب آدم فتحي، في «كلمة الشاعر» لهذا العام، أبعد من التشخيص، ليغوص في طبيعة الدور الذي يلعبه الشاعر في عالم اليوم. فهو يرى أن الشعراء يدفعون «ضريبة» خاصة، لأنهم يمتلكون حساسية مفرطة تجاه الألم الإنساني، ويقترح توصيفا لافتا لعملهم باعتباره نوعا من «انتفاضة البصيرة». فالشاعر، كما يراه، هو ذلك الذي يرفض اللغة الباردة، التي تبرر العنف، وينتبه إلى الإنسان حيث يحاول الخطاب الرسمي تحويله إلى رقم أو «ضرر جانبي». بهذا المعنى، يصبح الشعر فعل مقاومة ضد تآكل المعنى، وأداة لكشف ما تحاول اللغة السائدة إخفاءه. وهو ما يتقاطع مع فكرة مركزية في النص، مفادها أن القصيدة، حتى إن لم تكن قادرة على «إنقاذ المدينة» أو «تطهير الهواء»، فإنها تظلّ قادرة على إحداث أثر خفي، يشبه بذرة صغيرة تتسلل إلى شق في الإسمنت لتعيد للحياة إمكانية النمو.
ولا تغفل الكلمة الإشارة إلى التحديات الجديدة التي يطرحها العصر الرقمي، حيث تتزايد هيمنة التكنولوجيا والأنظمة الخوارزمية على تفاصيل الحياة اليومية. وفي هذا السياق، يصف فتحي الشعر بأنه «عشبة الحرية» التي تمنع الإنسان من الاستسلام الكامل لمنطق الآلة، وتحافظ على مساحة للخيال والدهشة.
وفي مقابل هذا الزحف التكنولوجي، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ما الذي يخيف الحروب في الشعراء؟ يجيب فتحي بشكل دقيق حين يقول، إن الحرب «لا تخاف على الشعراء، لكنها تخاف منهم قليلا»، في إشارة إلى قدرة الكلمة على فضح العنف، ولو بشكل رمزي، وعلى إبقاء الذاكرة حية في وجه محاولات الطمس.
ويأتي احتفال هذا العام متزامنا مع اعتراف دولي بجهود «بيت الشعر في المغرب»، حيث أكد مراد القادري، متحدثا لـ»القدس العربي»، أن المؤسسة ستتسلم في اليوم العالمي للشعر، جائزة الأكاديمية الدولية للشعر في مدينة فيرونا الإيطالية، تقديرا لدورها في ترسيخ مكانة الشعر عالميا، وفي الدفاع عن الكلمة في وجه الضجيج المعاصر. بالنسبة لكثير من المبدعين، لا يقدم اليوم العالمي للشعر إجابات جاهزة، بقدر ما يعيد طرح الأسئلة الكبرى: ما جدوى القصيدة؟ وما موقع الإنسان في عالم يتجه نحو مزيد من القسوة والآلية؟ غير أن الجواب، كما يوحي به هذا الاحتفاء، يكمن في الاستمرار ذاته، في الإصرار على الكتابة، وعلى الإنصات لذلك الصوت الرخيم الذي يتحدث من داخلنا.
فالشعر، كما يراه عدد من النقاد والمبدعين، في نهاية المطاف، ليس ترفا لغويا، بل ضرورة إنسانية. إنه المساحة التي نستعيد فيها قدرتنا على الإحساس، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، وعلى منح صوت لمن لا صوت لهم. وفي زمن يهدد فيه الصمت بأن يصبح القاعدة، يظل الشعر ـ كما يقول عنوان «كلمة الشاعر» ـ قادرا على أن يمنح كل شيء صوتا، حتى ذلك الصمت الثقيل الذي تحاول الحروب فرضه على العالم.