تحدثنا كثيرا عن الدولة الموازية التي تواطأ الفاعلون السياسيون الشيعة في العراق على مأسستها، وعن الدوافع التي كانت خلف ذلك، وعن عجز الفاعلين السياسيين السنة والكرد عن منع هذه المأسسة، إما بسبب تبعية الغالبية العظمى من الفاعلين السياسيين السنة، في سياق ما أطلقنا عليه “الإخصاء الذاتي مقابل الفساد”، أو في سياق الخطأ الاستراتيجي الذي يقع فيه الفاعلون السياسيون الكرد عادة حين يعتقدون بأن ما يجري في بغداد لن يؤثر عليهم!
لم يكن تحول الميليشيات إلى دولة موازية على مدى السنوات الماضية (2012 – 2026)، أي منذ أن عمد رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وبمشورة إيرانية، إلى إعادة انتاج بعضها (مثل منظمة بدر وكتائب حزب الله وجند الإمام)، أو من خلال دعمه للانشقاقات داخل التيار الصدري من أجل إنتاج ميليشيات جديدة (مثل عصائب أهل الحق والنجباء وكتائب الإمام علي)، وكان ذلك في سياق صراعه مع السيد مقتدى الصدر. وقد استخدمها، فعليا، فيما بعد، وبشكل غير قانوني، في عمليات عسكرية على أطراف بغداد، أو في دعمه لنظام بشار الأسد، وكل ذلك كان قبل أن تظهر داعش، وقبل فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها السيد علي السيستاني، وإن كانوا يدّعون أن هذه الميليشيات أُنشئت لغرض محاربة داعش؛ وهو تدليس فندناه مرارا وعلى مدى سنوات، قبل أن يعترف المالكي وهادي العامري أنفسهم بهذه الحقيقة، وأكدنا أن إنشاءها لم يكن مجرد ناتج عرضي، وإنما كان جزءا من خطة منهجية لبناء الحاكمية الشيعية في العراق!
لقد أريد لهذه الدولة الموازية أن تكون الحامي العقائدي لاحتكار الفاعل السياسي الشيعي للسلطة والدولة في العراق، وما زال هناك إصرار على الإبقاء على هذا السلاح “العقائدي” لأسباب تتعلق بتصوراتهم حول طبيعة الصراع الطائفي في العراق، وحول طبيعة التهديدات التي لا يمكن مواجهتها إلا عبر هذه الدولة الموازية. أو في سياق محاولة فرض الهيمنة على المناطق السنية بعد ذلك، والسيطرة بقوة السلاح والمال على التمثيل السياسي فيها، أو في سياق المواجهة مع إقليم كردستان.
وكان من بين أدوات هذه المأسسة تجاوز الإطار القانوني الحاكم لها، الذي يصف هيئة الحشد الشعبي بأنها «تشكيل عسكري» وأنها “جزء من القوات المسلحة”، لتتحول إلى جهاز استخباري (استخبارات الحشد) وأمني (أمن الحشد) ينازع الأجهزة التابعة للحكومة صلاحياتها، بل أصبحت لديها سجونا وقضاة تحقيق خاصة بها (قاضي الحشد) دون إطار قانوني يسمح بهذا التغول، سوى قوة السلاح، والتواطؤ الجماعي من الحكومة وأجهزتها، وتواطؤ القضاء الذي كان ولايزال يتعاطى مع أجهزة الحشد غير القانونية هذه، ويقوم بتنسيب قضاة للنظر في الدعاوى غير القانونية التي تتولاها، وفي أماكن غير قانونية للاحتجاز من الأصل!
تحولت هذه الميليشيات إلى مراكز قوى حقيقية، تمتلك موارد اقتصادية ضخمة، ولديها شبكات زبائنية واسعة، تبدأ بالبنوك، ولا تنتهي بالسيطرة على قطاع المقاولات والعقود الحكومية، وهو ما سيتيح لها الاستمرار في تأثيرها
لقد كشفت المواجهة بين رئيس مجلس الوزراء السابق السيد مصطفى الكاظمي، وبين الدولة الموازية عام 2020، عن حجم الدعم الذي يوفره الفاعل السياسي الشيعي، والحصانة التي يوفرها القضاء لها؛ ففي أعقاب استهداف السفارة الأمريكية في بغداد، وتمكن قوات مكافحة الإرهاب من إلقاء القبض على مجموعة مكونة من 14 شخصا ينتمون لكتائب حزب الله (وهم جزء من الحشد الشعبي)، مع المبرزات الجرمية المتمثلة بقاعدتين لإطلاق الصواريخ، وجد الكاظمي نفسه معزولا تماما، بعد أن تخلى عنه الفاعلون السياسيون الشيعة، وبعد أن تواطأ القضاء مع المتهمين وأطلق سراحهم. ليضطر الكاظمي إلى التراجع والقبول بالأمر الواقع! وكانت صورة هؤلاء المعتقلين وهم يدوسون على صور الكاظمي “القائد العام للقوات المسلحة” الموضوعة على الأرض، تختزل في رمزيتها طبيعة العلاقة الحقيقية بين الدولة والدولة الموازية في العراق.
لهذا تبدو الفكرة الأمريكية حول موضوع حل الميليشيات، أودمجها في المؤسسة العسكرية والأمنية، ساذجة تماما، لاسيما أن الفاعل السياسي الشيعي لم يحدد خياره لحد هذه اللحظة حول مسألة الدولة أو اللادولة! لقد تحولت هذه الميليشيات إلى مراكز قوى حقيقية، تمتلك موارد اقتصادية ضخمة، ولديها شبكات زبائنية واسعة، تبدأ بالبنوك، ولا تنتهي بالسيطرة على قطاع المقاولات والعقود الحكومية، وهو ما سيتيح لها الاستمرار في تأثيرها السياسي، خاصة أنها تملك أكثر من 90 مقعدا في مجلس النواب، ويمكنها من خلال حلفاء آخرين، شيعة وسنة وكرد، الوصول إلى أكثر من 120 مقعدا، أي على ما يزيد عن 36 في المئة من مجلس النواب!
كما تسيطر هذه الدولة الموازية على مفاصل عديدة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، بعد قيامها بتعيين الكثيرين من المحسوبين عليها في مواقع قيادية داخل تلك المؤسسات؛ الشرطة الاتحادية مثالا، هي مجرد غطاء حكومي لمنظمة بدر!
وأخيرا يشكل القضاء العراقي أحد أبرز داعمي هذه الدولة الموازية، فهو يوفر لها الحصانة الكاملة من أي مساءلة أو عقاب!
لهذه الأسباب، لا يمكن تفكيك الدولة الموازية في العراق، إلا من خلال إعادة هيكلة كاملة لكل هذه القطاعات. ومن بين أهم آليات إعادة الهيكلة هذه حل مجلس النواب الذي تسيطر عليه رموز هذه الدولة الموازية. ولأن الدستور العراقي لا يتيح ذلك إلا من خلال تصويت المجلس نفسه على الحل بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، فلا إمكانية لاستخدام هذا الخيار. ولم يبق بالتالي سوى آليتين للحل تتحققان عبر المحكمة الاتحادية العليا.
الأولى. أن تسجيل هذه الميليشيات كأحزاب سياسية، والسماح لها بالمشاركة في الانتخابات، ينتهك أحكام المادة 9/ أولا/ أ التي نصت على حظر تدخل القوات المسلحة في الشؤون السياسية، وهذه الميليشيات تتبع هيئة الحشد الشعبي التي ينص قانونها على أنها “جزء من القوات المسلحة وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة”. وأحكام المادة 9/ أولا/ ج التي تنص على أنه لا يجوز للقوات المسلحة العراقية وأفرادها الترشح في الانتخابات لإشغال مراكز سياسية. فضلا عن خرق المادة 8/ ثالثا من قانون الأحزاب التي تنص على “أن لا يكون تأسيس الحزب او التنظيم السياسي وعمله متخذاً شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، كما لا يجوز الارتباط بأية قوة مسلحة”، التي تواطأ الجميع على إغفالها عند تسجيل تلك الميليشيات كأحزاب سياسية، والسماح لها بالمشاركة في الانتخابات.
والآلية الثانية. انتهاك انتخابات مجلس النواب الأخيرة أحكام المادة 56/ أولا التي نصت على أن “تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنوات تقويمية، تبدأ بأول جلسة له، وتنتهي بنهاية السنة الرابعة”. إذ لم يتم الالتزام بمدة الأربع سنوات تقويمية، وتم حل مجلس النواب بطريقة غير دستورية قبل إكمال دورته. فقد عقد أول اجتماع لمجلس النواب يوم 9/ 1/ 2022، وكان يجب أن تنتهي ولايته الدستورية يوم 8/ 1/ 2026. لكن المجلس حُلَّ بتاريخ 17/ 11/ 2025؛ أي قبل 52 يوما من نهاية ولايته الدستورية!
ويبقى كل هذا مرهونا بما ستؤول إليه الحرب القائمة، ومدى جدية الأمريكان في التعاطي مع الملف العراقي وإصلاح الخراب الذي ساهموا في صناعته!
٭ كاتب عراقي