قوت الأرض ضمن «بنك الأهداف»


في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران، والتي تستهدف الشعب والمنشآت العلمية والصناعية والثروات الوطنية والبنى التحتية والمدارس والصروح الثقافية والتاريخية، قبل آيات الله والملالي ورجال السلطة ابتداء من المرشد الأعلى وليس انتهاء بضباط الاستخبارات و”الحرس الثوري” و”فيلق القدس”؛ ثمة خسائر كبرى حاسمة لا يُعلن عنها ضمن “بنك الأهداف” الشهير، لأنّ أمثال دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يجتهدون لتفادي حرج التباهي بها، ولأنها لا تقع بالضرورة داخل المساحة الإيرانية وحدها، بل تشمل الاطراف الأوسع والأقصى من عالم البشر، خاصة البؤساء في بقاع الفقر وشعوب الأطراف والهوامش.
وقوت البشر، من الرغيف إلى ما يشترط إنتاجه من زراعة وحصاد وقمح وطاقة وأسمدة، فضلاً عن الإنسان الخباز ذاته، هو في رأس البنود غير المعلنة من “بنك الأهداف” الشهير إياه؛ حتى إذا كان جزء من المفارقة يتجلى أيضاً في انقلاب الشرّ على الاشرار أنفسهم، لدى الشعوب ذاتها التي وضعتهم نظمها الديمقراطية في سدّة حكمها: في الولايات المتحدة، كما في دولة الاحتلال الإسرائيلي، مع تباين هنا وهناك في المعدّلات وأنماط الخضوع. فالأسعار التي تخصّ قوت الأرض، إنتاجاً واستهلاكاً، تتباين بين مواطن التخمة وأراضي الجوع، وهذا منطق اقتصادي محتوم؛ ولكنّ غائلة الندرة والحاجة والغلاء ليست متشابهة، وهي ضمن المنطق ذاته ليست متساوية في ما تخلّفه على البشر من مسغبة ومشقة وضنك.
ولأنّ الإحصائيات ذات المصداقية الميدانية/ العلمية لا تتوفر إلا في حدود؛ فللمرء أن يذهب إلى معطيات “برنامج الأغذية العالمي”، التي تخدم في كثير أو قليل، أياً كانت مظانها من حيث التعبير الصادق عن واقع الحال في ساحات مجاعة البشر. وانحباس الحبوب والأسمدة هو العامل الأبرز في تشكيل الأزمات الغذائية الأشدّ خطورة وتأثيراً، الأمر الذي يتضافر سريعاً، وعضوياً، مع ارتفاع سعر برميل النفط، وانحباس توريدات الغاز المسال، واستعصاء أنماط الطاقة إجمالاً.
وعن الارتباط الوثيق بين المجاعات وموجات التهجير والنزوح، يشير “برنامج الأغذية العالمي” إلى المعطيات التالية، من بعض دول الشرق الأوسط:
ــ 3,2 مليون مهجّر في إيران، تحت وطأة مستفحلة من الغلاء والتضخم وانحطاط العملة واختناق البلد بالعقوبات الأمريكية؛
ــ في لبنان، أكثر من 800 ألف مهجر من قرى وبلدات الجنوب، ونحو 874 ألف نسمة تحت غائلة الجوع الشديد؛
ــ في قطاع غزّة، 1,6 مليون نسمة تحت خطّ الجوع الشديد أيضاً، فضلاً عن شروط الحصار والتشريد والتجويع والتعطيش؛
ــ في سوريا، عشرات الآلاف من السوريين ينزحون عكسياً من لبنان، بعد أن كانوا أصلاً نازحين هناك؛ بالإضافة إلى نحو 6,000 لبناني بين صفوفهم.
وأمّا الشعوب، في أفريقيا وآسيا خصوصاً، التي تعتمد على الاستيراد في تأمين مختلف الأغذية، فيمكن أن تشهد ارتفاعاً في الأسعار سوف يخلّف تلقائياً ما يتجاوز 24 في المئة في معدلات الجوع الشديد؛ وهذا رقم يتلاقى مع نحو 45 مليون آدمي على نطاق السكان في مجموعات الأطراف والهوامش. ولا يتردد كارل سكاو، نائب مدير منظمة الأغذية، في التحذير هكذا: “إذا استمر الصراع، فلسوف يرسل موجات صدمة على امتداد المعمورة، والعائلات التي تعجز لتوها عن توفير وجبة الطعام التالية، سوف تتلقى الضربة الأقصى. ومن دون استجابة ملائمة التمويل، فإنّ الحال ستنجم عن كوارث لملايين هم للتوّ على حافة الانهيار”.

 إذا استمر الصراع، فلسوف يرسل موجات صدمة على امتداد المعمورة، والعائلات التي تعجز لتوها عن توفير وجبة الطعام التالية، سوف تتلقى الضربة الأقصى

ولقد أسمعَ الرجلُ لو كان ينذر حياً، ليس لأنّ رئيس الولايات المتحدة اليوم هو نفسه الذي يخوض الحرب ضدّ قوت الأرض، فحسب؛ بل كذلك، وفي الجوهر، لأنّ سجلّ الولايات المتحدة في الحفاظ على أغذية البشر هو في عداد الأشدّ استهتاراً وإفساداً وتخريباً، فضلاً عن الجشع الإمبريالي المأثور والقديم المتجدد؛ وذلك بصرف النظر عن هوية سيّد البيت الأبيض، جمهورياً كان أم ديمقراطياً. ففي سنة 2000 التي شهدت انعقاد “القمّة الألفية”، وخلالها استمع جياع الكون إلى أكثر من 150 خطبة ألقاها زعماء العالم، انفرد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون بهذه المقاربة البهلوانية: بين أولويات أمريكا، قائدة الكون بأسره كما أوحى، ثمة واجب التدخّل في شؤون الأمم والشعوب تحت ذريعة حماية الأبرياء، فكان ضمير الـ”نحن” يخرج عن مدلول تمثيل العالم والرهط المجتمع في القاعة، كي يتماهى أكثر فأكثر مع مدلول تمثيل أمريكا وحدها، وإقامة الثنائية العتيقة الشهيرة دون سواها: “نحن” و”هم”.
وقبل أشهر قليلة سبقت تلك القمّة كانت مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية كلنتون، قد جزأت العالم إلى أربعة: الأعضاء الأصلاء في النظام الدولي، والأعضاء الذين يعيشون حال انتقال إلى النظام الدولي، والأعضاء غير المنتسبين إلى ذلك النظام من الضعفاء والفقراء والغارقين في نزاعات إثنية وأهلية، والأعضاء غير المنتسبين بدورهم ليس لضعف أو فقر أو حروب داخلية بل لأنهم عصاة مارقون وأبالسة أشرار. وفي استطراد بسيط: ثمة فقر وغنى، جوع وتخمة، قوّة وعجز… لكلّ من هذه العوالم! من جانبها، كانت الآمال الألفية، كما عكستها لاحقاً القمة المشهودة، تتطلع إلى تخفيض عدد الذين يعيشون على أقلّ من دولار أمريكي يومياً إلى النصف، وتأمين مياه الشرب النظيفة إلى هذا النصف ذاته من شعوب الأرض، وتأمين التعليم الإبتدائي (إلى جميع أطفال العالم، هذه المرّة)؛ على أن يتمّ ذلك كلّه بحلول… العام 2015!
وهذه سطور لا تجد غرابة في أنّ الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران هي، في الآن ذاته، حرب على قوت البشر وجياع الأرض، فالأصل أن تتخذ أهداف هذا الطراز الإمبريالي من الحروب صفات متنوعة شتى، في عدادها إثراء المليارديرات عن طريق تجويع الفقراء. ذلك لأنّ الفقر سياسة أيضاً، أو هو بعض روح السياسات، مثله في ذلك مثل الاقتصاد البسيط والاقتصاد المعقد والتنمية المؤقتة والتنمية المستدامة. ولهذا فإنّ تحقيق أيّ تقدّم في تنفيذ الأغراض الألفية لم يكن وثيق الارتباط بسياسات الدول والشعوب المعنية بالإنماء، فحسب؛ بل كذلك بسياسات الدول والشعوب التي تتعهد بالمساعدة على الإنماء، أو تلك التي يقتات الكثير من اقتصادها على إفقار الآخرين، أيضاً وأيضاً!
وهكذا فإنّ الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران تضيف ما هو أسوأ، وأشدّ مأساوية، إلى معطيات قاتمة تقول التالي:
ــ كلما انقضت ثلاث ثوانٍ ونصف، من زمن البشرية المعاصرة، يموت شخص جوعاً، تحديداً، أي ليس بسبب المرض أو الكوارث الطبيعية؛
ــ وفي صفوف الأطفال، حسب إحصائيات الـ”يونيسيف”، يموت 22 ألف طفل يومياً: “بصمت، في بعض أكثر قرى البسيطة فقراً، بعيداً عن مرأى الضمير العالمي”؛
ــ ومليار آدمي يعيشون على أقلّ من 1,25 دولار يومياً، وقرابة 2,56 مليار على أقلّ من دولارَيْن، و5,05 مليار (أكثر من 80 في المئة من تعداد سكان العالم) على أقلّ من 10 دولارات؛
ــ وفي المقابل، أقلّ من 1 في المئة ممّا ينفقه العالم على التسلّح كلّ سنة، يكفي لتأمين مدارس لكلّ أطفال العالم الأمّيين…
والأرجح أنّ ما هو أدهى، وما لا يتكشف اليوم، يكمن في صميم “بنك الأهداف” لدى أمثال ترامب ونتنياهو؛ حتى إشعار قد يطول، أكثر مما يقصر.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *