إسرائيل تستغل الحرب ضد إيران لفرض وقائع دائمة تقوّض حلّ الدولتين


لندن- “القدس العربي”: قال السفير الفلسطيني في بريطانيا، الدكتور حسام زملط، إن الشرق الأوسط يشهد حالة اشتعال غير مسبوقة، في وقت ينشغل فيه العالم بالحرب التي بدأت بهجوم إسرائيلي-أمريكي على إيران وتوسعت لاحقًا، بينما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة “تحوّل دائم” بعيدًا عن الأضواء.

وأوضح زملط، في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست، أن ما يحدث ليس عرضيًا، بل هو “قرار استراتيجي” من إسرائيل لترسيخ هيمنتها الإقليمية وتوجيه ضربة قاضية لفكرة الدولة الفلسطينية، مستغلة أجواء الحرب.

زملط: ما يحدث ليس عرضيًا، بل هو “قرار استراتيجي” من إسرائيل لترسيخ هيمنتها الإقليمية وتوجيه ضربة قاضية لفكرة الدولة الفلسطينية

وأشار إلى أن الضفة الغربية تشهد تسارعًا تاريخيًا في التوسع الاستيطاني، مع تزايد مصادرة الأراضي وفق سياسات جديدة أقرتها الحكومة الإسرائيلية، في ما تصفه تل أبيب بـ“بسط السيادة”، بينما يصفه القانون الدولي بأنه “ضمّ غير قانوني”.

وتطرّق زملط إلى ما يُعرف بـ“خطة إيل”، التي من شأنها عمليًا تقسيم الضفة الغربية إلى جزأين، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، عبر إنشاء تواصل استيطاني يمتدّ من القدس إلى غور الأردن. ولفت إلى أن المستوطنات، التي تُعدّ غير قانونية دوليًا، تهدف أساسًا إلى عرقلة حق الفلسطينيين في تقرير المصير. واستشهد بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أكد عند توقيع الاتفاق على الخطة في سبتمبر/ أيلول 2025 أنه “لن تكون هناك دولة فلسطينية أبدًا”.

وفي السياق ذاته، حذّر زملط من تصاعد “إرهاب المستوطنين” ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة، بدعم حكومي ومشاركة متزايدة من الجيش الإسرائيلي. وذكر أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن وحدات احتياط في الجيش مكوّنة من مستوطنين تعمل كميليشيات فعلية على الأرض.

وأكد أن أي حلّ سياسي حقيقي لن يكون ممكنًا دون تفكيك المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين.

واستعرض زملط في المقابة نمطًا متكررًا يتمثل في تسريع خطوات الضمّ خلال فترات التهدئة والمفاوضات، مشيرًا إلى مبادرة السلام العربية التي أُطلقت عام 2002 بقيادة السعودية، والتي عرضت على إسرائيل اعترافًا كاملًا وتطبيعًا مقابل إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية وحلّ عادل لقضية اللاجئين، لكنها رُفضت دون دراسة.

وبشأن غزة، أشار إلى أنه رغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فإن إسرائيل قتلت مئات الفلسطينيين منذ دخوله حيز التنفيذ، في انتهاك لم يواجه تحديًا يُذكر. وأضاف أن أكثر من مليوني شخص يعيشون في ظروف قاسية داخل خيام، مع قيود شديدة على المساعدات، فيما دُمّرت البنية التحتية المدنية بشكل واسع، من منازل ومستشفيات وجامعات. وأكد أن النهج ذاته يُستخدم حاليًا في لبنان.

ولفت زملط، في حديثه مع مجلة الإيكونوميست، إلى أن أكثر من 140 دولة دعمت “إعلان نيويورك” المدعوم من الأمم المتحدة لحلّ الدولتين، وأن محكمة العدل الدولية اعتبرت الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، كما اعترفت دول أوروبية متزايدة، بينها بريطانيا، بدولة فلسطين، في مؤشرات على تحول تدريجي في الموقف الدولي. إلا أن إسرائيل، بحسب زملط، ردّت بمزيد من التصعيد، ما يعكس أهدافًا سياسية توسعية طويلة الأمد، وليس مجرد اعتبارات أمنية.

زملط: ما يجري يتجاوز المخاوف الأمنية، ليشكل صراعًا على مستقبل النظام السياسي في الشرق الأوسط، بل وعلى مصير النظام الدولي القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية

واعتبر أن ما يجري يتجاوز المخاوف الأمنية، ليشكل صراعًا على مستقبل النظام السياسي في الشرق الأوسط، بل وعلى مصير النظام الدولي القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية. وأضاف أن أي فرصة لحلّ سياسي سرعان ما تُجهض بالأزمات، ولن يُكسر هذا النمط إلا بمحاسبة إسرائيل.

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست هامشية، بل تمثل جوهر عدم الاستقرار في المنطقة، وأن أي محاولة لبناء نظام أمني إقليمي دون حلها مصيرها الفشل.

ودعا إلى تحرك على مسارين متوازيين: أولًا، إنهاء الحرب الحالية في الشرق الأوسط عبر وقف إطلاق نار شامل، باعتباره ضرورة إنسانية واستراتيجية، مع ضمان الأمن العربي كركيزة أساسية لأي تسوية، بما في ذلك تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950.

وثانيًا، تحويل الدعم الدولي لحلّ الدولتين من مجرد مواقف سياسية إلى إجراءات عملية، تشمل فرض عقوبات شاملة على منظومة الاحتلال، وحظر التجارة والاستثمار المرتبطين بالمستوطنات، وتطبيق رأي محكمة العدل الدولية بشكل كامل.

كما أكد ضرورة دعم مؤسسات الدولة الفلسطينية القائمة، محذرًا من أن إضعاف السلطة الفلسطينية يهدد ليس فقط قيام الدولة، بل أيضًا الاستقرار الإقليمي وأي اتفاق سياسي مستقبلي. وشدد على أن الفلسطينيين وحدهم من سيحكمون دولتهم، بما في ذلك غزة، وأن التجديد الديمقراطي مطلب فلسطيني أساسي وأحد أعمدة الدولة المستقبلية.

واختتم زملط بالتأكيد على أن الأدوات اللازمة للتحرك الدولي موجودة بالفعل، مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفرض حظر على السلاح، وتعليق اتفاقيات التجارة، وفرض عقوبات على المستوطنين ومنتجاتهم، وتعزيز دور المحاكم الدولية، محذرًا من أن التردد الدولي يشجع إسرائيل على المضي قدمًا في سياساتها.

وأكد أن إنهاء دوامة الحروب في الشرق الأوسط لن يتحقق عبر إدارة الأزمات، بل من خلال معالجة جذورها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية حقوق غير قابلة للتصرف وقضية قانون ومساءلة. وختم بالقول إن تحقيق السلام العادل والدائم يظل ممكنًا، لكنه مرهون بمعالجة هذه القضية بشكل حاسم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *